قراءات
وأؤمن أن ليست كلّ روح طيّبة تنال نهاية سعيدة. يغادر البعض هذا العالم مبكّرا، دون حبّ. وعندما يفعلون، يقول الكون: هيّا كن نجماً". لهذا السبب تتألّق النجوم بشدّة، لأنها تحمل كلّ ذلك الحبّ غير المعبّر عنه في داخلها.
وأعتقد أنه بعد قرون من الآن سيعيش في منزلي الحالي شخص ما، عائلة تشبه عائلتي في أغرب تفاصيلها، نفس عدد أفرادها ونفس سماتها. وأحد أفرادها، ربّما طفل، سيجلس في ركني المفضّل ويشعر بشيء ما. شيء لا يمكن تفسيره. وهذا الشيء هو أنا.
وأؤمن أن الكلمات التي لم تقل لا تتلاشى، بل تختبئ في زوايا الغرف، تحت وسائدنا، بين طيّات ستراتنا التي لم نرتدِها منذ سنوات. وأحيانا، في ليلة وحيدة، نشعر بها تمرّ سريعا كأشباح لم تكن ترغب إلا في أن تُسمع.
❉ ❉ ❉
وقد وُصف هامسون بعد ذلك بأنه "دمية" في يد النازيين. لكن هذا الوصف يُغفل جوهر المسألة، ويبرّئ هامسون من المسؤولية، موحياً بأنه لم يكن يدرك ما يفعله حين انضمّ إلى هتلر والرايخ الثالث. فقد شاركهم رؤيتهم للعالم، ولهذا السبب منح غوبلز جائزة نوبل. ولم يكن هامسون مجرّد معجب أعمى منبهر بالمعاطف الجلدية الطويلة والأحذية العسكرية اللامعة والسياط السوداء الأنيقة.
في أبريل 1940، بعد غزو القوّات النازية للنرويج، نشرت صحيفة محلية مقالا افتتاحيا لاذعا بقلم كنوت هامسون، يمكن بسهولة الخلط بين مضمونه وبين كلام هتلر نفسه، إذ يقول فيه: أيها النرويجيون! ألقوا بأسلحتكم أرضا وعودوا إلى بيوتكم. الألمان يقاتلون من أجلنا جميعا، وهم الآن يحطّمون طغيان إنغلترا علينا وعلى جميع الدول المحايدة".
وعندما أُتيحت لهامسون الفرصة لمقابلة هتلر في مكتبه، اقترح على الفوهرر تعيين مفوّض أو مندوب سامٍ ألماني لحكم النرويج. وبعد مغادرة هامسون الغرفة، صرخ هتلر في وجوه مساعديه المذهولين قائلا: لا أرغب برؤية هذا الشخص مرّة أخرى"!
على الرغم من آرائه السياسية، يُعدّ هامسون، على عكس معظم زملائه الإسكندينافيين الحائزين على جائزة نوبل، شخصية بارزة في عالم الأدب. وقد أشاد به كتّاب كثر، مثل توماس مان وفرانز كافكا وإرنست همنغواي وهيرمان هيسه وبول أستر وأندريه جيد وتشارلز بوكوفسكي، لابتكاراته الأدبية. وما أثار إعجاب هؤلاء، على اختلافهم، هو ابتكارات هامسون في النثر النفسي والمونولوغ الداخلي وتقنية السرد الحداثية. ومن الطبيعي أنهم لم يكونوا معجبين كثيرا بآرائه الأيديولوجية.
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
دع مرآة الممرّ تبقى ضبابية عند حوافّها، لتذكّرك بوالدتك عندما مسحتها بحاشية فستانها. دع الريح تهزّ النوافذ، هكذا كنّا نعرف أن المطر قادم. دع مقبض الباب مرتخيا، ذاك الذي كان دائما يحتاج لتدويره مرّتين لفتحه، علّمنا الصبر. اترك الغبار يستقرّ حيث يكون، فليس من المفترض أن تُمحى كلّ الذكريات.
ذات يوم، سيدخل أحدهم هذا البيت ويسأل: أيّ حياة كانت تُعاش هنا"؟ وسيجيب الصمت ببصمات أصابع على الزجاج وآثار أحذية على الباب وكتب مفتوحة على الأريكة.
لسنا منذورين للنسيان، سنبقى نهمس من دفء الإطارات الصدئة والستائر القديمة التي تهفهف مع الريح. ويوما ما، ستصبح منازلنا متاحف للمشاعر. وفي شقوق جدراننا، ستُقرأ ألف قصيدة لم نكتبها قطّ، لكننا عشناها.
❉ ❉ ❉
كان هؤلاء رجالا مسنّين أعادهم ماء نافورة سحرية إلى شبابهم الجامح، ونساءً عجائز شربن من مياه الينبوع واستعدنَ نضارة الشباب. كانوا يخشون العودة إلى ديارهم خوفا من الحرج الذي قد يسبّبه مظهرهم اليافع الجديد بين أصدقائهم.
أشعلت تلك القصص حماس الإسبان لاستكشاف ذلك المكان. وفي عام 1512، أبحر دي ليون بثلاث سفن، باحثا عن تلك الجزيرة المسمّاة "بيميني". كانت جزر البهاما تضمّ ما يقارب 700 جزيرة وكانت رحلته تلك أشبه ما يكون بالمتاهة.
وقد وجد دي ليون فلوريدا، لكنه لم يجد بيميني التي اكتشفها لاحقا قبطانه دي أورتوبيا، بمساعدة امرأة عجوز حكيمة أرشدته إلى شاطئها. كان الماء هناك يشبه أيّ ماء آخر. غير أن دي ليون نجا فعلا من آثار الشيخوخة. فقد أودى بحياته سهم مسموم أُطلق عليه في فلوريدا، فمات في سنّ الحادية والستّين.
ثم اتسع نطاق البحث عن ينبوع الشباب ليشمل نهر جوردون. وكان هذا النهر يقع في مكان ما على شبه جزيرة فلوريدا، حيث بحث عنه السكّان الأصليون والبيض على مدى نصف قرن، واستحمّوا في كلّ جدول وبحيرة ومستنقع صادفوه، على أمل أن يكشف الماء السحريّ عن مكانه فجأة. كان الإسبان هم من جلبوا إلى العالم الجديد أسطورة ينبوع الشباب الدائم والذي لم يعثروا عليه أبدا.
Credits
hamsunsenteret.no/en
suite101.com
hamsunsenteret.no/en
suite101.com


