عن الهويّة وطبيعة الأشياء
سفينة ثيسيوس، أو مفارقة ثيسيوس، هي تجربة فكرية تطرح تساؤلا حول ما إذا كان الشيء الذي استُبدلت جميع أجزائه يبقى هو نفسه في جوهره. وأصل هذه الفكرة ما ذكره المؤرّخ بلوتارك الذي أشار الى أن السفينة التي عاد بها ثيسيوس وبعض شباب أثينا من جزيرة كريت كانت تحتوي على ثلاثين مجدافا.
وقد حافظ الأثينيون على السفينة حتى زمن فاليريوس، إذ كانوا يزيلون الألواح القديمة عندما تتحلّل ويضعون مكانها أخشابا جديدة وقويّة، لدرجة أن هذه السفينة أصبحت مثالا يُحتذى بين الفلاسفة، حيث طرحوا سؤالا فلسفيا اختلفوا في الإجابة عنه يقول: مع كلّ التغييرات التي طرأت على السفينة عبر أجيال وعلى مرّ مئات السنين، هل ظلّت السفينة كما هي بعد أن استُبدلت بالكامل قطعة قطعة، أم أنها لم تعد كما كانت وأصبحت سفينة أخرى؟!
الفيلسوف اليوناني هيراكليتس حاول حلّ هذه المفارقة بطرح فكرة نهر يتجدّد ماؤه وتتدفّق منه مياه مختلفة، وقال إن من يخطو في النهر نفسه لا يخطو فيه مرّتين لأن مياها جديدة تتدفّق في مجراه باستمرار.
السؤال الفلسفي الذي طرحه بلوتارك طوّره بعد قرون الفيلسوف الانغليزي توماس هوبز الذي تساءل عمّا سيحدث إذا جُمعت الألواح الأصلية بعد استبدالها واستُخدمت لبناء سفينة ثانية؟ أيّ من السفينتين هي سفينة ثيسيوس الأصلية؟!
فيما بعد أصبحت هناك نسخ حديثة من مفارقة السفينة. فقد اقترح جون لوك، مثلا، سيناريو يتعلّق بجورب يظهر فيه ثقب. وتساءل عمّا إذا كان الجورب سيظلّ كما هو بعد وضع رقعة على الثقب، وما إذا كان سيظلّ كما هو بعد وضع رقعة ثانية، وثالثة، وهكذا، حتى تُستبدل جميع مواد الجورب الأصلي بالرُقع.
مفارقة السفينة أبحرت الى ما وراء الفلسفة القديمة، وأخذت طريقها الى مجالات علم النفس والعلوم والثقافة الشعبية المعاصرة، والى علم الأحياء حيث يخضع جسم الإنسان لتغيّرات مستمرّة كتجدّد واستبدال الخلايا على مدى سنوات.
من الناحية الفلسفية والنفسية، نحن كبشر، تتغيّر هويّاتنا مع تغيّرات الحياة، وهذا يعني أن الشخص الذي أنت عليه اليوم هو نسخة مستمرّة، ولكنها متحوّلة، من نفسك السابقة، تشكّلت من خلال كيمياء الدماغ وأحداث الحياة.
وقد أصبحتَ شخصا مختلفا لأن خلاياك وأعصابك وكيمياء دماغك ظلّت تتغيّر باستمرار. وتمّ تحديث معتقداتك ومواقفك وفهمك للعالم باستمرار. وكلّ تجربة جديدة تضيف طبقات وتُغيّر من أنت. وفي النهاية، أنت كيان ديناميكي كالنهر الجاري، يتغيّر الماء فيه باستمرار، لكنه يبقى من حيث جوهره نفس النهر. والانسان الذي أنت عليه اليوم هو نتاج كلّ الأشخاص الذين كنتَهم في الماضي. وطوال الوقت ظللتَ تتحوّل باستمرار إلى شخص جديد.
مفارقة السفينة ظهرت أيضا بأشكال مختلفة في سياقات خيالية، وخاصّة في الفانتازيا أو الخيال العلمي، حيث تُستبدل أجزاء من جسد شخصية ما بأخرى اصطناعية الى أن يُستبدل الشخص بالكامل. وهناك العديد من الأشكال الأخرى التي تشير إلى نفس المفهوم في الثقافة الشعبية.
وقد حافظ الأثينيون على السفينة حتى زمن فاليريوس، إذ كانوا يزيلون الألواح القديمة عندما تتحلّل ويضعون مكانها أخشابا جديدة وقويّة، لدرجة أن هذه السفينة أصبحت مثالا يُحتذى بين الفلاسفة، حيث طرحوا سؤالا فلسفيا اختلفوا في الإجابة عنه يقول: مع كلّ التغييرات التي طرأت على السفينة عبر أجيال وعلى مرّ مئات السنين، هل ظلّت السفينة كما هي بعد أن استُبدلت بالكامل قطعة قطعة، أم أنها لم تعد كما كانت وأصبحت سفينة أخرى؟!
الفيلسوف اليوناني هيراكليتس حاول حلّ هذه المفارقة بطرح فكرة نهر يتجدّد ماؤه وتتدفّق منه مياه مختلفة، وقال إن من يخطو في النهر نفسه لا يخطو فيه مرّتين لأن مياها جديدة تتدفّق في مجراه باستمرار.
السؤال الفلسفي الذي طرحه بلوتارك طوّره بعد قرون الفيلسوف الانغليزي توماس هوبز الذي تساءل عمّا سيحدث إذا جُمعت الألواح الأصلية بعد استبدالها واستُخدمت لبناء سفينة ثانية؟ أيّ من السفينتين هي سفينة ثيسيوس الأصلية؟!
فيما بعد أصبحت هناك نسخ حديثة من مفارقة السفينة. فقد اقترح جون لوك، مثلا، سيناريو يتعلّق بجورب يظهر فيه ثقب. وتساءل عمّا إذا كان الجورب سيظلّ كما هو بعد وضع رقعة على الثقب، وما إذا كان سيظلّ كما هو بعد وضع رقعة ثانية، وثالثة، وهكذا، حتى تُستبدل جميع مواد الجورب الأصلي بالرُقع.
مفارقة السفينة أبحرت الى ما وراء الفلسفة القديمة، وأخذت طريقها الى مجالات علم النفس والعلوم والثقافة الشعبية المعاصرة، والى علم الأحياء حيث يخضع جسم الإنسان لتغيّرات مستمرّة كتجدّد واستبدال الخلايا على مدى سنوات.
من الناحية الفلسفية والنفسية، نحن كبشر، تتغيّر هويّاتنا مع تغيّرات الحياة، وهذا يعني أن الشخص الذي أنت عليه اليوم هو نسخة مستمرّة، ولكنها متحوّلة، من نفسك السابقة، تشكّلت من خلال كيمياء الدماغ وأحداث الحياة.
وقد أصبحتَ شخصا مختلفا لأن خلاياك وأعصابك وكيمياء دماغك ظلّت تتغيّر باستمرار. وتمّ تحديث معتقداتك ومواقفك وفهمك للعالم باستمرار. وكلّ تجربة جديدة تضيف طبقات وتُغيّر من أنت. وفي النهاية، أنت كيان ديناميكي كالنهر الجاري، يتغيّر الماء فيه باستمرار، لكنه يبقى من حيث جوهره نفس النهر. والانسان الذي أنت عليه اليوم هو نتاج كلّ الأشخاص الذين كنتَهم في الماضي. وطوال الوقت ظللتَ تتحوّل باستمرار إلى شخص جديد.
مفارقة السفينة ظهرت أيضا بأشكال مختلفة في سياقات خيالية، وخاصّة في الفانتازيا أو الخيال العلمي، حيث تُستبدل أجزاء من جسد شخصية ما بأخرى اصطناعية الى أن يُستبدل الشخص بالكامل. وهناك العديد من الأشكال الأخرى التي تشير إلى نفس المفهوم في الثقافة الشعبية.
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
قصّة سفينة ثيسيوس تثير تساؤلات عن طبيعة الهويّة والاستمرارية والتحوّل. وسواءً كنّا نتأمّل سفينة أو هاتفا ذكيّا أو حتى أنفسنا، فإن هذه المفارقة تدعونا للتساؤل: ما الذي يجعل شيئا ما أو شخصا ما ثابتا على حاله مع مرور الوقت؟
وقصّة السفينة يمكن تطبيقها على البشر، كما ذُكر آنفا. فمع مرور الوقت، تُستبدل معظم خلايا جسم الإنسان، إذ يفقد ما يقرب من 500 مليون خليّة جلدية كلّ يوم، وبعد سبع سنوات يفقد الجسم كل خلاياه الأصلية. كما أن أفكارنا وذكرياتنا وشخصياتنا تتطوّر وتتغيّر بمرور الوقت.
والسؤال: هل ما زلت أنت كما كنت قبل عشر سنوات من اليوم؟ وهل الهوية متجذّرة في المادّة نفسها أم في شيء أعمق، مثل الوعي أو الذاكرة أو استمرارية التجربة؟ هناك من يرى أن السفينة تختلف عن البشر، لأن لدى الإنسان ذكريات، بينما لا تمتلكها الجمادات، والذاكرة هي التي تربط الانسان بالماضي.
وبعض الفلاسفة وعلماء النفس يجادلون بأن هويّة الشخص مرتبطة بالذاكرة والاستمرارية النفسية. فإذا استطعتَ مثلا تذكّر أنك كنتَ نسخة من نفسك في الماضي، فأنتَ الشخص نفسه. بينما يقول آخرون إن الهويّة مجرّد وهم مريح مبنيّ على تجارب وتركيبة بيولوجية متغيّرة باستمرار، وأنها مفهوم متغيّر وليست شيئا واحدا لفترة طويلة.
ومفارقة السفينة تثير أسئلة أخلاقية أيضا. مثلا، إذا ارتكب شخص ما جريمة في الماضي، ولكن شخصيّته تغيّرت بشكل كامل الآن، فهل يظلّ مسئولا عما حدث؟ وإذا كان من الممكن تحميل عقلك إلى جهاز، فهل سيظلّ هذا الجهاز هو "أنت"؟
كما أن مثال السفينة يدفعنا الى إعادة التفكير فيما نعنيه عندما نقول إن شيئا ما أو شخصا ما هو "نفس الشيء او الشخص". التحف التاريخية والاعمال الفنّية، مثلا، التي تخضع لعمليات ترميم واسعة النطاق باستخدام المواد الأصلية، هل تحتفظ بكينونتها وهويّتها الأصلية أم أنها تصبح أعمالا أخرى؟! وهل يتعلّق الأمر بالمواد أم الاستمرارية أم الوظيفة أم الذاكرة؟ ربّما لا تكون الهويّة نقطة ثابتة، بل نهر متدفّق ومتغيّر باستمرار.
هناك طريقتان مختلفتان للتفكير في الهويّة، واحدة تقول بأن الكائن هو أجزاؤه. استبدل الأجزاء فيصبح كائنا آخر. وهناك طريقة تتبنّى منظور الاستمرارية، وتقول بأن الشيء هو نتيجة تغيّر مستمر. وما دامت التغيّرات تحدث تدريجيا وترتبط بالماضي، فإن الهوية محفوظة ومستمرّة. وفي حالة سفينة ثيسيوس، فإن الرأي الثاني يشير إلى أن السفينة "الأصلية" التي استُبدلت تدريجيا هي السفينة "الحقيقية"، وليست النسخة التي أُعيد تجميعها.
وهناك طبقة أخرى من النقاش تتبنّى فكرة الغرض او الغاية او الجوهر، فسفينة ثيسيوس الأولى تظلّ هي الأصل طالما أنها تخدم نفس الغرض، بغضّ النظر عن الموادّ التي تُصنع منها وما إذا كانت تلك المواد او الأجزاء غُيّرت ام لا. فاستمرارية وظيفة السفينة ضرورية للحفاظ على هويّتها. أي أنها تبقى نفس السفينة لفترة طويلة طالما استمرّت وظيفتها والغرض الذي من أجله أنشئت. أي أن استبدال الأجزاء لا تؤدّي إلى تآكل هويّتها، شرط أن تستمرّ السفينة في تأدية نفس الدور أو الوظيفة التي تؤدّيها.
ووفقا لأرسطو، فإن "ماهية" الشيء هي علّته الصورية. لذا فإن سفينة ثيسيوس هي نفسها، لأن العلّة الصورية، أو التصميم، لا يتغيّر، مع أن المادّة المستخدمة في بنائها قد تتغيّر مع الزمن.
إن نهر الزمن يتدفّق باستمرار. ومع تغيّر الوعاء بطريقة خفيّة، وعميقة أحيانا، يكون من المفيد أن تأخذ استراحة وتستمتع بالغوص العميق في بحر الفلسفة. وسفينة ثيسيوس لا تتعلّق فقط بالألواح والمسامير، بل هي وعاء لاستكشاف الأسئلة العميقة عن هويّة الوجود والاستمرارية وطبيعة الأشياء والعلاقة بين الشكل والمادّة وسيرورة الزمن.
وقصّة السفينة يمكن تطبيقها على البشر، كما ذُكر آنفا. فمع مرور الوقت، تُستبدل معظم خلايا جسم الإنسان، إذ يفقد ما يقرب من 500 مليون خليّة جلدية كلّ يوم، وبعد سبع سنوات يفقد الجسم كل خلاياه الأصلية. كما أن أفكارنا وذكرياتنا وشخصياتنا تتطوّر وتتغيّر بمرور الوقت.
والسؤال: هل ما زلت أنت كما كنت قبل عشر سنوات من اليوم؟ وهل الهوية متجذّرة في المادّة نفسها أم في شيء أعمق، مثل الوعي أو الذاكرة أو استمرارية التجربة؟ هناك من يرى أن السفينة تختلف عن البشر، لأن لدى الإنسان ذكريات، بينما لا تمتلكها الجمادات، والذاكرة هي التي تربط الانسان بالماضي.
وبعض الفلاسفة وعلماء النفس يجادلون بأن هويّة الشخص مرتبطة بالذاكرة والاستمرارية النفسية. فإذا استطعتَ مثلا تذكّر أنك كنتَ نسخة من نفسك في الماضي، فأنتَ الشخص نفسه. بينما يقول آخرون إن الهويّة مجرّد وهم مريح مبنيّ على تجارب وتركيبة بيولوجية متغيّرة باستمرار، وأنها مفهوم متغيّر وليست شيئا واحدا لفترة طويلة.
ومفارقة السفينة تثير أسئلة أخلاقية أيضا. مثلا، إذا ارتكب شخص ما جريمة في الماضي، ولكن شخصيّته تغيّرت بشكل كامل الآن، فهل يظلّ مسئولا عما حدث؟ وإذا كان من الممكن تحميل عقلك إلى جهاز، فهل سيظلّ هذا الجهاز هو "أنت"؟
كما أن مثال السفينة يدفعنا الى إعادة التفكير فيما نعنيه عندما نقول إن شيئا ما أو شخصا ما هو "نفس الشيء او الشخص". التحف التاريخية والاعمال الفنّية، مثلا، التي تخضع لعمليات ترميم واسعة النطاق باستخدام المواد الأصلية، هل تحتفظ بكينونتها وهويّتها الأصلية أم أنها تصبح أعمالا أخرى؟! وهل يتعلّق الأمر بالمواد أم الاستمرارية أم الوظيفة أم الذاكرة؟ ربّما لا تكون الهويّة نقطة ثابتة، بل نهر متدفّق ومتغيّر باستمرار.
هناك طريقتان مختلفتان للتفكير في الهويّة، واحدة تقول بأن الكائن هو أجزاؤه. استبدل الأجزاء فيصبح كائنا آخر. وهناك طريقة تتبنّى منظور الاستمرارية، وتقول بأن الشيء هو نتيجة تغيّر مستمر. وما دامت التغيّرات تحدث تدريجيا وترتبط بالماضي، فإن الهوية محفوظة ومستمرّة. وفي حالة سفينة ثيسيوس، فإن الرأي الثاني يشير إلى أن السفينة "الأصلية" التي استُبدلت تدريجيا هي السفينة "الحقيقية"، وليست النسخة التي أُعيد تجميعها.
وهناك طبقة أخرى من النقاش تتبنّى فكرة الغرض او الغاية او الجوهر، فسفينة ثيسيوس الأولى تظلّ هي الأصل طالما أنها تخدم نفس الغرض، بغضّ النظر عن الموادّ التي تُصنع منها وما إذا كانت تلك المواد او الأجزاء غُيّرت ام لا. فاستمرارية وظيفة السفينة ضرورية للحفاظ على هويّتها. أي أنها تبقى نفس السفينة لفترة طويلة طالما استمرّت وظيفتها والغرض الذي من أجله أنشئت. أي أن استبدال الأجزاء لا تؤدّي إلى تآكل هويّتها، شرط أن تستمرّ السفينة في تأدية نفس الدور أو الوظيفة التي تؤدّيها.
ووفقا لأرسطو، فإن "ماهية" الشيء هي علّته الصورية. لذا فإن سفينة ثيسيوس هي نفسها، لأن العلّة الصورية، أو التصميم، لا يتغيّر، مع أن المادّة المستخدمة في بنائها قد تتغيّر مع الزمن.
إن نهر الزمن يتدفّق باستمرار. ومع تغيّر الوعاء بطريقة خفيّة، وعميقة أحيانا، يكون من المفيد أن تأخذ استراحة وتستمتع بالغوص العميق في بحر الفلسفة. وسفينة ثيسيوس لا تتعلّق فقط بالألواح والمسامير، بل هي وعاء لاستكشاف الأسئلة العميقة عن هويّة الوجود والاستمرارية وطبيعة الأشياء والعلاقة بين الشكل والمادّة وسيرورة الزمن.
Credits
archive.org
archive.org
