المشاركات

هيرمان هيسّه رسّاماً

صورة
أكثر الناس يعرفون هيرمان هيسّه كروائيّ وكاتب كبير. لكن القليلين هم من يعرفون أن صاحب "ذئب السهوب" و"سيدهارتا" وغيرهما من الأعمال الروائية العظيمة كان أيضا رسّاما. تجربة هيسّه في الرسم لعبت دورا مهمّا في تطوير لغته البصرية وفي تشكيل رؤيته وفهمه لوظيفة الفنّ وعلاقته بالأدب. وقد بدأ تحوّله إلى الرسم في مطلع أربعينات القرن الماضي في وقت كان يمرّ فيه بضغوط نفسية شديدة. أثناء الحرب العالمية الأولى، اتهمت الصحافة الألمانية هيسّه بأنه خائن لبلاده بسبب آرائه السلمية. كما تمّ حظر كتبه في ألمانيا. ومع ذلك واصل العمل من أجل السلام ونشر وثائق مناهضة للحرب تحت اسم مستعار هو اميل سنكلير. وبحلول عام 1917، أصبح هيرمان هيسّه منهكا بسبب الحرب والمشاكل الأسرية والصراعات الداخلية. وقد أرسله طبيبه الخاصّ إلى مصحّة نفسية، والتقى هناك بالدكتور جوزيف لانغ، وهو احد تلاميذ عالم النفس المشهور كارل يونغ. وعرّف لانغ هيسّه على الحكمة الباطنية للأديان القديمة ونصحه بالرسم. في ذلك الوقت، كتب هيسّه روايته ديميان، التي تكشف عن تأثره بتجربته في المصحّة النفسية. وفي عام 1919، انتقل الكات...

عن الكتُب والقراءة

صورة
يحدث أحيانا وأنت تقرأ نصّا أدبيّا لكاتب معيّن أن تثير القراءة سلسلة من الارتباطات الذهنية والشعورية، اعتمادا على موضوعات الكاتب وصوره. والأمر أشبه ما يكون بتزامن الحواسّ، إن جاز التشبيه. مثلا، كنت عندما اقرأ دستويفسكي أتذكّر على الفور رسومات فروبيل الشيطانية وصور روبليف الأيقونية وتشكيلات كاندينسكي التجريدية وبحار وسفن ايفازوفسكي المضطربة والغارقة. وأحيانا أتذكّر بعض موسيقى الملحّنين الروس الأكثر حداثة مثل شوستاكوفيتش وموسوريسكي وبروكوفييف وسترافنسكي. ومع أنني لا استسيغ موسيقى هؤلاء الأربعة لجفافها وطابعها الرياضي الصارم وخلوّها تقريبا من الأنغام السهلة التي تنجذب لها النفس وتنطبع سريعا في الذهن، إلا أنني أتصوّر أن موسيقاهم تتناغم كثيرا مع أجواء روايات دستويفسكي التي تتسم عادة بالتوتّر والعنف واليأس والخوف. وعندما اقرأ شيئا لـ تولستوي أتذكّر لا إراديا مناظر كرامسكوي وريبين ونيستيروف و إيساك ليفيتان ، وأحيانا أسمع من بين ثنايا بعض المقاطع أصداءً من موسيقى تشايكوفسكي وكورساكوف، وبدرجة اقلّ رحمانينوف . وأظنّ أن هذه الصور تنسجم كثيرا مع أجواء روايات تولستوي التي تثير مشاعر ...

يوسوبوف: انقراض سُلالة

صورة
التاريخ مليء بالصُدف الغريبة والقصص الغامضة. ومن أغرب تلك القصص قصّة الأميرة زينيدا يوسوبوف، آخر أفراد سلالة يوسوبوف التي لعبت دورا مهمّا وحاسما في تاريخ روسيا. جدّ زينيدا الأكبر، أي مؤسّس عائلة يوسوبوف، هو الخان يوسف الذي كان حاكما لإحدى مناطق القوقاز في القرن السادس عشر. ويقال إن الخان نفسه ينحدر من أسرة هاجر كبيرها من الجزيرة العربية في مطلع القرن الرابع عشر وأسّس له إمارة في المنطقة الواقعة بين نهر الدون وجبال الأورال. كما يقال أن الأسرة تعود في نسبها إلى الإمام عليّ بن أبي طالب. كان الخان يوسف صديقا للقيصر ايفان الرهيب الذي كان يدعوه بـ "صديقي وأخي". وفي ما بعد، تحوّل الخان إلى الأرثوذكسية واتخذ لنفسه اسم ديمتري. وكان ليوسف ابنان، هما عبدالله وميرزا، اللذان أصبحا بعد تحوّّلهما إلى المسيحية يتسمّيان بـ نيكولاي وفيودور. وفي ما بعد خلع القيصر فيودور الأوّل على العائلة اسم يوسوبوف ومنح كلا منهم لقب أمير. وعندما تولّت كاثرينا العظيمة حكم روسيا أصبح نيكولاي يوسوبوف شخصا مشهورا وغنيّا. والكثير من أبناء هذه الأسرة لعبوا أدوارا مهمّة في التاريخ الروسي وكانوا منافسي...

غويا: ويلات الحرب

صورة
في العام 1808م، غزت جيوش نابليون اسبانيا، فأسقطت حكم الملك شارل الرابع وأجبرت العائلة الملكية الإسبانية على مغادرة البلاد والذهاب إلى المنفى. وقد رافق الغزو عمليات إعدام جماعية ووحشية للمواطنين الإسبان الذين ثاروا احتجاجا على الغزو. ووصلت وحشية القوّات الغازية ذروتها مع قرار نابليون بتعيين شقيقه جوزيف ملكا على العرش الإسباني. كان نابليون مؤمنا بقيم التنوير مثل الحرّية والعدالة المساواة. لذا كان يعتقد بأن الإسبان سيرحّبون به بوصفه محرّرا. غير أن الناس أصبحوا ينظرون إليه باعتباره طاغية أوروبّا. وفي اللحظة التي قرّر فيها الإسبان التصدّي لقوّات الاحتلال، بدأت حرب دامية وشرسة. وفي ذلك الوقت، صيغ مصطلح حرب العصابات لأوّل مرة في تاريخ الحروب. كان الرسّام خوسيه فرانشيسكو دي غويا وقتها قد أكمل عامه الثاني والستّين، وكان قد أصبح أصمّ بسبب إصابته بمرض غامض. كان ينظر حوله ويرى في الإيماءات الصامتة أشياء بشعة ومؤرّقة. كان موقف غويا من الغزو مختلطا. كان يحبّ إسبانيا وشعبها كما تبرهن على ذلك الكثير من أعماله. لكنّه أيضا كان مؤمنا بالأفكار التقدّمية ومعجبا بحركة التنوير الفرنسية وبك...

كتاب الأسرار

صورة
مع عزف الهَارْب المصفّى والتراكيب الرخيمة والصوت الملائكي، تصهر لورينا ماكينيت الأصوات الكِلْتية مع مزيج من تأثيرات موسيقية مختلفة، مغربية وتركية ويونانية وهندية وإيطالية. ماكينيت في أغانيها تقوم بدور العارف. ولأغانيها، دائما، طابع الرحلة الروحية. ربّما كان هذا هو ما يجذب الناس إلى موسيقاها. وألبوم "كتاب الأسرار" ليس استثناءً، سواءً كان ذلك من خلال الإيقاعات الكسولة لـ ماركو بولو، أو الإيقاع المرح لـ رقص الثعالب، أو النكهة اللاذعة لـ صلاة دانتي. هذا النوع من الموسيقى ذات التأثير المنوّم يمكنك الاستمتاع به على عدّة مستويات، ابتداءً بمهارة ماكينيت المتنامية كمؤلّفة، وانتهاءً بالأسئلة العميقة التي تطرحها كلمات أغانيها. سوق في مرّاكش. حجر له علاقة بأسطورة قديمة في ايرلندا. مسرح دُمى صقلّي. محطّة للقوافل على طريق الحرير. هذه ليست سوى بعض الأماكن التي ستزورها وأنت تستمع إلى أغاني ماكينيت. وهذه الأماكن البعيدة يربطها معا موضوع واحد ومشترك، هو الشعوب الكلتية وأسفارها على مدى آلاف السنين في سهوب سيبيريا وسهول الأناضول وغاليثيا في اسبانيا. في يد ماكينيت، لم تعد الموسيق...

محطّات

صورة
زنزلخت وغشتالت وقندلفت من اغرب المفردات التي صادفتها قبل أيّام مفردة "الزنزلخت". وقد عثرت عليها بالصدفة في نصّ شعري للشاعر اللبناني شوقي بزيع يقول في مطلعه: برهافة امرأة يداهمها النعاس على الأريكة، يستقلّ الزنزلخت جذوعه التعبى ليلتمس الإقامة تحت شمس خائرة. مغرورقاً أبداً بما ينساب من عرق الجباه على الحنينِ، وما يفيض عن المنازل من نفايات ومن تعب السنين الجائرة". ثمّ يقول: لنسيجه طعم الفراق المرّ، تسرف في تناوله النساء إذا وقعن على حبيب لا يجيء، كأنه وهو الذي لا يحسن الإفصاح، لا يلوي على ثمر من الأثمار، بل يرنو مريضاً نحو نافذة الحياة الخاسرة".. إلى آخر القصيدة. من الواضح أن الشاعر يتحدّث عن نبات أو نوع من الأعشاب البرّية. وزيادة في التأكّد، لجأت إلى الويكيبيديا فوجدت التالي: الزنزلخت أو التمر الأخرس هو شجرة برّية تُزرع في الحدائق والميادين لتوفير الظلّ. وأصلها من جنوب آسيا والصين، ثمّ انتقلت إلى بلاد فارس وسوريا. تُستخدم كمصدر للحطب والتدفئة وفي بعض الصناعات الطبّية". ويبدو أن العشبة معروفة في بلاد الشام ولها استخدامات شعبية أخرى غير ما ذكرته ال...

أميرة كابورتالا

صورة
حدثت هذه القصّة قبل ما يزيد قليلا عن مائة عام، وألّف عنها ما لا يقلّ عن ثلاثة كتب. ويجري الإعداد حاليا لتحويلها إلى فيلم سينمائي بإنتاج عالمي. تبدأ القصّة وتنتهي في الأندلس. لكن أحداثها تجري ما بين باريس ودلهي. في أحد أيّام شهر مايو من عام 1906 كانت مدريد عاصمة اسبانيا تشهد احتفالا غير عاديّ. كانت المناسبة زواج الملك الاسباني ألفونسو الثالث عشر من الأميرة الانغليزية فيكتوريا دي باتينبيرغ. وقد دُعي إلى الحفل عدد من قادة الدول والشخصيات الأخرى المهمّة. وكان من بين هؤلاء مهراجا هندي يُدعى جاغاتجيت سنغ. وعندما وصل المهراجا إلى الحفل كان يرتدي عمامة زرقاء مزيّنة بالفيروز واللؤلؤ والأحجار الكريمة، بينما رصّع صدره بالأوسمة وزيّن خصره بخنجر موشّى بالألماس. كان سنغ وقتها في الرابعة والثلاثين من عمره. وكان يشكّل جزءا من حاشية أمير ويلز الانغليزي. كما كان واليا على كابورتالا، وهي ولاية تقع على سفوح جبال الهمالايا. وقد ظلّت عائلته تتوارث هذا المنصب منذ مئات السنين. وكان تحت تصرّف المهراجا سنغ ثروة هائلة منحته نفوذا ومكانة كبيرين، سواءً داخل الهند أو خارجها. غير انه أيضا اشتهر ب...