المشاركات

قصص ملوّنة

صورة
فجوة في الجدار كلّ ممنوع مرغوب. والنار تحرق أكثر إذا لم تُطفأ في الوقت المناسب. تضع أذنها لصق الجدار. تصيخ السمع باهتمام. تتابع كلّ كلمة تأتيها من خلال الفجوة المحفورة في الحائط. هو على الطرف الآخر منهمك في بثّ حبّه وشوقه لها. هكذا هما دائما. منشغلان ببعضهما آناء الليل والنهار. أصبحا قريبين من بعضهما بحكم الجوار. ومع الأيّام تطوّرت العلاقة إلى حبّ عميق وجارف. لكنّ ذلك الحبّ لم يكن مقيّضا له أن يسير إلى نهايته. فقد اصطدم بعناد والديهما اللذين رفضا زواجهما برغم المحاولات الكثيرة والمتكرّرة. غير أن الرفض لم يطفئ جذوة الحبّ في قلبي العاشقين، بل زادها توهّجا واشتعالا. لذا هما يقضيان ليلهما ونهارهما إلى جوار الجدار.. يتهامسان ويتناجيان. اسمه بيراموس. كان أكثر الشباب وسامة في أرض بابل. واسمها تيسبي. كانت أجمل الفتيات فيها. حدثت قصّتهما أثناء حكم الملكة سميراميس. مرّت الأيّام وهما على تلك الحال. الزواج غير ممكن. وكلّ محاولات الإقناع لم تفلح في ثني الأبوين عن رأيهما. وذات يوم، ومثل ما يحدث عادة في هذا النوع من القصص، قرّرا الهرب. كانا قد تواعدا على اللقاء في غابة تقوم على أطرافها شجرة توت ...

خواطر في الأدب والفن

صورة
دالي واكتشاف أمريكا في إحدى مراحل حياته الفنّية، شعر سلفادور دالي بالملل من تكرار مواضيع لوحاته وقرّر أن الوقت قد حان لرسم لوحة تترجم مشاعره الوطنية وتتحدّث عن تاريخ بلده اسبانيا. وقد اختار لهذا اللوحة موضوعا غريبا بعض الشيء، وهو اكتشاف كولومبوس للعالم الجديد أو القارّة الأمريكية. ومبعث الغرابة هو أن جنسية كولومبوس نفسه كانت وما تزال موضع جدل واسع. فبعض المؤرّخين يعتبرونه ايطاليّا. والبعض الآخر يذهبون إلى انه كان في الأصل اسبانيّا وأن عائلته نُفيت من اسبانيا في احد الأوقات واتخذت من ايطاليا وطنا جديدا. ومع ذلك يقال أن كولومبوس لم يكتب أبدا بالايطالية وأن كلّ كتاباته، بما فيها مذكّراته عن وقائع اكتشافه لأمريكا، كانت باللغة الاسبانية. دالي في اللوحة يرسم اكتشاف كولومبوس لـ أمريكا. وكولومبوس يحمل ملامح دالي نفسه ويظهر إلى يسار المنظر وهو يقود إحدى سفنه بعد رسوّها على شواطئ العالم الجديد، بينما يمسك في يده اليمنى بعصا تعلوها صورة ضخمة لزوجة دالي وملهمته غالا. وإلى يمين كولومبوس شخص يمسك بسارية. وإلى جانبه مباشرة، أي في الزاوية اليمنى إلى أسفل، شخص آخر يغطّي رأسه برداء...

محطّات

صورة
رحيل الفراشات dir="rtl" align="right"> الرسّام لا يحتاج فقط للمهارة الفنّية وإنما للثقافة وسعة الخيال أيضا. والثقافة لا تتأتّى إلا من خلال القراءة والملاحظة المستمرّة، كما في حالة الرسّام السوريالي الروسي فلاديمير كوش. يلزمك لفهم صور هذا الرسّام أن تكون على إلمام بالأساطير والفولكلور والأديان. ومن أجمل لوحاته واحدة بعنوان "رحيل السفينة المجنّحة". وهي تصوّر سفينة في وسط البحر تزيّن أشرعتها عدد من الفراشات الملوّنة بينما يقف على الشاطئ بضعة رجال منهمكين في صيد الفراشات. هذه اللوحة تثير في النفس شعورا بالبهجة والارتياح. فالرسّام يصوّر جمال العالم في عيني الإنسان عندما ينوي الرحيل إلى أماكن بعيدة ونائية. ولن يكتمل فهمك للصورة إلا عندما تفهم دلالة الفراشة في التراث وفي الثقافات العالمية. فصُوَر الفراشة في اليابان، مثلا، ترتبط بحفلات الزواج وهي كانت مصدر إلهام للعديد من الفنّانين هناك منذ مئات السنين. والفراشات مرتبطة أيضا بأفضل اللحظات في حياة الإنسان. ومن الأشياء التي قد لا يعرفها الكثيرون أن الفراشات، برغم كونها مخلوقات ضعيفة وسريعة العطب، ...

قراءة هادئة في مشهد عنيف

صورة
قد يكون من نافلة القول أن المنظر الذي تصوّره اللوحتان "فوق" مزعج وغير مريح بالمرّة. فالعنف فيهما واضح والقسوة صارخة بما لا يُحتمل. ويقال إن لوحة كارافاجيو هي اللوحة الأعنف في تاريخ الفن التشكيلي العالميّ. وكارافاجيو ايطالي وكذلك الرسّامة ارتيميشيا جينتيليسكي. ولوحتاهما هنا تعالجان موضوعا واحدا بطلته امرأة يهودية اسمها جوديث. وهي نموذج للمرأة التي تقتل العدوّ كي يحيا شعبها. وسلاحها في ذلك جمالها وجاذبيّتها الطاغية. والقصّة تعود إلى حوالي منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، وقد ورد ذكرها في الإنجيل. وفي تفاصيلها أن الملك البابلي نبوخذ نصّر أرسل قائد جيشه هولوفيرنس على رأس كتيبة ضخمة لتأديب الشعوب المجاورة التي لم تساند حكمه. وقد فرض هولوفيرنس خلال تلك الحملة حصارا على أهالي مدينة تسمّى بيتوليا. ومن تلك المدينة خرجت جوديث التي ستقتل القائد البابلي وتنهي الحصار المفروض على قومها. وقد مُثّلت القصّة كثيرا في الفن، ورسمها ميكيل انجيلو في سقف كنيسة سيستين في ثلاثة مشاهد متسلسلة. وجوديث نموذج آخر لنساء يهوديات كثيرات فعلن شيئا مثل هذا. دليلة، مثلا، سلّمت شمشون الجبّار إل...

إيماءات بعيدة

صورة
"دون دليل أو ضوء غير تلك النار التي كانت تضطرم في أعماق قلبي قادتني النار إلى فوق كان لمعانها اشدّ من وهج شمس منتصف النهار وصلت إلى حيث كان ما يزال ينتظر كان مكانا لا يستطيع أحد آخر أن يبلغه".. مستحيل أن تسمع هذه الأغنية دون أن تؤثر فيك أو تحرّك مشاعرك أو تثير في نفسك بعض الأفكار والأسئلة. صوت لورينا ماكينيت مذهل، يأخذ الأنفاس، يصهر المشاعر ويتسلل إلى الزوايا العميقة والمعتمة من الروح. وهي سبق وأن غنت أشعارا لـ شكسبير و ييتس و تينيسون، لكنها في هذه الأغنية ترتفع بالشعر إلى أعلى الذرى من خلال الصور التي يستحضرها صوتها من توق، حنين، رهبة وإحساس غامض بالأزلية. كلمات أغنية ليل الروح المعتم The Dark Night of the Soul تعتمد على نصّ من قصيدة للشاعر الصوفي الاسباني القدّيس جون اوف ذي كروس الذي عاش في القرن السادس عشر الميلادي. إنها أغنية عن حبّ الإنسان لله، عن النقاء الروحي وعن التأمّلات والخطرات الصوفية. ورغم أن عنوان الأغنية يثير إحساسا بالانقباض والتشاؤم، فإن جوّها رومانسي إلى حدّ ما كما أن كلماتها توحي بأننا إزاء قصّة عشق أرضي. بل إن المقطع الأوّل من الأغنية يحتوي على صورة لا تخل...

باخ: موسيقى للإنسان/2

صورة
عندما سافر مكوك فويجر إلى الفضاء عام 1977، وضع العلماء على متنه صندوقا يحتوي على مجموعة من الأصوات والصور المختارة التي تمثّل ما يمكن اعتباره سجلّا عن أفضل ما أبدعته حضارة أهل الأرض. وكان في ذهن أولئك العلماء احتمال أن تعثر على الصندوق كائنات من الكواكب البعيدة فتتعرّف على حضارة كوكبنا وتطّلع على أفضل ما توصّل إليه سكّان الأرض من معارف وإبداعات وابتكارات. وكانت أوّل قطعة صوتية اُختيرت هي الحركة الثانية من تنويعات براندنبيرغ ، أحد أشهر مؤلّفات باخ، والتي استُخدمت في ما بعد في العديد من الأعمال السينمائية والتلفزيونية أشهرها سلسلة X-Files أو الملفات السرّية. وفي عام 1950، أنجز عازف البيانو غلين غولد تسجيله المشهور لـ تنويعات براندنبيرغ فتضاعف نجاحه واشتهر أكثر. ولم يكن الناس وقتها مندهشين من براعة العازف الكندي، بل من موسيقى باخ التي لم يكن الكثيرون قد سمعوا بها من قبل. وقد تحدّث المهتمّون بالموسيقى مطوّلا عن الأنماط الرياضية المتضمّنة في هذه التنويعات وعن المتعة الفكرية فيها وتأثيرها الانفعالي الكبير وكأنها تتحدّث إلى أرواحنا. ويقال إن التنويعات تعكس معرفة باخ الواسعة وا...

باخ: موسيقى للإنسان/1

صورة
يمكن أن يكون أفضل مدخل للحديث عن يوهان سيباستيان باخ ومحاولة استكشاف عالمه الموسيقي الثري هو الحديث عن البورتريه الذي رسمه له "إي جي هاوسمان" قبل سنوات قليلة من وفاة الموسيقي، أي قبل أكثر من مائتين وخمسين عاما. في البورتريه، يظهر باخ بهيئة رجل مُسنّ يرتدي باروكة شعر بيضاء ضخمة ويمسك بيده نوتة موسيقية. في ذلك الزمان كانت الباروكة مهمّة لأيّ شخص قريب من البلاط. وباخ عاش في القرن الثامن عشر، أي في حقبة ازدهار طبقة الملوك والنبلاء في أوربّا، عندما كانت الأدوار الاجتماعية محدّدة بصرامة والمكانة الاجتماعية للشخص تفرض عليه ما يجب وما لا يجب فعله. هذا هو البورتريه الذي يعرفه أكثر الناس لـ باخ، وفيه يبدو وقورا وجادّا. والذي يتمعّن قليلا في الصورة سيدرك أننا أمام شخصية خاصّة ومتميّزة. لكن المفارقة، بحسب بعض النقّاد، هي أن هذا البورتريه أصبح عاملا أسهم بطريقة غير منصفة في إبعاد أجيال عديدة من الموسيقيين الشباب عن باخ وعن موسيقاه. وهناك عامل آخر لا يقلّ أهميّة كان له نفس التأثير، ويتمثّل في حقيقة أن باخ لم يغادر ألمانيا أبدا، وكانت حياته الشخصية والعائلية هادئة ومستقرّة، بل ...