خواطر في الأدب والفن
ومن الأمثلة المشهورة على طفل الغابة رومولوس مؤسّس روما الذي يقال انه تربّى وعاش في رعاية ذئبة، وموغلي الذي ابتكر حكايته الشاعر الانغليزي كيبلنغ، وإنكيدو بطل ملحمة غلغامش الذي عاش مع السباع وتطبّعَ بطباعها إلى أن روّضته امرأة، وحيّ ابن يقظان الذي أرضعته وربّته غزالة، وأخيرا الطفلة التي رعتها نعامة في الصحراء الكبرى وأصبحت تتصرّف مثل قطيع النعام الذي عاشت معه، فتُسابقهم وتأكل أكلهم وتعيش مثلما يعيشون.
ويبدو أن ابتكار مثل هذه القصص وانتشارها يعكس حنين الإنسان إلى حياة أسلافه الأقدمين الذين عاشوا في البراري والغابات منذ أقدم الأزمنة. وهناك سبب آخر يتمثل في أن شخصيات هذه القصص تنجح في عبور الخط الفاصل بين الإنسان والحيوان، بين الطبيعي وغير الطبيعي وبين الحضاري والفطري الخ.
وربّما هناك عامل آخر هو افتتان الإنسان بالوحش الذي في داخله، وأيضا إعجابه بالفكرة القديمة عن "الهمجي النبيل" الذي لم تلوّثه الحضارة وظلّ محتفظا في داخله بنقاء وطيبة الإنسان الأوّل.
❉ ❉ ❉
ويقال إن مؤلّف كلمات الموشّح هو لسان الدين ابن الخطيب المتوفّى في الأندلس في القرن الرابع عشر الميلادي. ولكن هذا مثار شك، لأن شعر ابن الخطيب فيه بلاغة وجزالة وبيان.
والغريب أن موسيقى الموشّح، الملحّنة على مقام النهاوند، قريبة جدّا من لحن الحركة الثالثة "مينيوتو الليغرو" من سيمفونية موزارت الأربعين. فهل اقتبس الموسيقيّ النمساوي لحنه من لحن هذا الموشّح؟
إذا صحّت التكهّنات حول بداية ظهور الموشّح، فإنه سبق ظهور سيمفونية موزارت بـ 400 أو 500 عام على الأقل. وعندما ألّف موزارت سيمفونيّته كانت الموشّحات قد غزت أرجاء متعدّدة من أوربّا على أيدي شعراء التروبادور الذين انطلقوا من الأندلس ونشروا أشعارهم وموسيقاهم المستوحاة من بيئتهم الأندلسية للبلدان المجاورة، بما فيها ايطاليا وألمانيا والنمسا وغيرها.
وما يدعم هذه الفرضية أن كثيرا من الموسيقى الكنيسة في تلك الفترة كانت متأثّرة إلى حدّ كبير بالموسيقى التي ألّفها ملحّنون من مسلمي ويهود الأندلس.
ربّما يكون موزارت قد ألّف موسيقى الحركة الثالثة من سيمفونيّته الأشهر وفي ذهنه لحن موشّح "لما بدا يتثنّى"، وقد يكون الشبه عرضيّا. لكن ممّا لا شكّ فيه أن الموسيقى، بمفهومها العام، تتّسم بالديناميكية والتأثير المتبادل وبطابعها العابر للحدود والثقافات.
❉ ❉ ❉
في عام 1596، وصل الكاردينال دي غيفارا إلى مدينة طليطلة، حيث كان يعيش إل غريكو، في مهمّة، وهي إصدار أحكام على أكثر من أربعين من "الزنادقة" المدانين. ومن المحتمل أنه أثناء زيارة الكاردينال للمدينة، كلّف أحدُ أقاربه الفنّان إل غريكو برسم لوحة له. وقد سافر دي غيفارا بعد ذلك إلى روما. ثم تلقّى ترشيحا ونال ترقية لاحقة لمنصب المحقّق العام لإسبانيا.
الكاردينال في اللوحة يرتدي ثوبا قرمزيا بلون الدم، نظراته باردة، ويداه تزيّنهما خواتم مرصّعة بالجواهر. وهناك ورقة تستقرّ عند قدميه ربّما كان لها علاقة بأحكامه على ضحاياه. وقد قيل إنه حَكم على بعضهم بالحرق وهم أحياء. مظهر الرجل الخارجي المرتّب ونظراته الهادئة ربّما يخفيان حياة داخلية عاصفة.
في فيلم "سيّدة في معطف فراء" من عام 1947، يظهر المحقّق دي غيفارا وهو يقف أمام إل غريكو ليرسم صورته. وبعد ذلك يترّأس محاكمة تتعلّق بصائغ فضّة يهودي كان قد وقع في حبّ ابنة متخيّلة لـ إل غريكو. لكن فيلم "إل غريكو" الذي صُوّر عام 2007 يتضمّن حادثة خيالية لنفس هذا القاضي وهو يحاكم إل غريكو نفسه أمام إحدى محاكم التفتيش.
نظرَ الاسبان إلى هزيمة أسطول أرمادا على أنها عقاب من الله على خطايا إسبانيا التي كانت بلدا غنيّا كثيرا خلال عصرها الذهبي. وقد تقرّر أن البلاد نفسها يجب أن تتطهّر على المستوى الديني، كما يجب تنصير العالم تحت حكم إسبانيا الكاثوليكية.
بدأت حركة الإصلاح المُضاد في عهد البابا بايوس الرابع في إيطاليا عام 1560، واستمرّت حتى عام 1648. ثم وصلت الآن الى إسبانيا. لكن في إسبانيا، كان المتّهمون في الغالب من الأجانب، يهودا ومسلمين، بينما كانت أعداد البروتستانت الذين تعرّضوا للاضطهاد قليلة نسبيّا.
وكانت اثنتان من حركات الإصلاح المضاد، هما محاكم التفتيش وجمعية الجزويت أو اليسوعيين، إسبانيتين. واستُخدمت تلك المحاكم السيّئة السمعة للتضييق على الأشخاص المشتبه في كونهم يهودا وزنادقة وبروتستانت ومسلمين وملاحقتهم قضائيّا.
لم يكن أمرا سهلاً أن يعيش رجل أجنبي مثل إل غريكو "اليونانيّ الأصل" في بلد كان يشهد أعمال عنف وكراهية للأجانب وتحقيقات قاسية وتعذيبا وقتلا. ومع ذلك فإن تعبير الرسّام عن الحقائق الدينية في إسبانيا يبدو أصيلا بشكل لا يمكن تصوّره. والبعض فسّر علاقته بالكنيسة على أنها بدافع الخوف وأن وراءها أحيانا أسبابا انتهازية أو نفعية.
❉ ❉ ❉
◦ هذه هي أمّي الغالية. أنجبت وربّت 18 طفلا. أصيبت في حياتها بالطاعون وبأمراض أخرى خطيرة وعانت من الفقر والعوز. ومع ذلك لم تحمل حقدا أو ضغينة لأحد. ماتت بصعوبة في سنّ الثالثة والستّين. رسمتها وهي مريضة. وحزني على فقدها تعجز عنه الكلمات. البريشت ديورر
◦ كان البشر الأوائل الأكثر خوفا هم الأكثر واقعيةً بشأن وضعهم في الطبيعة. وقد نقلوا إلى ذرّياتهم واقعية ذات قيمة بقاء عالية. وكانت النتيجة ظهور الإنسان كما نعرفه: حيوان شديد التوتّر، يختلق باستمرار أسبابا للقلق حتى عندما لا يكون موجودا. ا. بيكر
◦ ما دمنا نعيش بين البشر، فلنحافظ على الإنسانية. إعمل وناضل ولا تقبل أبدا الشرّ الذي يمكنك تغييره. ديفيد ثورو
◦ بعض الناس يؤمنون بالقدر، والبعض الآخر لا يؤمنون. أنا أؤمن، ولا أؤمن. يبدو لي أحيانا كما لو أن هناك أصابع خفيّة تحرّكنا مثل دُمى مربوطة بخيوط. لكن من المؤكّد أننا لم نولد لنُجَرّ. بإمكاننا أن نمسك بالخيوط بأنفسنا ونعدّل مسارنا عند كلّ مفترق طرق، أو أن ننطلق في أيّ درب صغير نحو المجهول. ثور هيردال
◦ أحيانا تصبح الممتلكات ضخمة لدرجة أننا قد نُسجن فيها بدلا من أن تؤوينا. م. هيوز
◦ أكثر الناس ينظرون لكن لا يرون. ويستمعون لكن لا يسمعون. ويلمسون لكن لا يحسّون. ويأكلون لكن لا يتذوّقون. ويستنشقون لكن لا يشمّون. ويتحدّثون لكن لا يفكّرون. ليوناردو دا فنشي
Credits
archive.org
franciscogoya.com
archive.org
franciscogoya.com


