المشاركات

سلفاتور روزا: الفنّان الفيلسوف

صورة
عرف تاريخ الفنّ الكثير من المتمرّدين. لكن لا احد يشبه سلفاتور روزا. لم يكن رسّاما مستقلا ومبتكرا فحسب. بل كان أيضا فيلسوفا وشاعرا. وقد رسم بعض أكثر الأعمال الفنّية فتنة وإثارة. السحرة والأشرار والشياطين في لوحات هذا الرسّام لم تكن نتاج خيال مروّع، بل كانت تصويرا بليغا للحياة في زمانه. في العام 1631، ثار بركان جبل فيزوف وقذف بحممه البركانية في البحر وملأت الجوّ سحب الرّماد التي وصلت إلى القسطنطينية. ثوران البركان وما رافقه من زلازل تسبّبت آنذاك في مقتل ثلاثة آلاف شخص وفي دمار واسع النطاق. وقد تركت الحادثة أثرا لا يُمحى على سلفاتور روزا ذي الستّة عشر عاما وقتها. أصبح الفنّان الشابّ متخصّصا في رسم الطبيعة المظلمة والمليئة بالأخطار: الغيوم العاصفة التي تتجمّع فوق الأبنية المهدّمة والأشجار المدمّرة، والبشر الذين يظهرون كالأقزام أمام الجبال الشاهقة أو يواجهون مصيرهم المشئوم على أيدي اللصوص وقطّاع الطرق. أثناء حياته كان سلفاتور روزا شخصية مبجّلة، وربّما جامحة وبرّاقة مثل قطّاع الطرق في لوحاته. وبعد موته بمائة عام، صارت لوحاته تغذّي خيال الرسّامين الإنجليز مثل باري جيمس وفوسيلي وجون ما...

آخر أيّام تولستوي

صورة
قبل حوالي مائة عام، توفّي ليو تولستوي عن عمر يناهز الثانية والثمانين بعد أن عانى من التهاب رئوي حادّ. وقد تابع العالم آنذاك أخبار مرضه ونقلتها الصحف في روسيا وخارجها يوما بيوم. ولم يكن تولستوي على علم بتلك الضجّة التي كانت تثور من حوله. وقبل وفاته بتسعة أيّام، كان الكاتب المشهور قد ترك منزله في ياسنايا بوليانا سرّا عند الفجر بصحبة سكرتيره الخاصّ. كان واضحا أن تولستوي اتخذ قراره النهائي بأن ينفصل عن حياته العائلية ويرتاح من شجار زوجته الدائم مع سكرتيره. وفي الليلة التي غادر فيها منزله كتب يقول: لقد فعلت ما يفعله الناس في مثل سنّي. قرّرت أن اترك الحياة الدنيوية وأقضي أيّامي الأخيرة في هدوء وعزلة". وفي طريقه إلى محطّة القطار، عرّج على دير شيماردينو لرؤية شقيقته، وقضى ليلة في فندق بجانب أحد الأديرة. ثم غادر مرّة أخرى في الرابعة فجرا باتجاه الجنوب. هروب تولستوي من ياسنايا بوليانا أصاب معاصريه بالذهول. البعض رأى في تصرّفه "تحرّرا بطوليّا" من قيود الحياة وإزالة للحواجز الأخيرة بينه وبين الله. كما وصفت الصحافة الروسية قراره بأنه "انتصار روحي"، بينما وصف بعض الكتّ...

كوروفين: أبو الانطباعية الروسية

صورة
كونستانتين كوروفين هو احد الرسّامين الذين برزوا في أواخر القرن قبل الماضي ومثّلوا مرحلة جديدة في تطوّر الرسم الروسي، مثل ايساك ليفيتان وفيكتور نيستيروف وفالانتين سيروف وميخائيل فروبيل. ولد كوروفين في نوفمبر عام 1861 في موسكو لأسرة تشتغل بالتجارة. وعند بلوغه الرابعة عشرة، دخل مدرسة موسكو للنحت والرسم والهندسة كي يدرس الهندسة المعمارية. لكن بعد سنتين من الدراسة اختار أن يتخصّص في الرسم. ثم ذهب إلى سانت بطرسبيرغ كي يواصل تعليمه في أكاديمية الفنون. غير انه سرعان ما أصيب بخيبة أمل من أساليب الأكاديمية وقرّر أن يوقف دراسته. في العام 1885، قام كوروفين بأوّل زيارة له إلى أوربّا شملت فرنسا وايطاليا، ثم اسبانيا التي رسم فيها بعضا من أفضل لوحاته. كان الرسّام على علاقة ودّية مع الفنّان المشهور فالانتين سيروف. وقد سافرا معا في الفترة ما بين عامي 1888 و 1894 إلى أراضي القوقاز وآسيا الوسطى. وفي أوائل سنوات القرن العشرين، عمل بنشاط على تصاميم الأزياء الخاصّة بعروض التمثيل في مسرح البولشوي ومسرح ماريانسكي. وأثناء الحرب العالمية الأولى عمل كوروفين كمستشار لعمليات التمويه في مقرّ الجيش الروسي. وقد...

فجر الإنسان

صورة
حدث هذا منذ آلاف السنين. وفي رواية أخرى منذ ملايين السنين. وبعض العلماء، واعتمادا على عدد وافر من الأبحاث والدراسات، يُرجِعون بداية القصّة الملحمية لوجود الإنسان على الأرض إلى ما قبل حوالي خمسة ملايين عام. في البداية، لا نعرف سوى القليل جدّا عن أسلافنا من البشر الأوائل. لم نرَ صورهم ولا هيئاتهم. لكنْ في أعمق طبقة من طين تربة قديمة وُجدت قطع من عظامهم. كانت هذه القطع مدفونة وسط هياكل عظمية محطّمة لحيوانات أخرى اختفت منذ زمن طويل من على وجه الأرض. وقد اخذ علماء الأنثروبولوجيا هذه العظام، واستطاعوا إعادة بناء هيئات أسلافنا الأوائل بدرجة معقولة من الدقّة. الأجداد الأوّلون للجنس البشري كانوا صغار البُنية؛ اصغر بكثير ممّا نبدو اليوم. وقد لوّنت حرارة الشمس اللاهبة ورياح الشتاء اللاذعة جلودهم وأضفت عليها لونا بنّيا داكنا. كانت أصابعهم رفيعة جدّا، لكنّها قويّة. وكانت جباههم منخفضة وأسنانهم تشبه أنياب الحيوانات البرّية. لم يكونوا يرتدون ملابس، ولم يكونوا قد رأوا النار بعد، عدا لهب البراكين الهادرة التي كانت تملأ الأرض بالدخان والحمم البركانية. كان أسلافنا الأوائل يعيشون في الغابات الشاسعة...

خطوط وألوان

صورة
dir="rtl" align="right">صورة جميلة لامرأة روسية حسناء تضجّ ملامحها بعلامات الصحّة والعافية. الألوان الصفراء والزهرية والزرقاء للخلفية الطبيعية في اللوحة تبدو متناغمة مع بشرة المرأة وملابسها ذات الألوان البنفسجية والبيضاء. تفاصيل اللوحة، بما فيها الشاي والسماور والكعك والفاكهة والقطّة، هي عبارة عن مهرجان باذخ من الألوان البهيجة والساطعة. المرأة الشابّة تجلس قبالة الناظر بينما ترتدي فستانا من البنفسج يزيّن أطرافه العلوية شريط من الدانتيل الفاخر. وفي الخلفية يظهر منظر من مدينة روسية مع قباب وكنيسة وأشجار. ملامح ومظهر المرأة يشيان بخلفيّتها الاجتماعية. بشرتها البضّة تشعّ على المائدة. إنها غضّة ونضرة مثل الفاكهة التي أمامها. وهي لا تنظر مباشرة إلى المتلقّي، بل تبدو في حالة تأمّل بينما ترتشف الشاي في هذا الركن الهادئ من شرفة المنزل. أدوات وأواني الشاي المتعدّدة على المائدة هي من الملامح التي تميّز هذه اللوحة. المعروف أن الشاي دخل روسيا في بداية القرن السابع عشر عندما قام احد خانات المغول بإهداء القيصر ميخائيل رومانوف بعض أعشاب الشراب. ومع مرور الوقت ترسّخت عادة شرب ...

رسالة حبّ إلى لوحة

صورة
بعض اللوحات ترفض أن تبقى ساكنة على الحائط. الأشخاص فيها ينزلقون إلى خارج الإطار، يلغون اللحظة الثابتة في الصورة ويدفعوننا إلى تخيّل أحوالهم وقصص حياتهم. وعلى غرار رواية ايريس موردوك عن لوحة تيشيان الحبّ المقدس والحبّ الدنيوي، و رواية تريسي شيفالييه عن لوحة فيرمير الفتاة ذات القرط اللؤلؤي، تتتبّع مؤرّخة الفنّ كارولا هيكس في كتابها فتاة بفستان اخضر ، تاريخ إحدى أكثر اللوحات في العالم شهرة وغموضا. وهيكس تستخدم مهارتها في الطبّ الشرعي في محاولة لفكّ غموض هذه اللوحة وتروي كيف أنها نجت، طوال أكثر من أربعة قرون، من الحرائق والمعارك والرحلات البحرية الخطرة. كما تتحدّث عن دور اللوحة بوصفها مرآة تعكس ثقافة وتاريخ الزمن الذي ظهرت فيه. بورتريه الزوجين ارنولفيني للرسّام الهولندي يان فان آيك يحيّر كلّ من يراه. الخبراء والعامّة، على حدّ سواء، يتساءلون عن معنى هذا الجوهرة المؤرّقة من فنّ القرون الوسطى. الزوجان الغامضان في اللوحة يبدو أنهما ينقلان لنا رسالة من وراء القرون. لكن ما هي؟ هل اللوحة احتفال بالزواج أو الحمل؟ محاولة لإحياء ذكرى زوجة شابّة توفّيت أثناء ولادتها لطفلها؟ بيان عن الموضة ...

أعظم اختراع بشري

صورة
منذ ملايين السنين والإنسان لا يكفّ عن الاكتشاف والابتكار. لكن أيّ ابتكار بشري منفرد هو الأهمّ حتى اليوم؟ طُرح هذا السؤال على مجموعة من الكتّاب والمفكّرين والباحثين، وتباينت إجاباتهم بحسب اهتماماتهم وتخصّصاتهم. البعض قال: العَجَلة. والبعض الآخر قال: الكتابة. وهناك من أشار إلى النار والأبجدية والطائرة والكهرباء وطرق البحث العلمي. الصحافية والروائية البريطانية سامانثا واينبيرغ كتبت المقال التالي، وفيه تتحدّث عن أعظم ابتكار بشري من وجهة نظرها.. قبل ما يقرب من ألفي عام، جلس ثلاثة كهول في حدائق قصر تشانغ في الصين يتجادلون حول سؤال واحد: ما هو أعظم اكتشاف توصّل إليه الإنسان؟ قال احدهم وهو يضرب بقبضته على الطاولة المنحوتة أمامه: الأدوات المصنوعة من الحجر. وقال الثاني: بل الورق. وصاح الثالث وهو يحاكي بيده حركة تقطيع في الهواء: بل المقصّ"! هذه القصّة الصغيرة هي نفسها اختراع. فنحن لا نعرف بالضبط متى ولا كيف حلم الإنسان بالحجر أو الورق أو المقصّ، لأنه في ذلك الوقت؛ أي زمن سلالة هان الصينية، لم يكن هناك سوى عدد قليل من الطرق لتسجيل الأحداث. لم تكن هناك صور فوتوغرافية بعد (اخترع لوي داغير...