قراءات
وتحكي قصّة رجل يعيش في مدينة مستقبلية شرّيرة وبائسة، حيث لم يعد الناس يحملون أسماء مألوفة، بل يُعرفون بدلاً من ذلك بحروف متبوعة بسلسلة من الأرقام. وفي تلك المدينة المتخيّلة، يخضع المواطنون لمراقبة مستمرّة من قبل فرع من الحكومة يُدعى "مكتب الأوصياء" الذي يرأسه زعيم قويّ يُدعى "فاعل الخير"!
وفي مرحلة مبكّرة من القصّة، يلاحظ بطلها، واسمه D-503، امرأة معيّنة تظهر له أينما ذهب. في البداية تملؤه الشكوك بشأنها، لكنه سرعان ما يقع في حبّها. ثم تلهمه لارتكاب أعمال تمرّد ضدّ الحكومة.
في مراجعته للرواية، أشاد أورويل بـ "فهم الكتاب للجانب غير العقلاني من الشمولية". وبعد ثلاث سنوات من كتابة هذه الكلمات، نشر أورويل "1984"، وهي رواية ديستوبية، هي الأخرى، عن رجل يُدعى ونستون يعيش في مدينة فاسدة في المستقبل. وفي هذه المدينة، يخضع المواطنون للمراقبة المستمرّة من قبل فرع من الحكومة يُسمّى "شرطة الأفكار"، مع زعيم قويّ للغاية يُسمّى "الأخ الأكبر"!
وفي بداية الرواية، يلاحظ ونستون امرأة معيّنة تظهر أينما ذهب. في البداية يكرهها، لكنه سرعان ما يقع في حبّها. ثم تلهمه لارتكاب أعمال تمرّد ضد الدولة.
هل يمكن أن تكون هذه مجرّد مصادفة؟!
لم يعترف أورويل قطّ بأنه استعار أفكارا من رواية "نحن" لتحفته الفنّية، لكن توقيت قراءته لها وبعض أوجه التشابه الغريبة بين تفاصيل الروايتين، يجعل من الصعب استنتاج خلاف ذلك.
في كلا الروايتين، تَعتبر الدولة الحرّية شرّا وعدوّا للحياة السليمة. كما يشترك الكتابان في بعض التفاصيل الصغيرة، كاحتفاظ البطل بمذكّرات يكتبها على الرغم من المخاطر الكبيرة التي قد يتعرّض لها، والحديث عن عمليات إعدام علنية.
ومن باب الإنصاف القول إن أورويل لم يكن الكاتب الوحيد الذي استعار الكثير من رواية "نحن". فعلى الرغم من افتقار الرواية الأخيرة إلى الاعتراف من قبل عامّة الناس، إلا أن العديد من مؤلّفي الروايات الأدبية الديستوبية في القرن العشرين اعتبروا هذه الرواية بمثابة معيار أو نموذج يُحتذى.
ويقال إن آين راند وفلاديمير نابوكوف استلهما منها أيضا. وفي مراجعته الخاصّة لرواية "عالم جديد شجاع"، يلمّح أورويل الى أن مؤلّفها ألدوس هكسلي ربّما استعار حبكة روايته من زامياتين. لكن هكسلي زعم أنه كتب روايته الديستوبية الخاصّة به قبل أن يتعرّف على رواية "نحن".
لكن هناك اختلافات بين روايتي اورويل وزامياتين. في "نحن"، المدينة بأكملها مصنوعة من الزجاج، ما يتيح المراقبة المستمرّة. وفي "1984"، تقوم شاشات الرصد المثبّتة في كلّ منزل ومكان عام بذلك. ويعمل ونستون في "وزارة الحقيقة" ويعيد كتابة الوثائق من أجل تغيير السجلّ التاريخي وفقا لمواصفات الحزب.
ثم هناك الفارق الأكبر، فقد أصبحت رواية 1984 واحدة من أهمّ الروايات التي كُتبت على الإطلاق من حيث التأثير السياسي والمجتمعي، في حين سقطت رواية "نحن" في طيّ النسيان ولم يعد أحد يتذكّرها. وهنا يصبح من الصعب تحديد الأسباب. فأسلوب كتابة رواية 1984 أفضل بسبب قدرة أورويل على تجسيد حياة ونستون اليومية ودفْع القارئ لأن يختبر رعبه من القمع المفروض عليه. وهذا منح الرواية طابعاً مباشراً تفتقر إليه "نحن" في بعض الأحيان.
وقد كان أورويل حكيماً في وضع أحداث الديستوبيا الخاصّة به في مكان يمكن التعرّف عليه، وفي المستقبل القريب الذي قد يشهده القرّاء أثناء حياتهم. في حين تدور أحداث رواية "نحن" في القرن السادس والعشرين وفي مدينة لا يمكن للقارئ أن يرتبط بها لبُعد المسافة الزمنية.
ومن المرجّح أن زامياتين الذي وجد نفسه ككاتب منشقّ مضطهَدا من قبل النظام السوفياتي، حيث سُجن ونُفي إلى فرنسا، كان يهدف على الأرجح إلى غرس روايته في بيئة ليست سوفياتية بشكل واضح، بل عالمية الطابع. لكن هذه الخطوة خلقت مسافة بين عالم القارئ والعالم في الرواية، وهي الفجوة التي تسدّها رواية "1984" بثقة.
غير أن ردود الفعل على رواية "نحن" في روسيا تشير إلى أنها كانت كتاباً مهمّاً هناك. فقد حظر الرقباء السوفيات نشر الكتاب، ولم يظهر رسميّاً هناك حتى عام 1988. لكن ناشراً روسيّاً في براغ طبع الرواية باللغة الروسية الأصلية في عام 1927، وهُرّبت نسخ منها إلى روسيا، حيث انتقلت من قارئ لآخر.
ومن المؤكّد أن زامياتين كان على حقّ بروايته الديستوبية، لأن الجهود التي بذلها السوفيات لإحباط نشرها تؤكّد هذه الحقيقة. وقد نجحت الرواية في نقل الإيديولوجيا الناشئة في عصر زامياتين إلى نقطة نهاية منطقية ومرعبة.
وإذا كان زامياتين قد توصّل إلى قالب الرواية الديستوبية في القرن العشرين، فإن أورويل قد أتقنه. فالفنّ يُبنى دائما على الفنّ الذي جاء قبله.
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
وفي أحد الأيّام، وصل إلى القرية تاجر ألبان قادماً من مدينة بعيدة، وعرض على القرويين مبلغا كبيرا من المال مقابل كلّ لتر من الحليب. أحد الرعاة أغراه ذلك العرض، فقرّر زيادة حجم قطيعه. ولما رأى الرعاة الآخرون نجاحه، ساروا على خطاه راغبين في نصيبهم من الربح.
وعاما بعد عام، استمرّ الرعاة في توسيع قطعانهم. وما كان يوما أرضا خصبة، أصبحت منهكة تحت وطأة تزايد أعداد الماشية. صارت المراعي الخصبة قاحلة وعاجزة عن إعالة الأعداد المتزايدة. وأصبحت الماشية هزيلة وتناقصت أعدادها وقلّ إنتاج الحليب، فحلّ الجوع.
وفي النهاية، لم يجد تاجر الألبان أيّ ربح من تجارة الحليب المخفّف فرحل. والقرية التي كانت في يوم من الأيّام ذات مراعٍ وفيرة باتت قليلة الخضرة مع أعداد قليلة جدّا من الماشية.
مأساة المُشاع أو الموارد المشتركة (tragedy of the commons) مفهوم اقتصادي يصف كيف تُستغلّ الموارد المشتركة والمحدودة وتُستنزف بشكل مفرط من قبل أشخاص يتمتّعون بإمكانية وصول غير محدود إلى تلك الموارد المحدودة والقابلة للنضوب ويتصرّفون تبعاً لمصالحهم الشخصية. ومن الأمثلة الأخرى الصيد الجائر وتلوّث الهواء وإزالة الغابات.
وهذا المفهوم ليس جديدا، بل يعود إلى العصور القديمة، إذ كتب أرسطو يقول: ما هو مشترك لأكبر عدد من الناس لا يحظى سوى بأقلّ قدر من الاهتمام. والناس يولون اهتماما أكبر لما هو خاصّ بهم، وهم أقلّ اهتماما بما هو مشترك".
❉ ❉ ❉
"الناس غريبون" كما تقول كلمات إحدى الأغاني، بل ومحيِّرون. وعندما أجلس في مركز تجاري أنتظر أحدهم، أو أسترخي مع كعكة طازجة ومشروب، وأشاهد مئات الأشخاص يمرّون من حولي، أشعر بالحيرة إزاء دوافعهم ورغباتهم وطبيعة حياتهم. لطالما منحتني القراءة نافذة لفهم الآخرين لم أستطع الحصول عليها من العلاقات الشخصية أو لم أكن مرتاحا للحصول عليها من التفاعلات مع الكائنات الغامضة من حولي.
Credits
archive.org
orwellinstitute.com
archive.org
orwellinstitute.com
