قراءات
أفلام تاركوفسكي تندرج ضمن فئة السينما الفكرية التي ابتدعها آيزنشتاين قبل عقود عديدة، حيث يشكّل المحتوى كما تعبّر عنه البُنى البصرية الحسّية، وليس السرد، السمة الأساسية للفيلم. في أعمال تاركوفسكي عناصر معمارية أقلّ عددا وأكثر تقشّفا، معظمها بقايا ثقافات وعصور. ووجود البشر هو القوّة الوحيدة التي تُبقي المكان المتهالك متماسكا. وعلاوة على ذلك، تتألّف معظم اللقطات من صور مقرّبة تكشف أجزاءً من الجدران كخلفية، ما يُلغي أيّ نقطة مرجعية.
ويتعزّز غياب وجهة نظر ثابتة من خلال هذه اللمحات لهياكل وأسطح قابلة للتمييز، بحيث ينغمس المُشاهد في السرد محاولا تحديد موقعه المكاني. وهذا يضخّم شعور "المتاهة" والضياع الحسّي وعدم اليقين، ومعه توتّر اليأس والعبثية، حتى تصل الفوضى المكانية واللا منطقية إلى ذروتها.
تتجلّى هذه الفكرة في استخدام العمارة في فيلم "نوستالجيا"، حيث تصوّر العلاقة بين الإنسان ومحيطه المادّي على أنها آلية بحتة وخالية من أيّ إحساس بالتفاعل بين الشخصية الرئيسية والبعد المادّي المباشر لوجوده.
فكرة تاركوفسكي الأساسية عن مجتمع حديث معرّض للتدمير الذاتي منعكسة بوضوح في أفلامه الأربعة. وقد استخدم العناصر البصرية نفسها في فيلمي "ستوكر" و"نوستالجيا" لتمثيل ظروف الوجود المعاصرة: جدران حجرية بيضاء، مساحة لونية رمادية محدودة، غياب المنظور، وذلك لتعميق الشعور بالاختناق والعزلة الناجم عن الانفصال عن الجذور الثقافية.
وفي فيلم "المرآة"، تبدو المساحات الداخلية جوفاء وعقيمة، لا سيّما مشهد المطبعة حيث يصل ردّ الفعل العاطفي الذي تثيره الممرّات المجرّدة من الإنسانية والإضاءة الاصطناعية إلى أقصى درجات القلق والخوف. وينجح تاركوفسكي بدقّة شديدة في التقاط التأثيرات النفسية التي تستطيع الهياكل أن تمارسها على الفرد، وهو يستند بلا شكّ إلى تجربته الخاصّة مع الوحشية الجمالية للواقعية الاشتراكية.
ويبدو الأمر كما لو أن هذه المساحات الداخلية المعقّمة والجامدة قد اكتسبت القدرة على خنق الروح وعكس الحالة النفسية المضطربة للشخصيات الرئيسية، وذلك بفضل انفصالها عن أيّ شيء له صلة بالجمال والروحانية. حتى عظمة العمارة الكلاسيكية تُضفي على الأماكن مسحة من العزلة المزعجة، فهي تفتقر إلى ثراء الثقافة والروحانية المكتسب عبر العصور.
البيئة المعمارية المحيطة في فيلم "نوستالجيا" تُظهر الشخصيات وكأنها ضحيّة. فهي هشّة وضائعة بين الأعمدة الضخمة والهياكل الحجرية الشاسعة التي يتردّد صداها في الفراغ. وتاركوفسكي يوظّف تقنية المنظور المفتوح والواسع بنفس براعة توظيفه للقطات المقرّبة للتفاصيل المعمارية، معتمدا على الاحتياجات الدلالية لكلّ مشهد. ويتعزّز هذا الجوّ الكئيب بطول اللقطات وبالتوتّر والقلق الذي يسود عوالم المخرج الداخلية والخارجية والحالات النفسية المضطربة للشخصيات نفسها.
الصور المعمارية الوحيدة التي تحمل دلالات إيجابية نسبيا في أعمال تاركوفسكي هي تلك التي تمثّل البيت، وتحديدا بيت الطفولة. ولحظات الحلم أو الذكريات هي الحالات النادرة التي تصوَّر فيها الكيانات المعمارية بحالة سليمة وغير متداعية، بل وحتى مضيافة أحيانا.
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
بدأت حرب طروادة في التراث اليوناني كوسيلة استخدمها زيوس للحدّ من تزايد أعداد البشر. وكان للآلهة مفضّلون من الرجال الذين يقاتلون في سهول طروادة. وكانت تحميهم في كثير من الأحيان عن طريق صدّ ضربات السيوف والرماح. وكان من بين هؤلاء المحاربين أبطال استثنائيون قاتلوا بشراسة وأظهروا شجاعة فائقة في ساحات المعارك التي تحفل بالمشاهد الصادمة والغارقة في الدماء.
كان السبب المباشر لحرب طروادة اختطاف هيلين، زوجة ملك إسبارطة، على يد "باريس" أمير طروادة. وقد أعيد سرد هذه القصّة وتعديلها مرارا على مرّ القرون في العصور القديمة اليونانية والرومانية. ومعروف أن تلك الحرب انتهت بخدعة حصان طروادة الخشبي الذي قُدّم الى الطرواديين كهديّة من اليونانيين. لكنه كان يُخفي بداخله جنودا يونانيين فتحوا أبواب المدينة للغزاة ونهبوها وذبحوا سكّانها أو استعبدوهم.
لكن ذلك النصر كان له ثمن. فنتيجة لتدميرهم الوحشي للمدينة وشعبها، عاقبت الآلهة الإغريق بإرسال عواصف دمّرت سفنهم وأُجبر من عادوا منهم في النهاية على تحمّل رحلات طويلة وشاقّة إلى ديارهم. وحتى في تلك الأثناء، لم يفلح بعض الإغريق الذين عادوا إلى موطنهم في مواجهة المزيد من المصائب والكوارث التي اعترضت طريقهم.
ومن المثير للاهتمام أن قصّة حصان طروادة وموت أخيل والأجزاء الأخرى العديدة التي تُشكّل دورة حرب طروادة، لا تثير اهتمام هوميروس مؤلّف الإلياذة. لكن هذه الحكايات تُروى في بقايا ملاحم أخرى وفي قصائد الشعراء الغنائيين وفي بعض قصص كتّاب التراجيديا، بالإضافة الى أدب وفنون أواخر العصور القديمة.
❉ ❉ ❉
لم يُسحق أيّ من أسلافك المهمّين أو يُفترس أو يغرق أو يجوع أو يحاصَر أو يُشنق أو يُصاب بجروح في غير أوانه، أو يُحرف عن مسار حياته المتمثّل في إيصال شحنة ضئيلة من المادّة الوراثية إلى الشريك المناسب في اللحظة المناسبة من أجل إدامة التسلسل الوحيد الممكن من التركيبات الوراثية التي يمكن أن تؤدّي في النهاية، وبشكل مذهل ولفترة وجيزة للغاية، إلى وجودك أنت.
من شبه المؤكّد أن كلّ ذرّة في جسمك قد مرّت عبر عدّة نجوم وكانت جزءا من ملايين الكائنات الحيّة في طريقها لتصبح أنت. نحن جميعا عدد ذرّي هائل ويعاد تدويرنا بقوّة عند الموت، لدرجة أن عددا كبيرا من ذرّاتنا يصل إلى مليار ذرّة لكلّ منّا، ربّما كانت يوما ما تخصّ شكسبير، ومليار ذرّة أخرى قد تكون جاءت من بوذا وجنكيز خان وبيتهوفن، وأيّ شخصية تاريخية أخرى تخطر ببالك. لذا فنحن جميعا تجسيدات، وإن كانت قصيرة العمر. وعندما نموت، تتفكّك ذرّاتنا وتنتقل لتجد استخدامات جديدة في مكان آخر، كجزء من ورقة شجر أو كائن بشري آخر أو قطرة ندى.
قد نكون مجرّد حضارة واحدة من بين ملايين الحضارات المتقدّمة. ولسوء الحظ ونظرا لاتّساع الفضاء، يقدَّر متوسّط المسافة بين أيّ حضارتين من هذه الحضارات بما لا يقلّ عن مائتي سنة ضوئية. وهذا يعني أنه حتى لو علمت هذه الكائنات بوجودنا هنا وتمكّنت بطريقة ما من رؤيتنا عبر تلسكوباتها، فإنها تشاهد ضوءا غادر الأرض قبل مائتي سنة.
لذا فهي لا ترانا نحن، بل ترى الثورة الفرنسية وتوماس جيفرسون، وترى بشراً لا يعرفون ما الذرّة أو المورّث، ويولّدون الكهرباء عن طريق حكّ قضيب من الكهرمان بقطعة من الفرو، ويظنّون أن هذا إنجاز عظيم. أيّ رسالة قد نتلقّاها من حضارة بعيدة ستبدأ على الأرجح بعبارة تهنّئنا على جمال خيولنا وإتقاننا في استخلاص زيت الحيتان. مائتا سنة ضوئية مسافة شاسعة تتجاوزنا، بل وبعيدة جدّا عن متناولنا.
Credits
archive.org
andrei-tarkovsky.com
archive.org
andrei-tarkovsky.com


