المشاركات

محطّات

صورة
الكتابة ولزوم ما لا يلزم ليس من عادتي أن أعيد قراءة موضوع سبق وأن كتبته من قبل. ومع ذلك، كسرت هذه القاعدة بطريقة لا إرادية عندما أعدت قراءة موضوعين كنت قد كتبتهما في هذه المدوّنة منذ أربع سنوات. واكتشفت أنني كنت اقرأ ما هو مكتوب وكأنّني اقرأه للمرّة الأولى. كما اكتشفت، وهذا هو الأهمّ، أن ما كتبته كان بحاجة إلى مراجعة وتعديل وتشذيب، ليس في المضمون، وإنّما من حيث الشكل والأسلوب. الشاهد من هذا الكلام هو تبيان حقيقة أننا لا نكفّ عن التعلّم وتطوير أدواتنا وأساليبنا في الكتابة مع مرور الزمن. القراءة المستمرّة تفتح آفاقا واسعة أمام الكاتب، فهي تثري لغته وتعرّفه على المزيد من أساليب وصيغ الكتابة المختلفة، ما ينعكس في النهاية على أسلوبه الخاصّ في التعبير عن نفسه وعن أفكاره. أتذكّر للمناسبة أنّني قرأت قبل سنوات مقالا لأحد النقّاد يدعو فيه إلى تعلّم فنّ الكتابة بإيجاز وتجنّب الإسهاب واستخدام الكلمات ذات المعاني المترادفة والتي لا تضيف إلى النصّ شيئا. وأورد ذلك الناقد اسم الروائي الراحل يحيى حقّي كنموذج للكتّاب القلائل الذين يكتبون ببلاغة وإيجاز لدرجة انك لو حذفت كلمة أو مفردة من احد ...

مشاهد من جنّة المهراجا الأرضية

صورة
أنت الآن في "راجيستان". في مملكة "ماروار" الواقعة على قمّة التلال الصخرية. وبالتحديد في قلعة يقال لها "مهرانجار" أو قلعة الشمس. هنا كلّف المهراجات فنّانيهم برسم هذه الصور. وهنا، على الأرجح، رُسمت. ثم نُحيّت جانبا. ستّون لوحة ظلّت مختفية عن الأنظار لعدّة قرون. كانت اللوحات مكدّسة في الظلام في مكان ما بالقلعة. الآن أزيح الغبار عن تلك اللوحات وأصبح ممكنا من خلالها تصوّر بعض جوانب الطبيعة السياسية المتغيّرة في فترة غامضة من تاريخ الهند الحديث. اللوحات ترسم صورة فاتنة عن الحياة ومظاهر الترف في القصور الملكية الهندية خلال القرن السابع عشر. مشاهد مشبعة بالإثارة والغموض والنشوة. الحفلات الباذخة. الحدائق الغنّاء على أطراف الصحراء. الرحلات الليلية للمهراجات وحاشيتهم على ضوء القمر. الغابات المشذّبة بعناية والتي تبدو وكأنها تتراجع للوراء قبل أن تغيب في الأفق الضبابي. الغدران شديدة الزّرقة. شعاع القمر الشفيف في بدايات المساء. نظرات المهراجات الواهنة والمتعبة. النساء ذوات العيون الواسعة والملامح الدقيقة والأيدي المزيّنة بالحنّاء. رجال البلاط وهم يمشون في أمكنة كا...

ليوناردو في فرنسا

صورة
قبل خمسة قرون، بدأ فنّان ومبتكر إيطالي رحلة طولها 500 ميل مشيا على الأقدام عبر جبال الألب قاصدا بلدة فرنسية صغيرة على شاطئ نهر اللوار. كان يصحبه في تلك الرحلة بغله واثنان من أتباعه المخلصين وثلاث لوحات. وعندما توفّي الفنان في فرنسا عام 1519، ترك اللوحات الثلاث في عهدة احد أتباعه. وفيما بعد، أصبحت تلك اللوحات مشهورة جدّا، وتحوّلت إحداها إلى أشهر لوحة في العالم في جميع العصور. هذا الفنان كان ليوناردو دافنشي. كان موت ليوناردو ودفنه في فرنسا، وقبل ذلك تقلّده منصب رسّام البلاط والفيلسوف والمعماري المقرّب من الملك فرانسوا الأول، كان ذلك يعني أن ليوناردو كان يُعامل من قبل الفرنسيين ولعدّة سنوات كمواطن فرنسي شَرَفي. وبخلاف وجود اثنتين من لوحاته التي عبرت الألب على ظهر بغل في متحف اللوفر اليوم، فإن ارتباط ليوناردو بفرنسا أمر لا يكاد يتذكّره احد الآن خارج فرنسا. ولهذا السبب قرّر الفرنسيون اعتبارا من هذه السنة تغيير هذا الواقع. فالقلعة التي عاش فيها ليوناردو في بلدة اومبواز على ضفاف اللوار لثلاث سنوات قبل وفاته، أصبحت اليوم "متحف دافنشي". وبدأ المتحف في اجتذاب العديد من ال...

أسرار الماء

صورة
"في إحدى الليالي، وكان ضوء القمر الشاحب يبدو قريبا من الأرض، أخذت القارب واتجهت إلى وسط البحيرة الصامتة. جذبت المجداف ثم انحرفت قليلا وتوقفت لكي استحمّ للحظات في الضوء الذهبي. فوق مياه البحيرة، كان القارب يرتفع وينخفض بهدوء كما لو انه يتكئ على صدر كائن حيّ يتنفّس. وتوقفت قليلا. لم أستطع مقاومة ذلك الجمال الغريب الغامض. ودون أن أشعر، ترقرقت عيناي بدموع الغبطة. وتردّدتْ أصوات بعض طيور الليل عبر مياه البحيرة لتصل إلى قلبي المفتوح. ثم جلست ألفّ ردائي حولي. ومضت الساعات دون أن ألاحظ أن الشمس كانت قد أشرقت. فعدت إلى البيت مملوءا بمشاعر التجدّد والارتباط بالطبيعة. هكذا يتحدّث إلينا الماء. ليس بالكلمات وإنما مباشرة إلى الروح. إننا عندما نستمع إلى إيقاع أمواج المحيط أو خرير الأنهار الجبلية أو إلى الماء المنهمر من علوّ، فإننا إنما نستمع إلى صوت الحضور المقدّس للخالق. وفي حضرته لا نحتاج إلا إلى أن نكون في ذروة اكتمال حواسّنا. ما الماء؟ إنه كيان حيّ وواع يفكّر ويشعر. هل يمكن أن يكون الماء هو الذي صاغ الكوكب الذي نسكنه؟ هل يمكن أن يكون الماء هو الطاو الأعظم؟ الروح التي تحرّك ك...

في البحث عن معنى

صورة
ينفرد الإنسان من بين كافة المخلوقات بقدرته على التخيّل. وقد دفعته قوّة مخيّلته إلى الاعتقاد بأنه يستطيع تغيير الواقع وأن يخلق ظروفا غير تلك الظروف التي يعيش ضمنها من اجل الوصول إلى حالة أفضل وأكثر مثالية. قوّة المخيّلة عند الإنسان هي التي مكّنته من تحقيق الكثير من الابتكارات والانجازات التي غدت الحياة بفضلها أسهل وأكثر راحة واسترخاءً. غير أن التحدّي الأكبر الذي واجهه خيال الإنسان دائما كان توقه لأن يكسر سجنه الأرضي وأن يوسّع نطاق حركته وتأثيره ليشمل الفضاء. والخيال كان القوّة المحرّكة التي ألهمت الإنسان أن يصل إلى الزوايا البعيدة للكون في محاولة لاكتشاف ما تخبّؤه العوالم البعيدة المجهولة من أسرار وغموض. إن الإنسان عندما يفكّر في هذا الكون الواسع الذي لا تحدّه حدود، وعندما يتأمّل هذا المعمار البديع الذي ينهض عليه الكون بكلّ ما يحتويه من مخلوقات وموجودات لا بدّ وأن يتخيّل أن من صاغه وأحكم صنعه شاعر مبدع يقدّس الجمال ويقدّره حق قدره. وقد يكون في طبيعة هذا الصانع العظيم الذي يخلع على كلّ شيء هويّة ومعنى شيء من صفات الأنوثة والرّقة. شيء ما قريب ممّا يقول به المتصوّفة في وصفهم لذات الله...

أعمى يقود عُمياناً

صورة
يمكن اعتبار هذه اللوحة نموذجا للفنّ الذي يخاطب العقل ويطرح الأسئلة. والحقيقة أن معظم لوحات بيتر بريغل هي من هذا النوع الذي يثير الفكر ويبعث على التأمّل. عنوان اللوحة "أعمى يقود عُميانا". وموضوعها مستمدّ من عبارة وردت في الإنجيل تقول: إذا كان من يقود الأعمى أعمى مثله، فسيقعان كلاهما في الحفرة". في اللوحة يرسم بريغل ستّة رجال عُميان وهم يشقّون طريقا متعرّجا عبر طبيعة ذابلة تقع على أطرافها كنيسة ريفية ويجري وسطها نهر صغير. الدليل الأعمى يسقط في الحفرة مع أشيائه. بينما يتعثّر به الأعمى الثاني. ويبدو الثالث على وشك اللحاق برفيقيه. أما الرجال الرابع والخامس والسادس فلا يعرفون بعد ما الذي يحدث. غير أن سقوطهم في الحفرة، هم أيضا، يبدو أمرا محتّما في النهاية. من الأسئلة التي تطرحها اللوحة: هل العمى هنا حقيقي أم مجازي؟ ولماذا اختار بريغل أن يضمّن اللوحة منظرا لكنيسة بالذات وليس أيّ بناء آخر؟ هل كان يقصد أن الإيمان الأعمى دون تثبّت أو اقتناع يفضي بالإنسان إلى الضياع والتيه؟ وهل ينطوي الأمر على موقف ما من الدين بشكل عام؟ الطبيعة المراوغة لهذه اللوحة، والمتمثّلة في تعدّد دلالاتها ...

قانون الجذب

صورة
"السماء تساعد أولئك الذين يساعدون أنفسهم". هكذا كتب سامويل سمايلز في كتابه "مساعدة الذات" الذي ظهر في العام 1859م. مساعدة الإنسان نفسه، تطوير ذاته، العمل على أن يصبح أفضل: هذه هي الغرائز النبيلة المتجذّرة والملهمة لأكثر الأديان. فرانشيسكا سيغال كتبت مقالا جميلا تناولت فيه أسباب وخلفيات رواج الكتب التي تتحدّث عن تطوير الذات وكيف أن كتاب سمايلز الذي ألّف قبل مائة وخمسين عاما تحّول موضوعه اليوم إلى صناعة ضخمة تدرّ بلايين الدولارات سنويا. وفي ما يلي ترجمة مختصرة للمقال. ❉ ❉ ❉ اكتب كلمة "مساعدة الذات" في موقع امازون. ستجد أن هناك أكثر من ثمانين ألف عنوان متاح. السبب هو أن تغيير الإنسان لنفسه يقتضي إرشادات ونصائح لا تعدّ ولا تُحصى. فالإنسان يريد أن يصبح أكثر رشاقة وأكثر نجاحا، وحتى أكثر نشاطا من الناحية الجنسية. وكلّ هذه التطلعات معقولة ومقبولة. وقد تطوّر الأمر إلى أن وصلنا إلى ما يُعرف الآن بـ "قانون الجذب"، وهو جوهر جميع هذه الفلسفات والأفكار المنتشرة على نطاق واسع هذه الأيام. القانون يقول ببساطة إن الأفكار يمكن أن تتحوّل إلى ح...