قراءات


  • معاصرو الرسّام كلود لورين الإيطاليون صنّفوا لوحاته ضمن ما يسمّى بـ "المناظر البعيدة"، حيث تصوّر معظم أعماله طبيعة بانورامية تتدرّج من مجموعة من الأشجار المعتادة في المقدّمة إلى مساحة طبيعية شاسعة تعجّ بالأشجار والماء.
    ولا تقتصر الطبيعة، كما يصوّرها، على كونها بعيدة بالمعنى الحرفي فحسب، بل هي نقيض غامض وأبدي للأحداث البشرية التي يرسمها، حيث يلمّح ضمنا إلى فناء الإنسان وتقلّبات أفعاله. كما تجسّد هذه المناظر التوتّر بين الحضور والبعد. فمن جهة نجد طبيعة سامية، ومن جهة أخرى يقلّل هذه السموّ من شأن حتى الإنجازات الثقافية العظيمة للبشرية، والتي غالبا ما تتمثّل في العناصر المعمارية التي استولت عليها الطبيعة أو استعادتها.
    ولا يقتصر هذا المفهوم على وصف هذه المناظر بـ "البعيدة" فحسب، بل يشير أيضا إلى انفصالها عن الشئون الإنسانية. وتكمن القيمة العاطفية للمَشاهد في التضاؤل المادّي والمفاهيمي للإنسان في سياق ثراء الطبيعة الصامتة في كثير من الأحيان.
    والطبيعة هي الحضور الأبديّ الخالص الذي يضع الرسّام مقابله التغيير والفناء والزوال. ذات مرّة، كتب ناقد عن إشارات لورين المتعدّدة إلى مرور الزمن. وأشار الى أن العناصر الطبيعية، كالشمس والغيوم والمياه المتدفّقة وحركة الفلاحين والحيوانات والطيور المحلّقة والشلالات وحالة المباني المختلفة، كلّها تدلّ على ما يُعتبر الموضوع الرئيسيّ للرسّام.
    ويستشهد الناقد مارسيل روثليسبرغر بالطقس العرضي الذي يصوّره لورين كدلالة على التاريخ والمصير والفصول والقرون التي تنحدر من "العصور الذهبية القديمة" التي يرسمها، وصولا إلى زمنه هو. ومع ذلك، يكمن جوهر التغيير في مزيج الطقس العابر الذي يصوّره مع العصور القديمة. فهذه المشاهد، ذات الطابع الأسطوري غالبا، لا تُعدّ مجرّد تصوير لزمن لا يرحم ولا سبيل لاستعادته، بل ربّما تُشكّل أيضا تعليقا بصريّا على فنّ كتابة التاريخ، أو على كيفية دمج الماضي في قصّة ما.
    فكلّ تكرار لهذه الأحداث التاريخية أو الأسطورية يعيد صياغة الحدث من خلال الخيارات الذاتية للراوي الفنّان. إنها تصويرات لعملية سرد القصص التي تُعتبر جزءا لا يتجزّأ من كتابة التاريخ.
    أحيانا، في لوحات لورين، تتمايل الأشجار تحت غيوم عاصفة، كما في لوحة "منظر طبيعي مع أسكانيوس وهو يطلق النار على غزال سيلفيا"، وكأن حرب اللاتين ووصول الطرواديين حديثاً سيزعزعان الطبيعة نفسها. لكن ثراء الطبيعة ونموّها الهائلين يتناقضان مع الفعل البشري. فالطبيعة هي التي لا ترحم وتجعل من أبطال أعمال الفنّان مخلوقات ضئيلة.
    لاحظ روثليسبرغر ان المساحات الشاسعة التي رسمها لورين "لا تنفصل عن امتدادات الزمن"، وأن هذا هو مصدر الصدى العاطفي العميق لهذه اللوحات. فالتأثير العاطفي للزمن يستحضر تلقائيا حقيقة الفناء والنموّ والاضمحلال ونشوء الثقافات والإمبراطوريات وتلاشيها. وما هو أهمّ من ذلك كلّه، بالنظر إلى العديد من التصويرات الرائعة للأرياف والموانئ، هو أن "العصر الذهبي" الأسطوري القديم، عصر السلام والرخاء، يُستحضر بحنين.
    إن صور لورين للمناظر الطبيعية في سلام أو في اضطراب يعكس شؤون البشر، لا تزيد إلا من ترسيخ الحنين إلى ذلك العصر الأسطوري الذي يبدو مستحيلا. ورغم أن هذه الصور تستقي مواضيعها غالبا من الأساطير أو الروايات الدينية، إلا أنها لا تُقرأ في الغالب على أنها روايات أو مجرّد تجسيدات بصرية لنصّ.
    الأحداث التاريخية أو التأسيسية لا يرسمها الفنّان باعتبارها ضئيلة في الحجم والأهميّة بالضرورة. وهو لا يرسم هذه الأحداث بقدر ما يرسم رحلة الزمن التي تضعها في سياقها وتحدّدها، وبالتالي تتجاوزها.
    انكبّ لورين على دراسة فنّه بشغف في "كامبانيا" الرومانية، موقع العديد من الأحداث التاريخية في التراث الأسطوري الكلاسيكي. وكان ذلك المكان، الذي يمثّل حضورا أبديّا تلاشت منه قصص إينياس وسايكي منذ زمن بعيد، بمثابة إشارة لورين إلى حتمية الزمن وتذكير بتلك القصص.
    يكتب روثليسبرغر أن التقليد الفنّي المتمثّل في تصوير الزمن كـ"كيان ثابت" يقوَّض بفعل إحساس "التدفّق" والمرور في أعمال كلود لورين. وهو محقّ في ذلك. فمفهوم الزمن عند الفنّان لا يتّسم بـ"الثبات"، إذ صوّر الزمن كمرور، كتدفّق لا رجعة فيه، وكثيرا ما جسّد هذه السمة حرفيّا في رسمه للأنهار والجداول والجسور.
    في لوحته "منظر طبيعي يظهر فيه أسكانيوس وهو يطلق النار على أيل"، حيث يصوّر عملا عنيفا سيؤدّي إلى حرب وسحباً عاصفة تضطرم في السماء وتُنبئ عن الصراع الوشيك، يُظهِر الرسّام وحدة تصوّره للزمن والطبيعة من خلال ألوانه المحدودة ونطاقه اللوني الضيّق. وطابع التناغم اللوني الموحّد يضع الحدثَ في سياق اندماجه في مرور الزمن.
    اللوحة تصوّر مشهدا من الكتاب السابع من ملحمة الإنيادة لفيرجيل، حيث يطلق أسكانيوس النار عن طريق الخطأ على أيل أثناء صيده في الريف، ما يؤدّي الى إصابة الحيوان بجروح قاتلة. الأيل المعروف بجماله وطبيعته الأليفة وقرونه الذهبية مملوك لسيلفيا ابنة راعي الملك اللاتيني. وموته يتسبّب في إثارة غضب السكّان المحليين، ومن ثمّ نشوب حرب مريرة.
    هناك في اللوحة إحساس بالتاريخ القديم وانهيار الإمبراطوريات. السماء تبدو ملبّدة بالغيوم العاصفة، والأشجار منحنية بفعل رياح قويّة تهبّ من اليسار. والمشهد، الذي يعود إلى ما قبل تأسيس روما، يعبّر عن مفارقة تاريخية كانت واضحة حتى في القرن السابع عشر، لأنه يعكس، من خلال المعبد المدمّر من الطراز الكورنثي، الحالة التي آلت إليها الآثار الرومانية القديمة في زمن الرسّام ويجسّد مسار الحضارة الرومانية عبر التاريخ.
  • ❉ ❉ ❉

    ❉ ❉ ❉

  • الغرض الأساس من الألغاز المنطقية وألعاب الذكاء هو تحدّي عقولنا وتشجيع التفكير النقدي. وأحيانا تكون أهم الألغاز وأكثرها إثارةً للاهتمام هي تلك التي تبدو في غاية البساطة. مثلا، طرح معلّم ذات مرّة على طلابه مسألة تبدو بسيطة ظاهريا ولكنها مستحيلة: ارسم مربّعا بثلاثة خطوط". هذا كلّ شيء.
    وتقدّم الطلاب تباعا إلى السبّورة لمحاولة الرسم. ورسم كلّ منهم ثلاثة خطوط، لكنها لم تشكّل بالطبع مربّعا. ثم رسم أحد الطلاب بذكاء ثلاثة أضلاع مربّع بخطوط واضحة، والضلع الرابع رسمه بخطّ منقّط. وأظهرت هذه الخطوة تفكيرا إبداعيا، لكنها لم تكن الحل.
    وأخيرا، تقدّمت طالبة إلى السبّورة ورسمت مربّعا بأضلاعه الأربعة، ثم رسمت داخله ثلاثة خطوط. هذا كلّ ما في الأمر. لقد رسمت مربّعا بثلاثة خطوط فعلا، وهكذا حُلّت المسألة. في أحيان كثيرة، يكون الحلّ بسيطا للغاية لدرجة أن معظم الناس يغفلون عنه. ليس الأمر صعبا، لكن أدمغتنا تفسّر السؤال بطريقة معيّنة، وتعتمد على تلك الطريقة بشكل كامل.
    وقصّة المربّع هي درس ممتاز في التفكير النقدي في صياغة السؤال ومضمونه. مثلا، يختلف طلب "ارسم مربّعا بثلاثة خطوط" تماما عن طلب "ارسم مربّعا ذا ثلاثة خطوط". هذا الاختلاف البسيط في كلمة واحدة يغيّر المعنى المحتمل للسؤال. وهذا الدرس يتجاوز مجرّد الألغاز البسيطة. فالمعلنون والسياسيون وغيرهم ممّن يستغلّون قوّة الإقناع يستخدمون الكلمات أحيانا بطرق مربكة أو مضلّلة.
    إن استخدام مصطلحات قابلة لتفسيرات متعدّدة يمنح السياسيين مبرّرا معقولا للتنصّل من المسؤولية إذا لم تتّفق معهم. إذ يمكنهم ببساطة الادّعاء بأنهم قصدوا شيئا مختلفا. حتى المفاهيم المهمّة كالعدالة والإنصاف والديمقراطية هي مصطلحات غامضة، ما يسهّل على الساسة استخدامها في الشعارات الانتخابية أو العبارات الموجزة دون توضيح معناها.

  • Credits
    suite101.com

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة

    مخطوطات قرآنية نادرة

    اللوحات العشر الأكثر ترويعاً وعُنفاً

    أساطير قديمة: العنقاء