قراءات


  • كتب فيكتور شكلوفسكي هذه العبارات المتعاطفة مع صوفيا أندرييفنا زوجة تولستوي: كانت صوفيا المنقذ من الواقع، ولطالما ذكّرت تولستوي بأن على أطفالهما أن يعيشوا "كغيرهم"، وأن عليهم امتلاك المال وتزويج بناتهم وأن يتخرّج أبناؤهم من الثانوية والجامعة. لم يكن بوسعه أن يعارض الحكومة وإلا نُفي.
    كان عليه أن يكون كاتبا مشهورا وأن يكتب رواية أخرى مثل "آنا كارينينا"، وأن تنشر هي بنفسها كتبه كما فعلت زوجة دوستويفسكي، وأن تكون، علاوة على ذلك، "من الطبقة الراقية" لا بين أناس أغراب و"مريبين".
    كانت صوفيا رمزا للعقلانية السائدة آنذاك. أرادت أن يكون تولستوي شخصا طبيعيا، بينما كان هو يرغب في نبذ ثروته، والتنازل عن أرضه وممتلكاته لفلّاحيه، والتخلّي عن جميع حقوق نشر كتبه، معتبرا التربّح من كلماته أمرا لا أخلاقيا. واقترح على زوجته حياة بسيطة في فقر، ظانّاً أن في ذلك خلاص روحهما.
    وكلّما أصرّ على ترك ضيعته وبدء حياة جديدة نقيّة، ازدادت مقاومتها. وغضبت بشدّة من رغبته في جعل أبنائه، وهو الكونت، متسوّلين وبعثرتهم في العالم. كان تولستوي سيغادر "ياسنايا بوليانا" في وقت أبكر لولا سلاح صوفيا الأخير: تهديدها إيّاه بأن تُقدم على الانتحار.
    لم تكن "آنا كارينينا"، بأيّ حال من الأحوال، رواية عن دراما عائلية أو عاطفة أنثوية، كما افترض كتّاب السيناريو الذين أخضعوا الرواية باستمرار للتشويه. إنها روايةٌ عن الثقب الأسود الذي يبتلع كلّ واحد منّا، والذي حاول الكاتب طوال حياته إنقاذ نفسه منه. إن كلّ إنسان يولد، لا يأتي إلى هذا العالم بمجموعة أحشائه المعتادة فحسب، بل يحمل معه أيضا فراغا كونيّا في داخله.
    هذا الثقب لا يبتلع الروح فحسب، بل الجسد أيضا في نهاية المطاف. لقد اعتدنا على إلقاء الألعاب والدروس والعمل والمسيرة المهنية والعائلة والشهرة والمال والهوايات في هذه الهاوية النهمة. وبالنسبة لمعظمنا، هذا يكفي. ربّما يعتمد حجم الفراغ في روح المرء على حجم الروح نفسها. وبالنسبة لتولستوي وفراغه الكوني الهائل، كان كلّ هذا غير كافٍ. لا سعادة العائلة ولا الثروة ولا شهرة بوشكين وغوغول وشكسبير وموليير مجتمعة، قادرة على سدّ فراغها.
    لماذا انتحرت آنا كارينينا؟ ما الذي دفع تلك الأمّ لطفلين إلى الموت؟ هل يُلام الحبيب الذي هجرها؟ أم زوجها قاسي القلب الذي لم يوافق على الطلاق؟ أم المجتمع الذي نبذها؟ أم فقدانها لتقديرها لذاتها؟ المنظور العقلاني لعصرنا الحالي لا يرى أيّ مبرّر لقتل نفسها وترك طفليها يتيمين. لكنها فضّلت الموت على أن توافق على تحويل حياتها الأسرية إلى مهزلة مذلّة.
    تملأ المرأة فراغها الكوني بالأطفال والزوج والمنزل وهموم الحياة اليومية والعمل، إن وُجد. لكن كلّ هذا لا يملأ الفراغ الذي لا يمكن ملؤه في روحها. تنتظر حبّا عظيما كإجابة على جميع تساؤلاتها. إجابتها النهائية هي شغف جارف. يبدو لها أن فراغها اللامتناهي لا يُملأ إلا بحبّ لا حدود له، حبّ مخلص. هذه الحاجة الملحّة لا تنتظر إلا فرصة. أما الشخص نفسه، فيلعب دورا ثانويا. قد يكون حارسا وسيما بشارب مهذّب على أحدث طراز. لا يهم. كان من الممكن أن يحلّ شخص آخر محلّ فرونسكي.
    أغلب الناس يعيشون بدون حبّ عظيم، مكتفين بعلاقات عادية. لكن تولستوي يمنح آنّا موهبة قاتلة، ألا وهي عدم الرضا بالقليل. في صراعها من أجل حبّها العظيم، تضحّي بكلّ شيء ذي قيمة: مكانتها الاجتماعية، دينها، عائلتها، أطفالها. وبالنسبة لمؤلّف الرواية، هذا الطريق لا يُفضي إلى شيء. لا يمكن ملء الفراغ الكوني بتدمير الذات والتضحية بالأحبّة. موت البطلة ليس انتصارا للحبّ العظيم، بل هو هزيمة ساحقة له.
  • ❉ ❉ ❉

    ❉ ❉ ❉

  • من أشهر النماذج الفلسفية نموذج "أبو الهول". كان لأبي الهول رأس امرأة وجسم أسد وجناحا طائر. وكان يجلس خارج بلدته ويقطع طريق أيّ مسافر يقترب منه. في كلّ مرّة، كان أبو الهول يطرح لغزا واحدا. وأشهر ألغازه أو أسئلته: ما الذي يمشي على أربع في الصباح وعلى اثنتين في الظهر وعلى ثلاث في المساء؟" وإذا أخطأت في حلّ اللغز، فإنه يلتهمك!
    أبو الهول الفيلسوف هو من يجادل باستمرار من خلال التشكيك في موقفك. قد يتظاهر بالجهل أو يدّعي أنه حليف، لكنه دائما ما يطرح أسئلة هادفة. النسخة السامّة من أبي الهول هي النسخة المفترسة. إذا أخطأت في الأسئلة وفشلت في اختبار المنطق أو المعرفة أو الامتثال الاجتماعي، فأنت عدوّ. أما النسخة البنّاءة منه فهي النسخة السقراطية التي ترى أن الأسئلة فرصة للنموّ معاً.
    في الحياة اليومية، نادرا ما يصرّح أبو الهول ذو الشخصية الغامضة بأيّ شيء، بل يشكّك في كلّ شيء. في حفلات العشاء، يُشعر الآخرين بعدم الارتياح برفضه الانحياز لأيّ طرف، بينما يسخر بطريقة أو بأخرى من آرائهم. إنه مثير للغضب، ولكنه في الوقت نفسه جذّاب. وغالبا ما تجد الشخص الغامض يعمل في التدريس أو العلاج أو التدريب، أي المجالات التي يكون الهدف فيها توليد الأفكار بدلا من تقديمها.
    وهناك أيضا نموذج المينوتور الفلسفي. والمينوتور هو نصف إنسان ونصف وحش "ثور في العادة" محبوس في متاهة. والمينوتور متوحّش يقتل أيّ شخص يقع في متاهته. لكنه أيضا تائه ومعذّب. وهو غريب عن المجتمع، مجبَر على أن يكون الوحش الذي أراده الملك مينوس ملك كريت.
    المينوتور الفيلسوف شخص تائه في مستنقع المعاناة الإنسانية والفناء والحرّية والعبث. لا ينجو أبدا من المتاهة، بل يتّخذ منها مسكنا مظلما مستسلما. هنا ستجد باسكال ودوستويفسكي وهايديغر وسارتر وكامو ودي بوفوار يتجوّلون في كرب وألم. يكتبون من أعماقهم ومن الخوف، ومن ثقل كونهم بشرا. لا توجد إجابات، فقط الهلاك والكآبة والقبول المطلق. إذا أصغيت جيّدا، فقد تسمع سيزيف يضحك.
    في الحياة اليومية، يشعر المينوتور بالأشياء بعمق، ولا يرغب في التظاهر بغير ذلك. لا يجيد الأحاديث العابرة، وكلّ محادثة تتحوّل حتما إلى تأمّل في الموت أو المعنى. صداقاتهم عميقة، يدوّنون يومياتهم، وقد يبعثون لك رسائل نصّية في وقت متأخّر من الليل حول طبيعة الوحدة. قد يظهر أصحاب شخصية المينوتور في أيّ مكان، ولكن غالبا تحت ضغط شديد أو حتى في ظلّ صدمة. يعملون في مجال رعاية المحتضرين وطبّ الطوارئ والاستشارات المتعلّقة بالإدمان. وكما قال مونتين "الموت حاضر دائما في أحاديثهم".
    وهناك أيضا نموذج الغارودا الفلسفي. والغارودا نسر عظيم في الأساطير الهندية، يرتبط بالبصر الثاقب وطرد السموم. وهو يحلّق فوق المناظر الطبيعية ويرى بُنية الأشياء من علوّ. لا يتعامل مع الخدع أو الألغاز، بل يحبّ الوضوح.
    الغارودا ذو النزعة الفلسفية لا يُجري حوارا معك حتى تتحدّد المصطلحات جيّدا. فهو ملتزم بالوضوح والدقّة والمنطق الصارم وحلّ المشكلات الزائفة. راسل وفيتغنشتاين المبكّر والفلاسفة التحليليون المعاصرون هم من أصحاب هذه النزعة. وكذلك الفلاسفة التجريبيون ذوو الميول العلمية مثل هيوم وغيره ممن سعوا إلى تبديد الغموض الميتافيزيقي. وهم يعتقدون أن معظم المشكلات الفلسفية هي مجرّد التباسات لغوية أو منطقية، وأن المهمّة هي الرؤية بوضوح.
    في الحياة اليومية، يسألك الغارودا كثيرا: ماذا تقصد بذلك؟". يكره استخدام الغموض والاستعارة كحجج، وغالبا ما يعارضهما بقوله: ماذا يعني ذلك حقّا؟". ليس لديه وقت لـ"التجربة المعاشة" أو التفكير العاطفي. وإذا لم يكن بالإمكان صياغة الأمر بشكل رسمي، فلا جدوى من مناقشته. وغالبا ما يعمل هؤلاء في مجالات البرمجة أو القانون أو العلوم.
    هذه الأنماط الفلسفية الثلاثة ستجدها في كلّ حقل وفي كلّ مكان عمل وفي كلّ تجمّع عائلي. إنها أنماط للتفاعل مع العالم بقدر ما هي أنماط للنقاش. ومعظمنا مزيج من هذه الأنماط، قليل من الغموض عندما نكون متردّدين، وقليل من الحماس في وقت متأخّر من الليل، وقليل من التفاؤل عندما نملّ من الهراء.
    والآن أيّ هذه النماذج الثلاثة يشبهك أكثر؟

  • Credits
    archive.org
    tolstoymuseum.ru

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة

    مخطوطات قرآنية نادرة

    أشهر عشر نساء خلّدهن الرسم

    فنجان قهوة