نصوص مترجمة


  • في هولندا، عندما يتوفّى شخص دون وجود عائلة أو أصدقاء لحضور جنازته، لا يُترك المكان صامتا. يحضر موظف حكومي يمثل المجتمع، وإلى جانبه يقف شاعر. وُلدت الفكرة لمنع تحوّل الوداع الأخير لإنسان إلى مجرّد إجراء بيروقراطي.
    يأخذ الشاعر المعلومات القليلة المتاحة عن الميّت، كالاسم والمولد وربّما الوظيفة والعنوان. ومن هذه الشذرات البسيطة، يكتب نصّا شعريا خصّيصا عن حياة المتوفّى. وخلال مراسم الوداع، تُقرأ القصيدة بصوت عال. وهي لا تحتفي بالإنجازات ولا تختلق المشاعر، بل تَجمع بعناية ما تبقّى وتُحوّلُ الوداع المجهول إلى لفتة إنسانية. إنها ليست طقوسا عامّة فخمة، بل هي شيء بسيط، يكاد يكون غير مرئي. ومع ذلك، في تلك اللحظة، لا يعود الفقيد وحيدا. ينطق أحدهم باسمه ويحيّيه ويُثني عليه.
    وهذا هو المعنى الأعمق لهذه المبادرة الفريدة: حصول حتى الموتى المجهولين على تكريم إنساني يليق بهم وتخليد ذكراهم وتذكيرنا بأن الحياة، حتى إن انتهت في صمت، تستحقّ أن تُودّع بأصوات وكلمات. م. ايكهارت
  • ❉ ❉ ❉

  • أَحبَّ فان غوخ تشارلز ديكنز وإليوت لما قدّماه في أدبهما من تفاصيل الحياة اليومية البسيطة، وكيف حوّلاها إلى شيءٍ مشرق. هنا تجلّت الواقعية الاجتماعية، بكلّ ما فيها من قبح، فحوّلته إلى نوعٍ من العظمة الأخلاقية.
    بعد بضع سنوات، وفي طريقه ليصبح الفنّان الذي سيضفي على الأحذية القديمة وأزهار عبّاد الشمس الذابلة والفلاحين الذين يأكلون البطاطس مشاعر جيّاشة، كتب فان غوخ إلى أخيه يقول: حياتي كلّها مكرّسة لتجسيد أشياء الحياة اليومية التي يصفها ديكنز.
    في الأشهر الأخيرة من حياته، حين تدهورت صحّته النفسية وازدهر فنّه، عادت ذكريات إقامته المبكّرة في لندن لتؤثّر بقوة في لوحاته. مثلا لوحته "غرفة النوم" كانت تصويرا شهيرا لغرفته في "البيت الأصفر" في آرل، حيث أقام لفترة قصيرة ومضطربة مع بول غوغان.
    في عام ١٨٨٩، وبينما كان يعمل على نسخة من اللوحة كي يهديها لوالدته، كتب إلى أخته ولهلمينا من مصحّة سان ريميه: ربّما تجدين الجزء الداخلي هو الأبشع، غرفة نوم فارغة بسرير خشبي وكرسيين. أردت الوصول إلى تأثير البساطة كما وصفها فيليكس هولت. وفان غوخ يشير هنا إلى بطل إليوت من الطبقة العاملة، الذي اختار حياة البساطة الماديّة والصرامة الأخلاقية، رغم إغراء الارتقاء إلى الطبقة الوسطى.
    ويكمن ابتكار فان غوخ العظيم في تحويل مشهد عادي، أي غرفة نوم رجل فقير من الطبقة العاملة، والتي قد تبدو للوهلة الأولى وكأنها تتطلّب ألوانا أحادية، إلى لوحة زاهية الألوان. وفي تخيّله لغرفة نوم هولت، التي هي غرفته هو أيضا، تظهر الجدران بلون أزرق فاتح وغطاء السرير بلون أحمر نابض بالحياة، وكلّ شيء يبدو وكأنه عمل شخص يعاني من الهلوسة.
    ومع ذلك، هذا ليس عمل رسّام مضطرب نفسيّا ومعتمد على الحدس فقط ويستخرج الصور عشوائيّا من لاوعيه المزدحم. ما نراه هنا هو في الواقع عمل فنّان واعٍ ومنضبط للغاية، اختار أن يدمج المراجع البصرية والنصّية التي جمعها على مدى سنوات في مدينة ذات ألوان ضبابية وقانون أخلاقي. ك. هيوز
  • ❉ ❉ ❉


    ❉ ❉ ❉

  • إن كنت من بلد تزخر أرضه بالنباتات الملوّنة والحيوانات المتنوّعة، فقد تتساءل أين يكمن سحر الصحراء القاحلة! الغابة، على النقيض من الصحراء، تنبض بالحياة، تتسلّل أشعّة الشمس عبر ورق أشجارها، وتطنطن فيها الحشرات باحثةً عن طعامها، وتغرّد الطيور، ويهبّ هواء رطب ولطيف وبارد تضوع منه رائحة الأعشاب والزهور، وتتهادى خطوات الأقدام بخفّة على أرضها الناعمة.
    لكن الصحراء جافّة. وعند دخولنا صحراء صخرية أو رملية لأوّل مرّة، ينتابنا شعور غريب: أين صدى خطواتنا؟! الرمال العميقة تتلاشى مع كلّ خطوة، لكن المشي صعب حتى على أرض مليئة بالحجارة المسنّنة. الشمس حارقة بلا رحمة، والهواء يكون أحيانا مغبرّا والمسافات خادعة. الصحراء، بسبب ظروفها القاسية، يمكن أن تكون اختبارا حقيقيا للقوّة. لا وجود للحيوانات، فقط نباتات متناثرة تنمو هنا وهناك. لكن يبدو أن هذه الأرض العصيّة مليئة بالعناصر الطبيعية.
    يتيح البقاء لفترة أطول في الصحراء تجربة جديدة للكثيرين: غياب شبه تام للمغريات الخارجية. ما يبقى هو ما في داخلنا، وما يبرز بقوّة من الداخل يعتمد على ما يركّز عليه الزائر وعيَه. تتباين الاستجابات بشكل كبير: يشعر البعض بفراغ خانق وخوف وعجز؛ بينما يشعر آخرون بالهدوء والانسجام والتوازن. وأحيانا يرى البعض في الصحراء تحرّرا كاملا. ولعل النسّاك منذ القدم انجذبوا إلى مثل هذه البيئة لأن قلّة المحفّزات والإغراءات الخارجية يسهّل الوصول إلى الذات الداخلية.
    من يتقبّل الصحراء يستطيع أن يخوض تجارب عميقة في بيئتها. فإذا انفتح المرء عليها وتقبّل ما فيها، أغدقت عليه بفيض من الإلهام. والمدهش أن غياب المؤثّرات الخارجية ينمّي الحواس. وفيها يتعلّم الانسان أن يرى ما لم يره من قبل. الكثير مما كان خافتا في ضجيج الحياة اليومية يصبح مسموعا فجأة.
    وليلا تتغيّر حواسّنا عندما لا تملك العين معلومات كافية، فتتولّى الأذن وحاسّة الشم زمام الأمور. وهكذا يبدأ المرء بإدراك الجمال الآسر للأشياء البسيطة التي تبدو غير مهمّة: حجر، ورقة خضراء في أرض صلبة كالصخر. كل شيء يكتسب فجأة بعدا مختلفا. ما دلالة ورقة في مرج مقارنة بورقة صمدت أمام شهور من الجفاف وأشعّة الشمس الحارقة؟ يتعجّب المرء ويبدأ بالتفكير.
    إن إدراك جمال الطبيعة يقوّي الإنسان من الداخل ويعزّز وعيه بانتمائه إلى الكل. والصحراء جميلة لأننا نستطيع أن نلمس فيها الانسجام مثلما نلمسه في حفيف خضرة الغابات، وفي امتداد التندرا الشاسع، وفي المدّ والجزر الأبدي للأمواج. لكلّ جانب من جوانب الطبيعة جماله الخاص. وجمال الصحراء يكمن في تناقضاتها الحادّة، وفي إرادة الطبيعة التي لا تنضب في الحياة.
    حتى في الأماكن التي تبدو قاحلة، هناك قدر هائل من الحياة. قد ينبثق شيء جديد في يوم واحد، كالبذور المختبئة تحت الرمال مع أوّل هطل للمطر. قليل من الماء، ثم في وقت قصير جدّا، ينبثق عالم زاهي الألوان إلى الحياة. وما أن تصبح الظروف مواتية، حتى تظهر حيوانات لم يكن أحد ليتوقّع وجودها في الصحراء. لكنها موجودة ببساطة، كالبذور التي تنبت عندما يحين أوانها.
    وهكذا تُظهر الصحراء الطريق الداخلي من خلال تقليل الانتباه إلى العالم الخارجي، وتُبرز وجود قوى كامنة في جميع الكائنات. وهذا يعزّز الأمل في أننا سنتمكّن بدورنا من تحقيق إنجازات عظيمة إذا هيّأنا الظروف المناسبة لذلك في أعماق أنفسنا.
    الخطوة الأولى على طريق الوصول إلى جوهر الكون هي إدراك حقيقة أن كلّ شيء ينبع من الداخل. فكلّ إلهامات العبقرية، وكلّ الأفكار العظيمة التي بنت حضارات، وكلّ الرسائل الرائعة التي نقلها عظماء الأرض إلى بني البشر، كلّها نبعت من الداخل. أ. زيرافيسكي

  • Credits
    archive.org
    vangoghmuseum.nl/en

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة

    مخطوطات قرآنية نادرة

    فنجان قهوة

    أشهر عشر نساء خلّدهن الرسم