المتلاعبون بالعقول


في عام 2022، اختار قاموس ميريام ويبستر "التلاعب النفسي Gaslighting" كلمةً للعام، وأصبحت الكلمة أكثر شيوعا في اللغة الإنغليزية. ويكشف بحث بسيط على اليوتيوب عن عدد كبير من الفيديوهات التي تركّز على تعريف التلاعب النفسي، والأساليب التي يستخدمها المتلاعبون، وكيفية التعامل معه ومكافحته.
لكن أوّلا ما هو التلاعب النفسي؟
في عام ١٩٤٤، عُرض فيلم من بطولة إنغريد بيرغمان، يروي قصّة رجل يحاول إقناع زوجته بأنها مختلّة عقليّا من خلال افتعال أمور غريبة في المنزل، بينما يحاول إقناعها في نفس الوقت بأن كلّ شيء طبيعي. مثلا، كان الزوج يحرّك الصور ويُصدر أصوات خطوات غريبة، والأهم من ذلك، كان يخفت أضواء الغاز "المستخدمة آنذاك" في المنزل ويتصرّف وكأن الإضاءة ساطعة.
ويحاول الزوج بناء حججه لإثبات عدم استقرار زوجته وعدم جدارتها بالثقة. وشيئا فشيئا، تبدأ الزوجة بفقدان قدرتها على التمييز بين الواقع والخيال وتفقد ثقتها في إدراكها.
وعندما تسأله زوجته عن سبب حدوث هذه الأمور، يتصرّف وكأن الحياة طبيعية، ما يثير الشكوك في نفسها حول سلامة عقلها. كان اسم ذلك الفيلم "ضوء الغاز" (Gaslight)، ومنه اشتُقّ مصطلح "Gaslighting" أو "التلاعب النفسي".
ويعرَّف التلاعب النفسي الحديث بأنه أسلوب يحاول فيه شخص ما إقناع شخص آخر بأن واقعه غير صحيح. وهي حيلة يستخدمها النرجسيون غالبا للسيطرة على ضحاياهم. ويهدف التلاعب إلى إثارة الحيرة وزرع مفاهيم خاطئة في ذهن الضحيّة. ويسعى من يمارس التلاعب النفسي إلى تضليل الضحية ودفعها إلى التشكيك في واقعها وقيمها وأفكارها وقناعاتها وسلوكياتها.
وكما في الفيلم، فإن الشخص الذي يتعرّض لمحاولات متكرّرة من التلاعب النفسي قد يشكّ في أفكاره وذكرياته وسلوكياته، ما يجعله عرضة لضغوط نفسية شديدة. وفي كثير من الحالات، يُعتبر التلاعب النفسي إساءة نفسية وعاطفية.
والنرجسيون وممارسو التلاعب النفسي يستخدمون العديد من العبارات لتضليل ضحاياهم، مثل: لا أعرف ما سمعتَه أنت، لكنّي لم أقل ذلك أبدا". و"لا بدّ أنك تتخيّل أشياءً، فأنت مخطئ ولم أقل ذلك". و"أنا في حيرة تامّة مما تقول. كلامك غير منطقي، وأنت تتخيّل أشياء". و"كفّ عن محاولة تضليلي. لم يحدث الأمر بهذه الطريقة، وأنت تعلم ذلك". و"يا للعجب، أنت شخص شديد الحساسية. لا داعي للمبالغة في ردّة فعلك". و"لا أصدّق أنك تسألني عن هذا مجدّدا. أنت من يكذب، وليس أنا". وهكذا..

❉ ❉ ❉

❉ ❉ ❉

وتشمل الأساليب الأخرى التي قد يستخدمها المتلاعبون النفسيون الكذب عن طريق إخفاء المعلومات أو تغييرها، وإسقاط أفعالهم السلبية وعيوبهم ونقائصهم على الضحية، واتهام الضحية بالمرض العقلي أو الجنون، ولفت الانتباه باستمرار إلى نقاط ضعف الضحية وتشتيت انتباهه عن طريق إلقاء اللوم عليه في النتائج السلبية، واتهامه بالغضب والانفعال المفرط.
ولا يقتصر التلاعب النفسي على الأماكن المعزولة، بل يمكن أن يحدث في أيّ مكان أو ظرف، كالعلاقات الزوجية والعائلية وبين الأصدقاء وزملاء العمل والمدراء والمشرفين وغير ذلك.
وآثار التلاعب النفسي تتراوح بين خفيفة إلى شديدة، ويمكن أن تسبّب آثارا طويلة الأمد في جميع جوانب حياة الشخص، من العمل والدراسة إلى العلاقات الأسرية والعاطفية. وتشمل هذه الآثار القلق والعزلة والاكتئاب والصدمات النفسية وصعوبة الثقة بالآخرين وانخفاض الثقة بالنفس وعدم تقدير الذات والتشوّش الذهني.
وتلاحَظ أعراض مثل الشعور باليأس واضطراب ما بعد الصدمة ولوم الذات والخضوع لدى الأشخاص الذين تعرّضوا للتلاعب النفسي. والتلاعب مشكلة خطيرة ذات عواقب وخيمة. والحقيقة المحبطة وغير العادلة بالنسبة للعديد من الضحايا هي أن المحيطين بهم لا يلاحظون غالبا هذه العلامات إلا إذا تعرّضوا هم أنفسهم لنفس التجربة.
تقول الخبيرة ج. فريزر إن ممارسي التلاعب النفسي يشكّلون جزءا من ثلاثيّ خطير يُعرف في علم النفس باسم "الثالوث المظلم"، وهم النرجسيون، والميكيافيلليون، والسايكوباتيون او المختلّون عقليّا المتبلّدون شعوريّا.
عندما يُؤذى جسد شخص ما، فإننا نقيّم شدّة الضرر من خلال مقدار الضرر الفعلي الذي لحق به. ولكن عندما يتمّ التلاعب بالدماغ، فإننا نحتاج إلى إيجاد طرق لمعرفة مقدار الضرر الذي يسبّبه عدم اتخاذ إجراء. فالاعتداءات الجسدية مصمّمة لإضعاف الجسم وإيذائه؛ بينما تهدف الاعتداءات النفسية إلى إضعاف الدماغ والعقل وزعزعة استقرارهما.
جرت العادة في كثير من الأحيان على أن الإصابات التي تلحق بالجسد تحظى بفرصة أكبر لتلقّي العلاج الفوري، بينما يتمّ تجاهل الأضرار العصبية التي تَلحق ببنية الدماغ واضطراب قدرة العقل على العمل بشكل سليم. وكلّما ازداد وعينا بكيفية عمل العقول المسيئة والمنتهِكة، وكلّما جُرّدوا من قدرتهم على السيطرة على السردية وإسكات التساؤلات وإجبار المجتمع على التمسّك بالقصص الملفّقة، كلّما استطعنا بشكل أفضل منع التنمّر والتلاعب النفسي وحمينا أنفسنا وسلامتنا العقلية من الأكاذيب، ومن التواطؤ المؤسّسي إن وُجد.

Credits
archive.org
psychologytoday.com

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مخطوطات قرآنية نادرة

أساطير قديمة: العنقاء

اللوحات العشر الأكثر ترويعاً وعُنفاً