خواطر في الأدب والفن


  • منذ أيّام، قرأت كلاما عميقا لأحد الكتّاب عندما تحدّث عمّا اسماه "وهم الهويّة". ولو قرأ كلّ إنسان هذا الكلام لأعاد النظر في بعض الأفكار القديمة عن التفاخر بالأحساب والأنساب وبالقبائل والمناطق والمذاهب وما الى ذلك.
    فكرة الكاتب تقوم على أساس أن ليس هناك من شعب أو جماعة بشرية أصليّة أو أصيلة. فجميع البشر يتحدّرون من السّفن العائمة والقوافل التائهة و"ألا سبقَ أو تفضيل لجماعة بشرية على أخرى إلا في سرعة الرياح".
    فالكلّ مولودون في مراكب تقاذفتها الأمواج أو الرياح حينا من الدهر، و"كلّنا أضعنا أوراق هويّاتنا في البحر، وكلّنا بلا استثناء انحدرنا من نسل الناجين من الطوفان. وبناءً عليه، لا أحد يملك اليابسة أو الأصل، ولا أحد يملك الهويّة".
    ولهذا السبب، يضيف الكاتب، كانت لغتنا دقيقة في التعبير عن الهويّة. فالهويّة ليست أنا، وليست نحن. الـ "هويّة" مشتقّة من ضمير الغائب "هو"، الذي يحيل اصطلاحا إلى الغياب بدل الحضور، وإلى الفقد بدل الامتلاك، وإلى الاجتثات بدل الثبات. ومن هنا، ربّما، يكمن البعد الرمزيّ لسفينة نوح.
    في رواية 1984 لجورج اورويل، ترد عبارة ذات صلة بهذا الموضوع. تقول إحدى الشخصيات انه لو سُمح لكلّ إنسان بأن يتواصل مع الغرباء، لاكتشف أنهم مخلوقات تشبهه وأن ما قيل له عنهم مجرّد أكاذيب، ولانكسر العالم المقفل الذي يعيش فيه ومعه كلّ إحساس بالخوف والكراهية والتحامل ضدّ الآخر".
    يحار المرء أحيانا وهو يرى هذا السيل المنهمر من الأخبار والتحليلات والقصص الإخبارية التي يقصفنا بها كل دقيقة، بل كلّ لحظة، هذا الجيش العرمرم من القنوات الفضائية والمحطّات الإذاعية والمواقع الاليكترونية التي لا ُتعدّ ولا ُتحصى.
    ومبعث الحيرة كامن في حقيقة أن الإنسان لا يعود يثق كثيرا بأحكامه ولا باستنتاجاته التي يكوّنها عن حدث ما أو قضيّة معيّنة. فالتحليلات والتفسيرات متضاربة والآراء والسرديات متعدّدة ومتباينة. وهي حال تجعل ذهن المتلقّي عرضة للتشوّش والارتباك، ومن ثمّ العجز عن تحليل الأمور وفهمها من خلال وضعها في سياقها المنطقيّ الصحيح.
    قد لا يكون من المناسب استدعاء نظريّة المؤامرة في كلّ حين، غير أنّ المرء لا يسعه سوى أن يتساءل: هذا الضخّ الإعلامي الصاخب الذي يُحكم قبضته علينا آناء الليل وأطراف النهار والذي يشلّ بزخمه وكثافته قدرة الإنسان العاديّ على التركيز والفهم، هل ُيراد من ورائه تغييب الحقيقة أو طمسها وإخفاؤها؟
    هل هناك جهات ما أو شبكة من القوى يهمّها أن تتوارى الحقيقة في زاوية بعيدة بحيث لا يعلم الناس بالضبط ماذا جرى ولا كيف جرى، ولا سبيل إذن لتحقيق هذا الهدف سوى بإشغال الناس وصرف أنظارهم بعيدا، عن طريق غمرهم بهذا الطوفان الذي لا ينقطع من التغطيات والقصص الغامضة والتحليلات المتناقضة التي لا تسهم سوى بتزييف الوعي وإفقاد المتلقّي قدرته الواعية على التمييز والفهم.
    نعيش الآن في عصر ثورة تكنولوجيا الاتصالات وجبروت الإعلام الذي يسيّر الإنسان كالآلة ويصوغ حياته بل ويشكّل عالمه الداخليّ كلّه، بما في ذلك عقله وروحه من خلال ما يستقبله من رسائل وإشارات تجعله يتكيّف لا إراديا مع الواقع من حوله. والأخطر أنها تسلبه قدرته الواعية على التفريق بين الخير والشرّ والحقّ والباطل والعدل والظلم.
  • ❉ ❉ ❉

    ❉ ❉ ❉

  • في الانغليزية، وعلى النقيض من العربية، القمر مؤنّث، والشمس مذكّر، والنهر مؤنّث وهكذا. لكن ليست هذه قاعدة ثابتة. بمعنى أن هذه الأسماء في الأصل ليس لها جندر، أي ليست مذكّرة أو مؤنّثة في ذاتها، بل سياق الكلام هو ما يحدّد ذلك.
    الليل أيضا ليس له جندر. لكن إذا كان الليل هادئا مع نسيم لطيف وروائح أزهار في الظلام فهو مؤنّث. أما إن كان محمّلا بالخوف والتوتّر والخطر فعندها يصبح مذكّرا. وإذا أردت وصف الشمس كعنصر مغذّ ويمدّ النباتات بالنموّ والنضارة فهي مؤنّث. أما إن أردت وصفها كإله من عصور ما قبل التاريخ وتهيمن على السماء بقوّة فعندها تصبح مذكّرا.
    في إحدى الأغاني القديمة ترِد هذه العبارة: الحبّ طائر، وهي بحاجة لأن تطير). لاحظ أن الحبّ أشير إليه بصيغة المؤنّث، والأمر هنا مرتبط بسياق الشعر والأدب. أي أن المتكلّم أو الكاتب يخلع على هذه المفردات الجندر المناسب بحسب تصوّره لها وباختلاف السياق الذي ترد فيه.
    اللغة أيضا ليست فقط وسيلة للتعبير عن الأشياء، بل إنها يمكن أن تغيّر الطريقة التي نفكّر بها. مثلا، في العربية أو الانغليزية، يمكنك أن تقول "أنا ذاهب" وتسكت، أو "فلان يمشي" ثم تتوقّف. لكن في الألمانية هذا ليس كافيا، بل يتعيّن عليك أن تقول إلى أين أنت ذاهب وأن تحدّد المكان الذي يمشي إليه الشخص في الجملة الثانية.
    في تجربة أُجريت قبل سنوات، اختيرت مجموعتان من الأشخاص، الأولى أفرادها يتحدّثون الانغليزية، والثانية يتحدّثون الألمانية. وعُرض على المجموعتين فيلم صامت لا تتجاوز مدّته بضع دقائق ثم طُلب من أفراد كلّ مجموعة أن يصفوا ما رأوه في الفيلم.
    وكانت النتيجة أن الذين يتكلّمون الانغليزية تذكّروا ماذا كان الأشخاص في الفيلم يفعلون، أما الذين يتحدّثون الألمانية فقد تذكّروا إلى أين كان الأشخاص ذاهبين. أي أن كلّ مجموعة كانت تفكّر بلغتها الخاصّة. وهذا يؤكّد إلى أيّ مدى يمكن أن تتحكّم اللغة في تفكيرنا وتؤثّر على حياتنا.
  • ❉ ❉ ❉

  • اقتباسات...

    ○ سأضحّي بأروع غروب للشمس في العالم مقابل أن أرى لمرّة واحدة أفق نيويورك، خاصّةً عندما لا يستطيع المرء رؤية التفاصيل، بل الأشكال فقط. الأشكال والأفكار التي شكّلتها. السماء فوق نيويورك وإرادة الإنسان متجسّدة. ثم يخبرني الناس عن رحلات حجّ إلى وكر رطب في غابة، حيث يذهبون لتقديم فروض الولاء لمعبد متداع، لوحش حجري سمين صنعه متوحّش مصاب بالجُذام.
    هل يريدون رؤية الجمال والعبقرية؟ هل يسعون إلى الشعور بالجلال؟ فليأتوا إلى نيويورك وليقفوا على ضفاف نهر هدسون ولينظروا ويركعوا. عندما أرى المدينة من نافذتي، لا أشعر بصغر حجمي، بل أشعر أنه لو هَدّدت حرب هذا، لألقيت بنفسي في الفضاء فوق المدينة، ولحميت هذه المباني بجسدي. آين راند

    ○ لا أعتقد أن الكُتّاب مُقدّسون، لكن الكلمات مُقدّسة. إنها تستحق الاحترام. إذا اخترت الكلمات المناسبة بالترتيب الصحيح، يُمكنك أن تُحرّك العالم قليلاً أو أن تُنشئ قصيدةً يتحدث عنها الناس بعد موتك. توم ستابارد

    ○ كنت أجلس مع فيلسوف في الحديقة، وكان يردد مرارا وتكرارا: أعلم أن هذه شجرة"، مشيرا إلى شجرة قريبة منّا. ثم وصل شخص آخر وسمع هذا، فقلت له: هذا الرجل ليس مجنونا. نحن فقط نمارس الفلسفة. ل. فيتغنشتاين

  • Credits
    archive.org
    online-literature.com

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة

    مخطوطات قرآنية نادرة

    اللوحات العشر الأكثر ترويعاً وعُنفاً

    أساطير قديمة: العنقاء