قصّة من زمن اللعبة الكبرى
الأراضي الواقعة بين صحاري تركستان وسهول الهند، وبين الهضبة الفارسية والصين، هي الأكثر وعورةً على وجه الأرض. وفي مطلع القرن التاسع عشر، كانت هذه المنطقة الشاسعة وغير المستكشفة إلى حدّ كبير، جزءا ممّا عُرف بـ "اللعبة الكبرى" التي دارت رحاها آنذاك بين بريطانيا وروسيا والصين للسيطرة على آسيا الوسطى والجنوبية، حيث أرسلت هذه الدول مغامرين ومستكشفين وجواسيس لرسم خرائط المنطقة وجمع المعلومات الاستخباراتية.
وتضمّ هذه الأراضي أعلى جبال في العالم، وهي سلسلة جبال شاهقة مكسوّة بالثلوج، تتخلّلها مرتفعات جليدية وبحيرات ووديان عميقة ووعرة. وفي المنطقة دروب قديمة ومتباعدة كانت تُستخدم كطرق للقوافل منذ عهد الإسكندر الأكبر. وأحدها، وربّما أشهرها، يمتدّ من كشمير عبر نهر السند وممرّ كاراكورام إلى خوتان وياركند. ويبلغ ارتفاع هذا الممر أكثر من 18 ألف قدم، وهو الأعلى في العالم، ولا يزال يُستخدم الى اليوم كطريق للتجارة.
هذه المرتفعات البرّية ليست المكان المناسب للرحلات السريعة. فالبلاد وعرة للغاية، وسكّانها قليلون، وتبدو حياة الإنسان فيها ضئيلة أمام الجليد الأبدي. ومع ذلك، حدثت في تلك الأرض الموحشة العديد من المطاردات الطويلة والقصص المثيرة.
وحتى وقت قريب، كانت هناك لوحة رخامية على الركام الحجري الذي يشير إلى قمّة كاراكورام، منقوش عليها اسم رجل. وقد سَجّلت هذه اللوحة جريمة قتل وقعت في ذلك المكان النائي عام 1880.
في ذلك الحين، كان يعيش في تلك الأنحاء شابّ اسكتلندي يُدعى دالغليش، اعتاد مرافقة المسافرين والصيّادين في رحلاتهم. كان أيضا تاجرا يقوم برحلات طويلة عبر آسيا الوسطى. وفي تجارته كانت تربطه علاقة برجل من البشتون يُدعى داود خان. كان هذا البشتوني تاجرا ومهرّبا، وكان معروفا على الطريق بين ياركند ولاداك. واعتاد الاثنان القيام بمشاريع مشتركة، ويبدو أنهما كانا صديقين حميمين.
وحدثَ أن انطلق دالغليش في رحلة استكشافية طويلة إلى التبت، وفي غيابه ساءت الأمور مع داود خان. فقد هلكت جميع خيوله في عاصفة عاتية ضربت الممرّات الجبلية، ما اضطرّه إلى اللجوء إلى مقرضي الأموال الهندوس. واستمرّت المصائب تلازمه، فوجد نفسه عاجزا عن سداد ديونه. ونتيجة لذلك، رفع دائنوه الأمر إلى المفوّض البريطاني في "ليه"، ومُنع من التجارة على طريق ياركند - ليه الى أن يسدّد ديونه.
وكانت النتيجة أن البشتوني انحرف إلى الشرّ نتيجة انقطاع رزقه، وعندما عاد دالغليش من رحلته، وجده يعيش في فقر مدقع وبطالة. ورغبةً منه في مساعدة صديقه القديم، دعاه للانضمام إليه، وحاول إقناع المفوّض بإلغاء أمر الحظر. لكن الأخير رفض، فانطلق دالغليش وحيدا نحو الشمال مع قافلة صغيرة. وفي الطريق، توقّف وكتب إلى داود خان يطلب منه أن يتبعه. ففعل البشتوني، وواصلا معا الطريق الطويل صعودا إلى ممرّ كاراكورام. أعطى دالغليش داود خان خيمةً وحصانا، وأمر خدمه أن يعاملوه بمنتهى التكريم.
وفي ظهيرة أحد الأيّام، شوهد الاثنان يخرجان معا، وكان البشتوني يحمل بندقية دالغليش. وبعد دقائق، سُمع صوت طلق نارّي، لكن الخدم لم يكترثوا له، لكثرة الصيد حول مخيّمهم. وبعد قليل، عاد داود خان وأخبرهم أنه أطلق النار على "السيّد". ركض الخدم إلى سيّدهم، وتبعهم داود خان، وقد جهّز نفسه بسيف. لم يُصب دالغليش إلا في كتفه، فهاجمه البشتوني ثانيةً وقتله بوحشية. ثم أجبر الخدم على العودة إلى خيمتهم، محذّرا إيّاهم بأنه سيقتلهم إن هم غادروها.
وتضمّ هذه الأراضي أعلى جبال في العالم، وهي سلسلة جبال شاهقة مكسوّة بالثلوج، تتخلّلها مرتفعات جليدية وبحيرات ووديان عميقة ووعرة. وفي المنطقة دروب قديمة ومتباعدة كانت تُستخدم كطرق للقوافل منذ عهد الإسكندر الأكبر. وأحدها، وربّما أشهرها، يمتدّ من كشمير عبر نهر السند وممرّ كاراكورام إلى خوتان وياركند. ويبلغ ارتفاع هذا الممر أكثر من 18 ألف قدم، وهو الأعلى في العالم، ولا يزال يُستخدم الى اليوم كطريق للتجارة.
هذه المرتفعات البرّية ليست المكان المناسب للرحلات السريعة. فالبلاد وعرة للغاية، وسكّانها قليلون، وتبدو حياة الإنسان فيها ضئيلة أمام الجليد الأبدي. ومع ذلك، حدثت في تلك الأرض الموحشة العديد من المطاردات الطويلة والقصص المثيرة.
وحتى وقت قريب، كانت هناك لوحة رخامية على الركام الحجري الذي يشير إلى قمّة كاراكورام، منقوش عليها اسم رجل. وقد سَجّلت هذه اللوحة جريمة قتل وقعت في ذلك المكان النائي عام 1880.
في ذلك الحين، كان يعيش في تلك الأنحاء شابّ اسكتلندي يُدعى دالغليش، اعتاد مرافقة المسافرين والصيّادين في رحلاتهم. كان أيضا تاجرا يقوم برحلات طويلة عبر آسيا الوسطى. وفي تجارته كانت تربطه علاقة برجل من البشتون يُدعى داود خان. كان هذا البشتوني تاجرا ومهرّبا، وكان معروفا على الطريق بين ياركند ولاداك. واعتاد الاثنان القيام بمشاريع مشتركة، ويبدو أنهما كانا صديقين حميمين.
وحدثَ أن انطلق دالغليش في رحلة استكشافية طويلة إلى التبت، وفي غيابه ساءت الأمور مع داود خان. فقد هلكت جميع خيوله في عاصفة عاتية ضربت الممرّات الجبلية، ما اضطرّه إلى اللجوء إلى مقرضي الأموال الهندوس. واستمرّت المصائب تلازمه، فوجد نفسه عاجزا عن سداد ديونه. ونتيجة لذلك، رفع دائنوه الأمر إلى المفوّض البريطاني في "ليه"، ومُنع من التجارة على طريق ياركند - ليه الى أن يسدّد ديونه.
وكانت النتيجة أن البشتوني انحرف إلى الشرّ نتيجة انقطاع رزقه، وعندما عاد دالغليش من رحلته، وجده يعيش في فقر مدقع وبطالة. ورغبةً منه في مساعدة صديقه القديم، دعاه للانضمام إليه، وحاول إقناع المفوّض بإلغاء أمر الحظر. لكن الأخير رفض، فانطلق دالغليش وحيدا نحو الشمال مع قافلة صغيرة. وفي الطريق، توقّف وكتب إلى داود خان يطلب منه أن يتبعه. ففعل البشتوني، وواصلا معا الطريق الطويل صعودا إلى ممرّ كاراكورام. أعطى دالغليش داود خان خيمةً وحصانا، وأمر خدمه أن يعاملوه بمنتهى التكريم.
وفي ظهيرة أحد الأيّام، شوهد الاثنان يخرجان معا، وكان البشتوني يحمل بندقية دالغليش. وبعد دقائق، سُمع صوت طلق نارّي، لكن الخدم لم يكترثوا له، لكثرة الصيد حول مخيّمهم. وبعد قليل، عاد داود خان وأخبرهم أنه أطلق النار على "السيّد". ركض الخدم إلى سيّدهم، وتبعهم داود خان، وقد جهّز نفسه بسيف. لم يُصب دالغليش إلا في كتفه، فهاجمه البشتوني ثانيةً وقتله بوحشية. ثم أجبر الخدم على العودة إلى خيمتهم، محذّرا إيّاهم بأنه سيقتلهم إن هم غادروها.
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
استولى داود على خيمة دالغليش، وفي الصباح أمر بتحميل الخيول وانطلاق القافلة. وعند نهاية المرحلة التالية، أخبر الخدم أن بإمكانهم التصرّف بالبضائع كما يشاؤون، ثم انطلق هو نفسه على حصان دالغليش. كان من المستحيل تحديد دافع القتل. لم يكن السرقة بالطبع، إذ كان بحوزة دالغليش مبلغ كبير من النقود الورقية لم يُمسّ. أعاد الخدم القافلة إلى ممرّ كاراكورام، وحملوا جثّة دالغليش، وعادوا إلى "ليه".
تولّت السلطات البريطانية في الهند التحقيق في القضيّة. وأدين داود خان بتهمة القتل، وعُرضت مكافأة كبيرة لمن يُدلي بمعلومات تؤدّي إلى القبض عليه. لكن العثور على رجل من البشتون، قضى أيّاما عديدة في آسيا الوسطى، كان أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قشّ. ومع ذلك، كان العثور على القاتل ضروريّا لِصَون هيبة بريطانيا.
كان الكولونيل باور، وهو رحّالة معروف، متواجدا آنذاك في كشغر، وتلقّى رسالة من الحكومة الهندية تأمره بالقبض على داود خان مهما كلّف الأمر وإعادته إلى الهند لمحاكمته. ويبدو أن داود كان قد زار كشغر مؤخّرا وتباهى بجريمته. ولم تُبدِ السلطات الصينية أيّ اهتمام له، وتبيّن استحالة استدراجه إلى داخل حرم القنصلية الروسية.
أحيطت مهمّة الكولونيل باور بسرّية تامّة. ويبدو أن البشتون غادروا كشغر متّجهين شرقاً قبل أسابيع. واكتُشف تاجر هندوسيّ يُكنّ ضغينة شديدة للقاتل، فوُضعت الخطط، وأُرسل مبعوثون إلى مختلف مناطق آسيا الوسطى للاستفسار. وزُوّد هؤلاء برسائل تشرح غرضهم، ولكن لم يكن مسموحا لهم باستخدام هذه الرسائل إلا بعد العثور على الشخص المطلوب.
وذهب اثنان من المبعوثين إلى أفغانستان، وهي بلد يصعب السفر فيه. وعندما أُلقي القبض عليهما في بلخ، إدّعيا أنهما طبيبان يبحثان عن نبتة نادرة. ولحسن الحظ، كان أمير تلك الناحية قريبا، فطلب الرجلان المثول أمامه، وقدّما له رسالة الكولونيل باور ليقرأها، فابتسم الأمير ابتسامة ساخرة، وقال لمرافقيه: هذان الرجلان صادقان في ادّعائهما لكنهما لن يجدا النبتة التي يبحثان عنها في أفغانستان". غير أنه أضاف أنه سمع أنها تنمو في بخارى". أُطلق سراح الرجلين وقُدّمت لهما هدايا من المال والملابس.
انطلق الكولونيل باور بنفسه شرقا من كشغر، على الدرب الذي يعتقد أن البشتون سلكوه. وفي أحد الأيّام، جاء رجل إلى معسكره وسأله عن جنسيته. فأجاب باور بأنه من الهند، فأبدى زائره دهشته، إذ كان يعتقد أن سكّان الهند سُمر البشرة. وأضاف أن هناك أجنبيا آخر طويل القامة في الجوار، ولا أحد يعرف من أين أتى. كان يعيش في الغابة ويكسب رزقه من قطع الأخشاب. واقتنع باور بأنه صار على مرمى حجر من الهارب، ولكن عندما وصل إلى المكان المذكور، كان الرجل قد اختفى.
مرّت أشهر عديدة دون أيّ تقدّم، وبدأ باور يظنّ أن مهمّته ميؤوس منها، إلى أن وردت فجأة أنباء من سمرقند تفيد بأن البشتوني قد أُلقي القبض عليه هناك وهو الآن في سجن روسي. توجّه مبعوثان إلى سمرقند، وعندما وصلا وجدا داود خان جالسا على صندوق في السوق. توقّف أحدهما وتحدّث معه، بينما ذهب الآخر إلى الحاكم الذي كان جنرالا روسيّا مشهورا. وفور أن فتح الحاكم رسالة باور، أرسل على الفور فرقة من القوزاق إلى السوق وأمر باعتقال خان.
أُعدّت الترتيبات لإعادة داود خان إلى الهند عبر الحدود الروسية مع مرافقة مسلّحة. لكن وردت أنباء تفيد بأن خان قد أفلت من العقاب، إذ انتحر شنقا في زنزانته. ومع ذلك، انتصرت قوّة القانون في النهاية. وكان لقصّة المطاردة الدؤوبة تلك، والتي شملت جميع أرجاء آسيا الوسطى، أثر أخلاقيّ كبير في تلك المنطقة الجبلية. ورُويت تفاصيلها مرارا وتكرارا حول نيران المخيّمات في الليل وفي الأسواق في كلّ مكان بين بلاد فارس والصين والهند، حتى جاءت الحرب العالمية الأولى بأحداثها الأكثر عنفاً وإثارةً، فغطّت عليها وطَمست ذكراها.
تولّت السلطات البريطانية في الهند التحقيق في القضيّة. وأدين داود خان بتهمة القتل، وعُرضت مكافأة كبيرة لمن يُدلي بمعلومات تؤدّي إلى القبض عليه. لكن العثور على رجل من البشتون، قضى أيّاما عديدة في آسيا الوسطى، كان أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قشّ. ومع ذلك، كان العثور على القاتل ضروريّا لِصَون هيبة بريطانيا.
كان الكولونيل باور، وهو رحّالة معروف، متواجدا آنذاك في كشغر، وتلقّى رسالة من الحكومة الهندية تأمره بالقبض على داود خان مهما كلّف الأمر وإعادته إلى الهند لمحاكمته. ويبدو أن داود كان قد زار كشغر مؤخّرا وتباهى بجريمته. ولم تُبدِ السلطات الصينية أيّ اهتمام له، وتبيّن استحالة استدراجه إلى داخل حرم القنصلية الروسية.
أحيطت مهمّة الكولونيل باور بسرّية تامّة. ويبدو أن البشتون غادروا كشغر متّجهين شرقاً قبل أسابيع. واكتُشف تاجر هندوسيّ يُكنّ ضغينة شديدة للقاتل، فوُضعت الخطط، وأُرسل مبعوثون إلى مختلف مناطق آسيا الوسطى للاستفسار. وزُوّد هؤلاء برسائل تشرح غرضهم، ولكن لم يكن مسموحا لهم باستخدام هذه الرسائل إلا بعد العثور على الشخص المطلوب.
وذهب اثنان من المبعوثين إلى أفغانستان، وهي بلد يصعب السفر فيه. وعندما أُلقي القبض عليهما في بلخ، إدّعيا أنهما طبيبان يبحثان عن نبتة نادرة. ولحسن الحظ، كان أمير تلك الناحية قريبا، فطلب الرجلان المثول أمامه، وقدّما له رسالة الكولونيل باور ليقرأها، فابتسم الأمير ابتسامة ساخرة، وقال لمرافقيه: هذان الرجلان صادقان في ادّعائهما لكنهما لن يجدا النبتة التي يبحثان عنها في أفغانستان". غير أنه أضاف أنه سمع أنها تنمو في بخارى". أُطلق سراح الرجلين وقُدّمت لهما هدايا من المال والملابس.
انطلق الكولونيل باور بنفسه شرقا من كشغر، على الدرب الذي يعتقد أن البشتون سلكوه. وفي أحد الأيّام، جاء رجل إلى معسكره وسأله عن جنسيته. فأجاب باور بأنه من الهند، فأبدى زائره دهشته، إذ كان يعتقد أن سكّان الهند سُمر البشرة. وأضاف أن هناك أجنبيا آخر طويل القامة في الجوار، ولا أحد يعرف من أين أتى. كان يعيش في الغابة ويكسب رزقه من قطع الأخشاب. واقتنع باور بأنه صار على مرمى حجر من الهارب، ولكن عندما وصل إلى المكان المذكور، كان الرجل قد اختفى.
مرّت أشهر عديدة دون أيّ تقدّم، وبدأ باور يظنّ أن مهمّته ميؤوس منها، إلى أن وردت فجأة أنباء من سمرقند تفيد بأن البشتوني قد أُلقي القبض عليه هناك وهو الآن في سجن روسي. توجّه مبعوثان إلى سمرقند، وعندما وصلا وجدا داود خان جالسا على صندوق في السوق. توقّف أحدهما وتحدّث معه، بينما ذهب الآخر إلى الحاكم الذي كان جنرالا روسيّا مشهورا. وفور أن فتح الحاكم رسالة باور، أرسل على الفور فرقة من القوزاق إلى السوق وأمر باعتقال خان.
أُعدّت الترتيبات لإعادة داود خان إلى الهند عبر الحدود الروسية مع مرافقة مسلّحة. لكن وردت أنباء تفيد بأن خان قد أفلت من العقاب، إذ انتحر شنقا في زنزانته. ومع ذلك، انتصرت قوّة القانون في النهاية. وكان لقصّة المطاردة الدؤوبة تلك، والتي شملت جميع أرجاء آسيا الوسطى، أثر أخلاقيّ كبير في تلك المنطقة الجبلية. ورُويت تفاصيلها مرارا وتكرارا حول نيران المخيّمات في الليل وفي الأسواق في كلّ مكان بين بلاد فارس والصين والهند، حتى جاءت الحرب العالمية الأولى بأحداثها الأكثر عنفاً وإثارةً، فغطّت عليها وطَمست ذكراها.
Credits
archive.org
archive.org
