خواطر في الأدب والفن


  • كانت شهرة إدغار آلان بو الأدبية محدودة نسبيّا إلى أن انتقل إلى نيويورك في خريف عام 1847، حيث أصبح شخصية معروفة لدى دائرة واسعة من المؤلّفين والأدباء. وكان سبب اهتمامهم بكتاباته غرابة شخصيّته وجاذبية حضوره الفريد.
    يقول أحد الذين عرفوه في تلك الفترة: كلّ شيء فيه كان مميّزا. كان رجلا ذا هيبة، ملامحه وهيئته ومشيته كانت جميعها مميّزة. كان وسيما ولا شك. بشرته صافية وسمراء، ولون عينيه الجميلتين يبدو رماديا داكنا، ولكن عند التدقيق يتبيّن أنهما من ذلك اللون البنفسجي المحايد الذي يصعب وصفه".
    وقال كاتب آخر زار منزله الريفي: حول شجرة كرز قديمة، بالقرب من الباب، كانت هناك مساحة واسعة من العشب الأخضر. أما أحواض الزهور المجاورة والظلّ الوارف فوقها، فقد جعلت من هذا المكان مقعدا مفضّلا". وعندما استيقظ الكاتب الزائر في الصباح، وبينما كان في طريقه إلى جسر القناة المائية، وجد "بو" برفقة والدته يقفان على العشب تحت شجرة كرز، يراقبان بشغف حركات طائرين جميلين كانا يفكّران في الاستقرار على أغصانها.
    كانت لدى "بو" بعض الطيور الاستوائية النادرة في أقفاص، وكان يعتني بها ويدلّلها. وكان يولي طيوره وأزهاره اهتماما بالغا بدا متناقضا تماما مع الطابع الكئيب والغريب لكتاباته. وكانت قطّته المفضّلة أيضا تستمتع برعايته الودّية، وأثناء التأليف كانت تستقرّ على كتفه".
    وفي السنوات الأخيرة من حياته، اعتاد "بو" أن يسير هناك في جميع أوقات الليل والنهار، وغالبا ما كان يقطع ذلك الطريق المنعزل لساعات دون أن يقابل أيّ إنسان. وإلى الشرق قليلا من الكوخ، يرتفع نتوء صخري غُطّيت أرضه بأشجار الصنوبر والأرز التي تطلّ على منظر خلّاب للريف المحيط.
    هنا، خلال أيّام الصيف الطويلة ولياليه المنعزلة المضاءة بالنجوم، كان "بو" يحبّ الجلوس غارقا في أحلامه الجميلة أو متأمّلا في مسائل "الكون" العميقة، تلك القصيدة النثرية العظيمة التي كرّس لها آخر طاقات عقله الفذّ وأكثرها نضجا. وهناك انطباع سائد بين النقّاد والقرّاء الذين لم يشعروا قطّ بجاذبية خيال "بو" الغريب، ولم ينسجموا تماما مع عبقريته، بأن إبداعاته الفكرية كانت دائما نتيجة جهد متعمّد ومهارة فنّية، وأنها لم تكن نتاجا حقيقيا للحياة الداخلية، بل إبداعات عشوائية للإرادة والعقل.
    قال ناقد: إن مثل هذه العروض الغريبة والجميلة، كقصيدة "الغراب" ليست قصائد، بل هي ببساطة تجارب بارعة على صوت الكلمات".
    وعلّق آخر على مقطع من قصيدة الشاعر بعنوان "الأجراس" مقدّرا صدقها المثالي في التصوّر وفنّها الإيقاعي الرفيع: ذات ليلة، وأنا أشاهد حريقا هائلا، أعدتُ وسط صخب أجراس الإنذار المقطع الثالث من القصيدة، لأجد كيف انسجمت حركة البيت الشعري بشكل رائع مع دويّ الأصوات، وكيف جسّدت القصيدة بصدق إحساس الخطر الذي نقله صوت الأجراس ووهج النيران وتصاعدها الجنوني وشحوب ضوء القمر. كلّ شعرية الحريق موجودة في ذلك المقطع، صوتاً ومعنى، ولم يكن دانتي نفسه ليعبّر عنها بصدق أكثر من ذلك".
    ووصف ناقد آخر أعمال "بو" بأنها "قطع فنّية غنيّة ومتقنة تفتقر إلى الروح الحيّة القادرة وحدها على تحويل الكلمات إلى كائنات حيّة". وصَنّف "بو" من ضمن "الكتّاب الذين اكتفوا برشّ تعاويذ خيالية بدلاً من إكمال صور خيالية مُحكمة".
    بينما يرقد كيتس نائما كقصيدته "إنديميون"، غارقا في أحلام "الماضي الميّت"، أتى "بو" الأكثر حزنا ووحدة وشكّاً، ليغوص في أعماق الهاوية. اضطراب العصر وانعدام الإيمان بلغا ذروتهما فيه. ولم يشهد تاريخ الأدب في القرن التاسع عشر مثيلا لروحه في أحلك حالاتها، لا من حيث العزلة ولا اليأس ولا الوحدة.
    دانتي يخبرنا "أن العقول التي تحلم قرب الفجر تُنبئ بالحق." وكانت أحلام إدغار بو، بلا شك، في كثير من الأحيان تنبّؤية وذات دلالة، وبينما لم يدرك عبر عقله الحقائق التي تنبّأ بها إلا بشكل مبهم، فقد استحوذ على اهتمام الجمهور بفضل سحر أسلوبه الغريب وذكائه التحليلي العميق، وقبل كلّ شيء بفضل روعة خياله العجيب، ما دفع الناس إلى قراءة أفكاره المذهلة وتصديقها كحقائق محتملة. وكثيرا ما كان يتحدّث عن صور وأحداث حياته الداخلية باعتبارها أكثر وضوحا وواقعية من تلك التي عاشها في العالم الخارجي.
    قال ثيودور باركر: على كلّ عبقري أن ينحت لنفسه من صخور الحياة القاسية تمثالا أبيض للسكينة". والذين نجحوا في إنجاز هذا العمل السامي هم الأقدر على النظر بشفقة وإجلال إلى مساعي إدغار آلان بو لصنع ذلك التمثال الجميل والمهيب للسلام".
    في منتصف القرن قبل الماضي، غادر جون بو، جدّ إدغار آلان بو الأكبر، آيرلندا إلى أمريكا. كان ينتمي إلى عائلة لو بوير النورماندية العريقة، وهو اسم بارز في سجلات التاريخ الآيرلندي. وكانت سمات عائلة لو بوير بارزة ومميّزة. فقد كانوا مبذّرين، مغامرين، وشجعانا متهوّرين.
    وقد انخرطوا بعمق في الاضطرابات الآيرلندية عام 1641. وعندما غزا كرومويل آيرلندا، لاحقهم بعداء شديد لا هوادة فيه. وتشتّتت عائلاتهم ودُمّرت ممتلكاتهم وصودرت أراضيهم. ومن بين فروع العائلة وقت غزو كرومويل، لم ينجُ من انتقامه سوى فرع واحد. ثم خضع اسم "لو بوير" لتغييرات مختلفة في النطق والتهجئة، الى ان استقرّ على "بو". ولا تزال بعض فروع العائلة في آيرلندا تحمل الاسم الإيطالي القديم "دي لا بو".
  • ❉ ❉ ❉

  • يُعتبر لويجي بوكيريني (1743-1805) واحدا من أبرع عازفي التشيللو في جميع العصور. وإنجازاته كمؤلّف موسيقيّ تضعه تقريبا في مرتبة قريبة من هايدن وموزارت. ومع ذلك أهمله المؤرّخون، ليس فقط لأنه كان إيطاليّا ويعيش في مدريد التي كانت فيها الموسيقى راكدة إلى حدّ ما في زمانه، وإنما أيضا لأن موسيقاه يطغى عليها الطابع الرومانسيّ ولا تناسب القوالب الكلاسيكية التقليدية.
    كان بوكيريني مؤلّفا غزير الإنتاج، وخاصّة لموسيقى الغرفة. ويُعزى إليه الفضل في ابتكار الخماسية الوترية بآلتي كمان وفيولا وآلتي تشيللو. ومثل هايدن، وخلافا لـ موزارت، كان بوكيريني يتفاعل باستمرار مع المثيرات الخارجية، سواءً كانت أصوات الغيتار الاسباني أو أغاني الطيور التي كان دائما يضمّنها في أعماله.
    وأفضل أعماله هو مجموعة الخماسيات الوترية التي كتبها عام 1771 بعد أن أصبح موسيقيّا في بلاط لويس شقيق الملك كارلوس الثالث ملك اسبانيا. وأشهر جزء من هذه الخماسيّات هو المقطوعة الراقصة المعروفة بـ المينيويت Minuet، وهي عبارة عن حوار سلس ورائع بين الآلات الوترية.
    هذه القطعة تتميّز بتجانسها وأناقتها وبطابعها الاحتفاليّ وتوازنها الإيقاعيّ. وقد اكتسبت مع مرور الوقت شعبية كبيرة وأصبحت ترمز للسنوات الأخيرة من النظام القديم في أوروبّا.
    لحن المينيويت يُعتبر من الألحان التي لا تُنسى. وطوال أكثر من قرنين، اجتذب عشّاق الموسيقى من كلّ مكان. وما ضاعف من جاذبيّته هو مرونته وقابليّته للعزف، سواءً على الآلات المنفردة كالبيانو والفيولا والكمان والفلوت أو بمصاحبة فرقة اوركسترالية كاملة.
  • Credits
    eapoe.org
    luigiboccherini.org

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة

    مخطوطات قرآنية نادرة

    اللوحات العشر الأكثر ترويعاً وعُنفاً

    أساطير قديمة: العنقاء