خواطر في الأدب والفن
وكان المؤلّف قد اشتكى من قائد الأوركسترا الذي قدّم العمل لأوّل مرّة في الولايات المتحدة، أرتورو توسكانيني، لأنه عزفه بسرعة كبيرة، فكان ردّ الأخير: كانت تلك هي الطريقة الوحيدة لإنقاذ العمل".
لماذا بقي هذا العمل بسيطا جدّا من الناحية الموسيقية؟ هل وجد فيه الملحّن قيمة، أم أنه كرهه حقّا كما أشيع؟ وهل كان من المفترض أن تضاف إليه فجأة نغمات جاز؟ هل كان مفترضا أن يكون مفعما بالأمل، أم مليئا باليأس والحصار؟ ما معنى تصاعده تدريجيا نحو الذروة، وهو ما يتحدّى قواعد الموسيقى الأوركسترالية، على الأقل في وقت كتابته؟
كان رافيل ملحّنا وقائد أوركسترا وعازف بيانو فرنسيّا، يُنسب إليه الفضل في كونه أحد الملحّنين الذين طوّروا وأرسوا الانطباعية في الموسيقى. كما كان تجريبيا دائما ورائدا حقيقيا في طرح الأسئلة حول الشكل في الموسيقى.
وقد كتب "بوليرو" عام 1928، في وقت كان هو على وشك الشروع في جولة ناجحة في الولايات المتحدة. كانت أوروبا وقتها قد أكملت عقدا من الزمن للتعافي من دمار الحرب العالمية الأولى. وفي ذلك الوقت، ربّما كان رافيل أشهر ملحّن فرنسي حيّ، حيث بنى مسيرة مهنية جعلته أحد أشهر الملحّنين الفرنسيين على الإطلاق.
والبوليرو في الأصل رقصة إسبانية تتميّز بإيقاعات موسيقية قويّة وانعطافات حادّة ونكهة داكنة. وقد وجد الملحّن فكرة موسيقية واحدة ليبدعها ويغيّر فيها ويطوّرها تدريجيا في إيقاع أوركسترالي راقص.
كان رافيل يفكّر منذ فترة طويلة في بناء مقطوعة موسيقية من موضوع واحد من شأنه أن ينمو ببساطة من خلال الإبداع التوافقي والآلي. العرض الأوّل للموسيقى حقّق نجاحا باهرا. كان الجمهور يصرخ ويركل الأرض بأقدامه، وهي علامة أكيدة على التأثير المذهل للموسيقى.
وسواءً انتقد رافيل نفسه أم لا، فقد كان محقّا في قوله عن بوليرو: ليس له شكل بالمعنى الحقيقي للكلمة ولا تطوّر ولا تعديل يُذكر". وهذا صحيح تماما. فشكْل العمل ليس سوى مقطع "أ"، وفي الحقيقة ليس هناك "ب" أصلا. ولا يحدث شيء بعد سماع اللحن الدائري الشهير للبوليرو، فهو يستمر حتى ذلك الإيقاع النحاسي الغريب الذي ينهيه فجأة.
وهناك فكرتان لحنيتان رئيسيتان فيه تتكرّران ١٨ مرّة. ولا يوجد أيّ تطوّر موسيقي أو لحني. وقد كُتبت المقطوعة بمفتاح دو كبير مع بعض مفاتيح مي كبير. وتتسم البوليرو بإيقاع طبول يتكرّر 170 مرّة. وهي مُرضية بشكل غريب، ولكن هناك شيء محبطا، شيئا مثيرا للغضب فيها.
ورغم كثرة الانتقادات الموجّهة لها، فإن نجاح المقطوعة جعل رافيل ثريّا جدّا في حياته، لكن قيل انه لم يحبّها. ومن غير المرجّح أن يكون قد توقّع أن تصبح مشهورة على الفور، وهو ما حدث. وفي مقابلة صحفية أجريت معه آنذاك، قال: أتمنّى بشدّة ألا يكون هناك أيّ سوء فهم بشأن هذا العمل. فهو يمثل تجربة في اتجاه خاص ومحدود للغاية".
ومع ذلك فإن جودة الموسيقى وتكرارها يجعلها جذّابة ولا تُنسى، خاصّة الإيقاع العسكري البطيء والمصاحب للبداية وعزف الفلوت المنفرد الافتتاحي والمنخفض، وقدرة اللحن على الدوران مرارا وتكرارا. ويستمر كلّ شيء في الدوران والتدحرج، حتى تصل الموسيقى إلى خاتمة مفعمة بموسيقى الجاز. والنتيجة النهائية آسرة.
هذا بعض ما يجعل مقطوعة بوليرو أيقونية. وعندما تفكّر فيها، تجد أنها تشكل معا لحنا لا يمكن نسيانه وصيغة بسيطة ومكرّرة ببراعة نجد صداها في الموسيقى الشعبية لعصرنا. والمعروف أن هذه الموسيقى وُظّفت في العديد من الإعلانات والبرامج التلفزيونية والأفلام وغيرها.
وسواءً انتقد رافيل نفسه أم لا، فقد كان محقّا في قوله عن بوليرو: ليس له شكل بالمعنى الحقيقي للكلمة ولا تطوّر ولا تعديل يُذكر". وهذا صحيح تماما. فشكْل العمل ليس سوى مقطع "أ"، وفي الحقيقة ليس هناك "ب" أصلا. ولا يحدث شيء بعد سماع اللحن الدائري الشهير للبوليرو، فهو يستمر حتى ذلك الإيقاع النحاسي الغريب الذي ينهيه فجأة.
وهناك فكرتان لحنيتان رئيسيتان فيه تتكرّران ١٨ مرّة. ولا يوجد أيّ تطوّر موسيقي أو لحني. وقد كُتبت المقطوعة بمفتاح دو كبير مع بعض مفاتيح مي كبير. وتتسم البوليرو بإيقاع طبول يتكرّر 170 مرّة. وهي مُرضية بشكل غريب، ولكن هناك شيء محبطا، شيئا مثيرا للغضب فيها.
ورغم كثرة الانتقادات الموجّهة لها، فإن نجاح المقطوعة جعل رافيل ثريّا جدّا في حياته، لكن قيل انه لم يحبّها. ومن غير المرجّح أن يكون قد توقّع أن تصبح مشهورة على الفور، وهو ما حدث. وفي مقابلة صحفية أجريت معه آنذاك، قال: أتمنّى بشدّة ألا يكون هناك أيّ سوء فهم بشأن هذا العمل. فهو يمثل تجربة في اتجاه خاص ومحدود للغاية".
ومع ذلك فإن جودة الموسيقى وتكرارها يجعلها جذّابة ولا تُنسى، خاصّة الإيقاع العسكري البطيء والمصاحب للبداية وعزف الفلوت المنفرد الافتتاحي والمنخفض، وقدرة اللحن على الدوران مرارا وتكرارا. ويستمر كلّ شيء في الدوران والتدحرج، حتى تصل الموسيقى إلى خاتمة مفعمة بموسيقى الجاز. والنتيجة النهائية آسرة.
هذا بعض ما يجعل مقطوعة بوليرو أيقونية. وعندما تفكّر فيها، تجد أنها تشكل معا لحنا لا يمكن نسيانه وصيغة بسيطة ومكرّرة ببراعة نجد صداها في الموسيقى الشعبية لعصرنا. والمعروف أن هذه الموسيقى وُظّفت في العديد من الإعلانات والبرامج التلفزيونية والأفلام وغيرها.
❉ ❉ ❉
ثم أمر، هو وزعماء آخرون، قومهم بتفكيك خيامهم. وفي بضع عربات حملوا بضائعهم ومؤنهم ونسائهم وأطفالهم وانطلقوا غربا. كان سبتمبر يقترب من نهايته، وكانت الأقمار الباردة قريبة. وبعد حلول الليل، زحف الناجون من الجحور. كان الجوّ قارس البرودة والدم متجمّدا في جروحهم. لكنهم لم يجرؤوا على إشعال النيران. لم يكن في أذهانهم سوى الفرار شرقا نحو "تلّ سموكي" ومحاولة الانضمام إلى رفاقهم.
يتذكّر جورج بنت ما حدث فيقول: كانت مسيرة رهيبة، معظمنا كانوا يسيرون على الأقدام بلا طعام، بملابس رثّة، ومثقلين بالنساء والأطفال". تحمّلوا رياحا جليدية وجوعا وجروحا وآلاما مبرّحة، لكنهم وصلوا أخيرا إلى معسكر الصيد. "عندما دخلنا المعسكر، كان المشهد مروّعا. كان الجميع يبكون، حتى المحاربون، والنساء والأطفال يصرخون وينوحون. فقدَ كلّ من كان حاضرا تقريبا بعضا من أقاربه أو أصدقائه، وكثيرون منهم في حزنهم كانوا يجرحون أنفسهم بالسكاكين حتى سالت الدماء كالأنهار".
ويضيف: استولى الأوربيون على بلادنا وقتلوا جميع طرائدنا. ولم يكتفوا بذلك، بل قتلوا زوجاتنا وأطفالنا. والآن لا سلام. نريد أن نذهب للقاء عائلاتنا في أرض الأرواح. أحببنا الأوربيين حتى اكتشفنا أنهم كذبوا علينا وسلبونا كلّ ما نملك. وقرّرنا رفع السلاح حتى الموت".
حول نيران مخيّمات "الكيوا" في ذلك الشتاء، كثر الحديث عن الرجال البيض الذين كانوا يتدفّقون من كلّ حدب وصوب. كان ساتنك العجوز حزينا على ابنه الذي قُتل ذلك العام على يد التكساسيين. أعاد عظام ابنه ووضعها على منصّة مرتفعة داخل خيمة خاصّة، والآن يتحدّث دائما عن ابنه، نائما لا ميّتا. وكان يضع كلّ يوم طعاما وماءً قرب المنصّات لينعش نفسه عند الاستيقاظ. وفي المساء، كان الرجل العجوز يجلس محدّقا في نيران المخيم، وأصابعه النحيلة تداعب خصلات شاربه الرمادية. بدا وكأنه ينتظر شيئا ما.
بالنسبة لمعظم الهنود، كان الأوان قد فات. فقد اندثرت قوّات الشايان. وفي السنوات التي تلت معركة "ساند كريك"، طارد الهلاك شعبا جميلا. تناثرت بذور القبيلة مع الريح. وقال محارب شابّ: سنذهب شمالا مهما كلّفنا الأمر، وإن مِتنا في المعركة، فستُخلّد أسماؤنا في ذاكرة شعبنا".
لكن قريبا، لن يبقى أحد يهتمّ بذكرهم، ولن تُنطق أسماؤهم بعد رحيلهم.
في برّ أمريكا الرئيسي، اختفت شعوب أصلية عديدة. وتشتّتت أو تقلّصت قبائل أخرى. وبقيت أسماؤهم راسخة إلى الأبد في الأرض الأمريكية. لكن عظامهم نُسيت في آلاف القرى المحروقة أو فُقدت في الغابات التي اختفت بسرعة أمام فؤوس عشرين مليونا من الغزاة.
Credits
archive.org
classicfm.com
archive.org
classicfm.com

