نصوص مترجمة


○ لن أخيّب أمل سينيكا بالقول إن الحياة قصيرة، ولكن إذا كان هناك شيء واحد صحيح، فهو أن الحياة غير مؤكّدة بسبب الأزمات الصحّية والحروب والكوارث الأخرى. من وقت لآخر تداهمنا أيّام غريبة وظروف ومواقف أغرب لم نكن نحسب لها حسابا.
ولم تكن الحياة في عصر سينيكا بأفضل حالا. ورغم ذلك، فقد وجد طريقة لمحاربة الزمن. أعتقد أنه فهم الحياة حقّا، على الرغم من أن الطريقة التي مات بها لا تجعل هذه القصّة رومانسية. فقد اتُّهم زوراً بالمشاركة في مؤامرة ضدّ نيرون، وأمره أزلام الامبراطور بالانتحار. ربّما كان قبوله الهادئ للنهاية نتيجة لفهمه الرواقيّ للحياة والموت.
شخصية ستيف جوبز الأيقونية تذكّرني دائما بقيمة الوقت. سأترك لكم أن تقرّروا ما إذا كان جوبز تجسيدا معاصرا لسينيكا بناءً على بعض أقواله. يقول: إنّ تذكّر أنك ستموت هو أفضل طريقة أعرفها لتجنّب فخّ الاعتقاد بأن لديك ما تخسره. أنت عارٍ بالفعل. لا يوجد سبب لعدم اتّباع قلبك."
ويقول جوبز أيضا: إن وقتك محدود، فلا تضيّعه في عيش حياة شخص آخر. لا تقع في فخّ العيش وفقا لتفكير الآخرين. ولا تدع ضجيج آراء الآخرين يُغرق صوتك الداخلي. والأهم من ذلك أن تمتلك الشجاعة لاتّباع قلبك وحدسك."
هذه الكلمات يصبح لها صدى أكبر عندما نستوعب فهمَ الرواقيين للزمن. م. دومينغيز

❉ ❉ ❉

○ بعض قصص الخيال المظلم لسكّان أمريكا الأصليين تهمس، وبعضها يصرخ، وبعضها يحفر خدوشا عميقة في المخيّلة، لكنها تُحدث أثرا بالغا. من هذه القصص قصّة بقلم كاتب يُدعى شين هوك، وتتحدّث عن صبيّ يُدعى كولِن ويبلغ من العمر عشر سنوات، يذهب في رحلة صيد أيل مع والده.
وفي ساعات الصباح الباكر قبل انطلاقهما، يسمع الصبيّ صفيرا صادرا من مكان ما، فيقلّده بسذاجة. ثم تلتقي عيناه في الظلام بعينين حمراوين تنذران بشرٍّ ما. وفي الغابة، يستذكر الأب والإبن، بصحبة كلبهما، أيّام الصيد مع العمّ الراحل.
وعند الغسق يسمعان صفيرا آخر. فيظنّ كولن بسذاجة أنه قد يكون صوت صيّادين آخرين، فيحاول أن يردّ عليهم بالصفير لتحذيرهم كي لا يطلقوا النار. وعندما يلمحان شخصا له عينان حمراوان، يركضان هاربَين بحياتهما.
ومع بزوغ الفجر أخيرا، يتحوّل جسد كولِن إلى مشهد مرعب، فيسقط اثنان من أسنانه الدائمة وأظافر يده اليسرى. لكنه يُبقي الأمر سرّا، ويواصل هو ووالده رحلة صيدهما. وبعد عناء، يتمكّنان من تعقّب أيل وإطلاق النار عليه، لكنه لا يموت بسهولة، بل يلمحه كولِن وهو يفرّ على قدمين بدلا من أربع.
وأثناء مطاردتهما له، يجدان عضوا من أعضاء الأيل ملطّخا بالدماء على الثلج، وقد انفجر بداخله نمل ناري وعناكب، ما يتسبّب في فقدان كولِن وعيه من الخوف. وما أن يستيقظ، حتى يتفاقم صداعه واضطرابه حين يرى يده الخالية من الأظافر وقد تحوّلت إلى قرون أيل.
ونهاية المشهد تُكمل ما يمكن وصفه بطقوس غريبة: يجد كولِن أسنانه المفقودة على الأرض، فيعيدها إلى لثّته. وبينما يتحوّل بصره إلى الأبيض والأسود، يفقد وعيه ويجد نفسه أسيرا في جسده. ثم يرى نفسه وهو يلتقط البندقية ويتحدّث إلى والده بصوت غريب بارد. ويدرك الأب العلامات، ولكن بعد فوات الأوان.
وتنتهي القصّة بقيادتهما الشاحنة نحو مزرعة العم الراحل للحصول على دواء لمرض كان معروفا منذ زمن بعيد. ويتلاشى كولِن، مدركا أن جسده قد تُلُبّسَ من قبل قوّة خفيّة.
بشكل عام، يشعر الهنود بقلق بالغ إزاء روايات التلبُّس، لأنها في جوهرها قصص عن استعمار الجسد، وهو أمر يعرفون عنه الكثير. والتذكير بعدم التصفير في الظلام وإدراك علامات الشرّ المحدق، جميعها تشير إلى ابتعاد كلّ جيل عن جذوره وتقاليده.
وهذه القصص لا تقدّم لنا نوعا واحدا من الرعب، بل تعوي وتُفزع وتطارد. فالأشباح تتربّص في الهوامش، واللعنات تلتفّ بإحكام، والمخلوقات تخيّم في الظلال، وإرث العائلات ينهار بثقل مدمّر.
هناك في مثل هذه القصص حضور مهيمن لشيء يتجاوز العالم المادّي، سواءً أكانت أرواحا أو لعنات أو تجلّيات خارقة لشرور متأصّلة. هناك أيضا رعب نابع من التقاليد، ورعب مصدره الظلم، ورعب ينبثق من أعمق زوايا النفس البشرية.
مثل هذه القصص انتشرت في أماكن كثيرة حول العالم كالأزهار البرّية، وشقّت طريقها بحماس عبر غطاء كثيف من ثلوج شتاء استعماري طويل، لتشير إلى صمود أشياء كانت موجودة قبل تساقط الثلوج وستظلّ موجودة بعد ذوبانها. (...)

❉ ❉ ❉

❉ ❉ ❉

○ في عالمنا المعاصر يُنظَر إلى الشيب نظرة سلبية. وقد استثمرت الحضارة الحديثة موارد هائلة في الاعتقاد بأن على المرء، مهما كلّف الأمر، أن يبدو وكأنه لم يدفع ضرائب قط، ولم يقرأ الأخبار، ولم يكابد مشاكل الحياة الكثيرة.
في أواخر العصور القديمة، كان الوضع مختلفا تماما. فبالنسبة لليونانيين والرومان القدماء والعديد من شعوب حوض البحر المتوسّط، نادراً ما كان الشيب مدعاة للذعر، بل جزءاً من مسيرة الحياة.
وفي عالم لم يكن فيه متوسّط العمر المتوقّع يسمح دائما ببلوغ الشيخوخة، بدا الشيب وكأنه لقب اجتماعي، إذ كان يشير إلى أن "هذا الشخص قد نجا". نجا من الحروب والأوبئة والحكّام الظالمين، وهو ما كان بالمناسبة التحدّي الأكبر دائما.
عند الرومان، كانت كلمة سيناتوسSenatus تشير أساساً إلى مجلس الشيوخ، وهي نفسها مشتقّة من senex، التي تعني الرجل المُسنّ. بعبارة أخرى، كانت إحدى أقوى المؤسّسات في تاريخ البشرية تعني حرفيّاً تجمّعاً لرجال كهول ذوي شعر أشيب، تراكمت لديهم المظالم، وخبرة حياتية كافية لعدم الثقة بأحد ثقة تامّة. وهو ما يبدو، بصراحة، نموذجاً منطقيّاً للحكم.
الرواقيون من جهتهم نظروا إلى الشيب بهدوء فلسفيّ أيضاً. فبالنسبة لهم، كانت كلّ خصلة فضّية تذكيراً بأن الزمن يؤدّي دوره بغضّ النظر عن رأينا في الأمر. والزمن، كما نعلم جميعاً، هو الموظّف المدنيّ الوحيد في الكون الذي لا يقبل الشكاوى ولا يمنح الاستثناءات.
لقد فهم العالم القديم شيئا نسيَه العالم الحديث: الشيب ليس هزيمة للشباب، بل هو غنيمة من معركة الزمن. كلّ خصلة بيضاء هي أرشيف، هامش صغير في حياة. أما أنا، فقد بدأت الطبيعة ترسل لي أولى إشاراتها الفضّية قبل ثلاث أو أربع سنوات، تخبرني بلطف أن مشروع "الشباب الأبدي" قد توقّف.
في عائلتي، قضت الوراثة بأن يبدأ المرء في سنّ التاسعة والثلاثين تقريبا بالتحوّل البطيء إلى بجعة. لم أكن صبورة قطّ. بدلاً من انتظار الطبيعة لتضع خصلات الشيب واحدة تلو الأخرى على مدى عقد من الزمن، ساعدتُ العملية ببساطة وصبغتُ شعري كلّه باللون الأبيض دفعة واحدة.
لا جدوى من خوض حربٍ ضروس لإقناع أيّ شخص بأنني أصغر ممّا أنا عليه. في سنّي هذه، لم يعد المرء يحسب الشعرات البيضاء، بل يحسب الكتب الجيّدة والأصدقاء الأوفياء والقصص الطريفة والصباحات التي يستيقظ فيها متشوّقاً لاكتشاف ما يخبّئه له القدر. أما الشعر الأبيض فهو مجرّد شهادة رسمية تؤكّد أنني شهدتُ ما يكفي من الأحداث والمناسبات لأستحقّ هذا اللون. سوفيا برونكوس

Credits
archive.org
online-literature.com

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أبو بكر سالم: صورة الفنّان

سيكولوجيا الوشم

الأزرق: تاريخ لون