:تنويه

تنويه: كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. .


الأحد، أكتوبر 02، 2011

مونيه: أشجار الحور

يُؤثر عن كلود مونيه قوله ذات مرّة: ليست هناك أمنية اعزّ على نفسي من أن أتوحّد مع الطبيعة وأن أعمل وأعيش بانسجام مع قوانينها، كما تحدّث عنها غوته. الطبيعة هي تجسيد للعظمة والقوّة والخلود". وكذلك قوله: لا توجد طبيعة ثابتة. مظهر الطبيعة يتغيّر باستمرار بفعل البيئة المحيطة من جوّ وضوء وهواء".
في العام 1890، رسم مونيه عدّة لوحات أراد من خلالها أن يدرس موضوعا واحدا، لكنْ في ظروف مناخية متباينة وفي أوقات مختلفة من اليوم. كانت تلك اللوحات جزءا من مشروع حياته، أي الإمساك في الرسم بالمظهر المتغيّر للطبيعة وبالأحوال المختلفة التي تطرأ على البيئة بسبب تغيّرات الضوء والطقس والحركة.
وكان هذا قد جلب لـ مونيه ورفاقه الانطباعيين الكثير من السخرية والانتقاد. لكن قُدّر لهذه المدرسة أن تتطوّر وأن تُحدث تغييرا في مسار الرسم الفرنسي والعالمي إلى اليوم.
في عام 1891، قرّر مجموعة من مالكي أشجار الحور المجاورة لمنزل مونيه في جيفرني بيع أشجارهم الكاملة النموّ في المزاد. وكانت تلك الأشجار قد زُرعت أصلا لأسباب تجارية وليست جمالية. وكان مقدّرا للأشجار أن تتحوّل في النهاية إلى عيدان ثقاب وخشب للسقّالات.
لكنّها كانت قد أسرت خيال مونيه وحازت على جلّ اهتمامه. وقبيل بيعها، قرّر أن يرسمها في الفترة ما بين فصلي الربيع والخريف من تلك السنة. كان قد أكمل رسم ثلاث وعشرين لوحة لـ أشجار الحور. وبعد ذلك بعام، عرض خمس عشرة منها في معرض حقّق نجاحا باهرا في باريس.
رسم مونيه كلّ هذه الدراسات في الهواء الطلق. وكان يأخذ بعضها إلى محترفه كلّما استدعت الحاجة لأن يضيف إليها بعض التفاصيل.
ادوار مانيه، صديق مونيه ومعلّمه، رسم صديقه وهو يجلس أمام لوحة في محترفه العائم. في هذه اللوحة ليس هناك ماء. والشجر يمكن رؤيته من نقطة منخفضة جدّا. وفي المقدّمة ترتفع أربع أشجار رشيقة إلى عنان السماء الزرقاء وهي تتمايل بطريقة إيقاعية.
تنظر إلى هذه اللوحات فيساورك إحساس بالنسيم الخفيف وتتخيّل صوتا يرتفع شيئا فشيئا، وفي النهاية تستحيل الهمسات إلى غمغمات.
استخدام اللون هو إحدى العلامات الفارقة للأسلوب الانطباعي. والألوان المهيمنة في هذه اللوحات هي الأخضر والظلال المتفاوتة للأزرق. لكنّ مونيه استخدم البنّي والأحمر على جذوع الأشجار والأصفر في المقدّمة كي يعطي المنظر عمقا ونسيجا أكثر.

كان مونيه يذهب إلى المكان الذي تقوم فيه الأشجار الرائعة على متن قارب صغير. وفي احد الأوقات، اضطرّ لشراء بعض الأشجار لأنه لم يكن قد انتهى من رسمها بعد. وعندما أكمل مهمّته باع الأشجار إلى احد متعهدّي تجارة الأخشاب.
في استخدامه الثقيل للون، كان مونيه متأثّرا بالرسوم اليابانية التي أصبحت رائجة في فرنسا قبل عشر سنوات من ذلك الوقت.
وبالإضافة إلى النوعية الزخرفية للوحات مونيه عن أشجار الحور وتصويرها الفاتن للضوء والجوّ والطبيعة، فإن الأشجار نفسها لها دلالة رمزية معاصرة. فقد كانت شجرة الحور ومنذ نهاية القرن الثامن عشر، أي منذ الثورة الفرنسية، هي شجرة الحرّية بالنسبة للفرنسيين. وتعزّزت هذه الرمزية بعد حرب فرنسا مع بروسيا. ومونيه في هذه اللوحات يحتفل باستقلال الوطن مثلما انه يحتفل بالطبيعة نفسها.
مونيه يوجّه اهتمام الناظر إلى محاولة فهم ذبذبات الحرارة وحركة الأمواج المضيئة والإحساس بالريح القويّة.
الرسّامة بيرتا موريسو قالت ذات مرّة: أمام لوحة مونيه، أعرف تماما إلى أيّ جانب ينبغي أن أحرّك مظلّتي".
مونيه فنّان لا نظير له في رسم الماء والغدران والأنهار والبحيرات. انه يعرف كيف يفرّق بين ألوانها وتياراتها ودرجات تماسكها. كما انه يتمتّع بحدس عال في تصويره الحميم للمادّة والماء والأرض والهواء والحجر.
هذا الحدس خدمه كثيرا. ويبدو انه ولِد من اجل الرسم. هذه القوّة في اختراق أسرار المادّة والضوء ساعدته على أن يرسم بشاعرية عظيمة.
تأمّل لوحاته عن نهر التيمز وعن حقول القشّ، حيث يمتزج الضباب بقطرات الفضّة والذهب التي تتوهّج مثل كرنفال زهري.
مبدأ تقسيم الألوان ودراسة الألوان المساعدة ادخل مونيه إلى عالم مليء بالكشوفات والرؤى. هو نفسه كان مبتكرا ومثقفا وموهوبا بذكاء صُوري أخّاذ ونادر. افتتانه بالجوّ والمجالات كان مساويا لذلك الذي كان عند الرمزيين. وقد وجد عظمته في حبّه العميق للطبيعة.
في أواخر حياته، وكان قد فقد زوجته وأفراد عائلته، بدأ مونيه البحث عن موضوعات للرسم بالقرب من منزله. فرسم المروج وحقول السوسن البرّي التي كانت تنمو قريبا من المكان.
في رسالة إلى احد أصدقائه قال انه يبحث عن المستحيل في لوحاته. كان يشير بملاحظته تلك إلى دورة الفصول في الطبيعة وتحوّل الألوان والظلال من طور إلى طور.
وفي عام 1890، تزوّج مونيه من أرملة واشترى بيتا جديدا قام بتحويل بركته الصغيرة إلى حديقة مائية. وشيئا فشيئا أصبح يحبّ الزراعة، وحوّل الحديقة أمام منزله إلى أشجار وارفة الظلال وأزهار نضرة.
طريقة تصميمه للحديقة تعكس إعجابه القويّ بالفنّ الياباني. في تلك الفترة، رسم مونيه أوّل لوحة في سلسلة لوحاته عن حدائق الماء والجسر الياباني، والتي تتكوّن من ثمانية عشر منظرا. "مترجم".