نصوص مترجمة
إدموند سبنسر يبدأ قصيدته" ملكة الجنّيات" بكسر الطقس الساكن: غيّم النهار فجأة، وهطلت عاصفة مطرية قويّة من جوبيتر الغاضب". تضفي هذه البدايات الماطرة حيوية على اللغة وسرد القصص.
في الرواية المسيحية، يُعدّ الطقس جزءا من عقاب عصياننا الأوّل. ولا يشير سفر التكوين إلى أي تقلّبات جويّة في جنّة عدن. وقد استمتع الكتّاب بتخيّلات ذلك المناخ المثالي الأوّل. تخيّلَ ميلتون "مباهج الربيع" على مدار العام، المفعمة بالنسائم العطرة، والضباب الذي يصعد من الأرض ويسقي وجهها كلّه". أما نحن، فقد أُلقينا في عالم متقلّب الطقس. ميلتون، مثلا، تخيّلَ برعب الجولة الثانية من الخلق التي شكّلت مناخنا: دُفعت الأرضُ على محورها المائل، وأُعطيت الأوامر الإلهية للرياح لتعصف وتهبّ على سطحها".
في عام ١٧١٠، نشر جوناثان سويفت قصيدته "وصف لمطر في المدينة"، وهي كما يوحي عنوانها وصف لمطر يهطل على لندن، بكلّ تفاصيلها اليومية. لكن سويفت ينتقل من مَشاهد بسيطة للحياة البشرية العاديّة التي غمرها المطر إلى الفيضان العظيم. يهطل المطر على المدينة بأكملها، فيلغي الفوارق الاجتماعية ويجرف كلّ شيء إلى الذي يليه.
وفي موجة عاتية، يمتزج ما هو طبيعي وما صنعه الإنسان: المطر والنفايات، والغبار والفضلات. تتجمّع قذارة لندن كلّها في سيل جارف مع هطول المطر وارتفاع منسوب الأنهار. إنها صورة قاتمة للمدينة. لم يعد هناك ما يفصل بين منازل الأثرياء المطليّة بالجصّ وبين مخلّفات السوق، ولا شيء يحمي المياه العذبة من التلوّث.
في عزلته المربكة، يظهر روبنسون كروزو غير متأكّد من أيّ من إدراكاته يمكن الاعتماد عليه، ومقدِّراً الجدران الصلبة التي تمنحه اليقين. يهدّد طقس الجزيرة، الأكثر قسوةً من طقس إنغلترا، بجرف الأشياء الصلبة التي تمثّل له مرجعياته: أوانيه الفخارية وطاولته وأدوات البستنة التي صنعها بنفسه. وعليه أن يحميها، وأن يحصّن نفسه ضدّ الماء. وهكذا يصبح كروزو مصمّما لملابس المطر. يصنع قبّعة من الفرو لصدّ المطر، وأخيرا، وبعد الكثير من المحاولات والأخطاء، يصنع مظلّة عملاقة لاتقاء المطر.
عندما غادر كروزو جزيرته، أخذ معه ثلاثة أشياء كتذكارات. أولّها الببغاء الذي كان رفيقه الدائم، والآخران قبّعته ومظلّته. هذه الملاجئ المتنقّلة هي رموز كروزو، وهي دلالات على براعة الإنسان وإبداعه في مواجهة الماء.
ألفريد تينيسون جسّد في قصائده المبكّرة هواء مسقط رأسه. يندمج الماء والشعر في صوت سائل في قصيدة "البجعة المحتضرة". فالمشهد الطبيعي من الطحالب والأعشاب الضارّة، وأغصان الصفصاف الذابلة والرطبة، يغمره غناء متدفّق. ترى سيّدة شالوت في مرآتها الشمس الساطعة من سماء صافية. وبينما يظهر لانسلوت، ينكسر الطقس مع انكسار السحر وتصدُّع المرآة. تخرج إلى العالم، فتواجه عاصفة. كانت الشمس طقسا مسحورا، محصورا في المرآة. ينتهي يوم الصيف بالسيّدة وهي تتجمّد في قاربها على نهر صاعد، تحت غيوم منخفضة، تحت المطر. أ. هاريس
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
الفيلم، واسمه "الرحلة التونسية"، هو رحلة إلى الشرق تربط فنّانين يلتقيان كلّ بعالم الآخر بحواسّ منفتحة ويقظة، ما يتيح لهما التواصل والتفاعل. وقد سجّل مول في رحلته شواهد الثقافة الإسلامية المنتشرة في كلّ مكان في تونس والتي أثّرت على أعمال بول كلي عندما زارها قبل قرن.
يقول ناصر خمير: بول كلي رسّام وحديقة في آن واحد". بهذه الطريقة، يرى ما وراء المرئي، كما يفعل خمير في أفلامه: المترحّلون في الصحراء، والفتاة الغامضة البكماء التي تسحر المعلّم الشابّ في "ثلاثية الصحراء"، والأمير الذي يقضي نصف حياته تائها في التأمّل عند حانة الماء، والدرويش العجوز الأعمى الذي لا يزال مبصرا، وبابا عزيز وحفيدته عشتار.
وكلّ هذه شخصيات ترمز لشيء آخر، شيء أعظم، شيء مجرّد. وخمير يرى في آثار قرطاج التي زارها كلي أيضا شاهدا صامتا على صراع سابق بين الشمال والجنوب، ويرى في البازيليكا الشاهقة فوق الآثار رمز انتصار. "لا أعلم إن كان الحوار بين الشمال والجنوب ممكنا. وكلّ ما أعلمه أنه مرغوب فيه، لأن الجميع يتوق إلى العيش في سلام".
وصور فيلم مول تبدأ بالبحر والساحل والرياح وسعف النخيل ومساحات الشمس والظل. وقد نجح المخرج السويسري في فيلمه في تحقيق توازن رائع بين الأزمنة. إذ يصبح ماضي بول كلي ذا دلالة في الحاضر، وحاضر ناصر خمير في بعض جوانبه متجذّرا في الماضي، ليس فقط في ماضي لقائه بكلي، بل وأكثر من ذلك في تاريخ ثقافته.
وقد صادفَ عام 2014 الذكرى المئوية للرحلة الأسطورية إلى تونس التي قام بها الأصدقاء الفنّانون الثلاثة بول كلي وأوغست ماكي ولويس موالييه في أبريل 1914.
وخلال إقامة الثلاثة في تونس التي استمرّت قرابة أسبوعين، أنتج بول كلي 35 لوحة مائية و13 رسما، بينما أنتج أوغست ماكي 33 لوحة مائية و79 رسما في ثلاثة دفاتر رسم. وكان إنتاج لويس موالييه في تونس أقل، رغم أنه أنتج أهمّ أعماله خلال إقاماته اللاحقة في المغرب وجنوب إسبانيا. وقد قُتل ماكي في سبتمبر 1914 أثناء مشاركته في الحرب العالمية الأولى على الجبهة الغربية في شامبانيا.
الرحلة الى تونس أسهمت في صوغ تاريخ الفن. وأثناءها اكتشف كلي اللون، واللون بدوره حرّر لوحاته إلى حدّ كبير من التمثيل أو التجسيد. كما طوّر لغة فنّية فريدة وجدت فيها علامات ورموز عالمه التصويري المرِح والساحر طريقها الى المتلقّي. ومن خلال تأمّل الرسّام في الطبيعة والعالم، انبثق مفهوم البنى الأساسية الإيقاعية للفراغ والنمو والسكون والجاذبية وديناميكيات الطفو والطيران. وأصبح سحر النظام الهندسي صورة طبق الأصل للنظام الكوني نفسه.
كلمات كلي التنبّؤية عام ١٩١٥ "كلما ازداد العالم فظاعةً، ازدادت الحاجة للفنّ التجريدي" لفتت الاهتمام أيضا، لأنه في ثلاثينات القرن العشرين، كان كلي منشغلا بمعالجة كارثة الموت التي هدّدت بانهيار العالم. وسمح له هذا بتعلّم العيش، وبالتالي النجاة من رقصة الموت المروّعة.
في تونس شعرَ كلي وكأنه في وطنه. وكان مفعما بالطاقة. كانت تونس "مادّة للأحلام تشبهني"، كما كتب فور وصوله. "عيناي منبهرتان بالألوان وأذناي مغرمتان بالأصوات".
Credits
paulklee.net
archive.org
paulklee.net
archive.org

