المشاركات

المثقّف والسياسة

صورة
الفيلسوف والكاتب الرومانيّ المشهور ماركوس شيشيرون يقدّم نموذجا للمثقّف الذي يختار عن طواعية الانخراط في عالم السياسة، حتى وهو يدرك خطورة ما يمكن أن يجلبه عليه ذلك من أحقاد وثارات. شيشيرون كان في صغره طفلا عبقريا، إذ كان يتمتّع بذكاء متوقّد وموهبة استثنائية. وكانت هذه الخصال مثار حنق أترابه عليه. كما اظهر منذ نعومة أظفاره ميلا غير عاديّ لطلب المعرفة والتعلّم، على نحو ما تصوّره اللوحة فوق. عاش شيشيرون في عصر مليء بالاضطرابات السياسية. وكان أشهر كاتب وخطيب في زمانه. كما كان مدافعا عنيدا عن الحرّيات ومنتقدا بقوّة للتسلّط والاستبداد. ومن أقواله التي أصبحت مشهورة: سلام ظالم أفضل من حرب عادلة"، و "المهمّة الأساسية للفلسفة هي تعليم الإنسان كيف يستعدّ للموت". وقد قُتل شيشيرون بطريقة بشعة في العام 43 قبل الميلاد على أيدي مجموعة من أتباع خصمه اللدود مارك انطوني عضو المجلس العسكريّ الحاكم في روما في ذلك الوقت وأحد أكثر الذين تعرّضوا لانتقادات شيشيرون العنيفة والقاسية. ❉ ❉ ❉ ❉ ❉ ❉ كانت المطاردة بين الرجلين قد وصلت إلى ذرو...

روح معذّبة

صورة
معظم الفنّانين ينوءون تحت عبء الفكرة الشائعة عنهم بأنهم مجانين أو غريبو أطوار. وبعضهم يستمتع بهذه التهمة، وإن سرّاً. والبعض الآخر يرون فيها ترخيصا بسلوك الطريق الأقلّ ارتيادا دون النظر في المرآة الخلفية لمعرفة من الذي يتعقّبهم ولا الاهتمام بمن يحدّق فيهم بفزع. وهناك من هؤلاء الفنّانين من يتطلّع إلى العظمة بالذهاب إلى ابعد ممّا هو غريب أو شاذّ. وما يجعل الأمور أسوأ هو انه ليس هناك سوى خيط رفيع جدّا بين كل هذه الفروق، كما أن هناك ميلا من جانب بعض الفنّانين لاجتياز هذه الخطوط دون أن يدركوا ذلك. والمؤلم أن بعضهم في نهاية المطاف يسلك مسارا ينتهي بتدمير الذات الذي لم يستطع فينسنت فان غوخ تجنّبه. طوال حياته، كان فينسنت روحا مضطربة. فقد اُسيء فهمه، ولم يكن محبوبا إلا من شقيقه ثيو. كما فشل فشلا ذريعا في جميع جهوده المختلفة لتحقيق النجاح في أيّ شيء. وحتى عندما وجد ضالّته وراحته النفسية في الرسم وخلق الجمال، فإنه لم يجد سوى القليل من التقدير ولم يحقّق أيّ نجاح ماليّ على الإطلاق. وقد بحث فان غوخ عن علاقة مهنية وشخصية مع بول غوغان. وانتهت تلك العلاقة عندما هاجم صديقه الوحيد بشفرة حل...

عن الصحّة والمرض

صورة
ذهبت إلى المستشفى وفي ذهني عبارة منسوبة إلى الأديب الروسيّ انطون تشيكوف، الذي كان طبيبا أيضا، يقول فيها: لا فرق كبيرا بين الأطبّاء والمحامين. الفارق الوحيد هو أن المحامين يسرقونك، بينما الأطبّاء يسرقونك ويقتلونك"! وعندما دخلت على الطبيب، تمعّن قليلا في نتائج الفحوصات والتحاليل التي أمامه ثم قال: لقد تأخّرت كثيرا. هذا النزيف يثير الانزعاج فعلا. وأقدّر انك بحاجة إلى عمليّتين: الأولى لا بدّ من إجرائها دون إبطاء. ثمّ بعد شهرين على الأقلّ سنشرع في التفكير في الجراحة الثانية". خلال السنوات العشر الأخيرة، وباستثناء مراجعتي المنتظمة لطبيب الأسنان، لا أتذكّر أنني زرت مستشفى أو رأيت طبيبا. ولطالما آمنت بأن الأطبّاء، أو معظمهم على الأصح، لا يحلّون مشاكل المرضى، وإنّما يضيفون إليها مشاكل جديدة. كما أنني ممّن يؤمنون بأن الزمن أفضل معالج، وبأن كلّ إنسان هو، بمعنى ما، طبيب نفسه، وأنك كلما فكّرت اقلّ بصحّتك كلّما كان ذلك أفضل، لأن الانشغال أكثر مما ينبغي بأمور الصحّة والمرض قد يتطوّر إلى نوع من الهاجس أو الوسواس الذي يحرم الإنسان من الاستمتاع بمباهج الحياة. قلت للطبيب: إذن أ...

رمبراندت: الفيلسوف المتأمّل

صورة
منذ فجر التاريخ، ظهر العديد من الأفراد الذين أتعبوا عقولهم في التفكير في أسباب الأشياء ومعنى الحياة وماهيّة الخلق والموت والقدَر وغير ذلك من الأسئلة الملغزة والمحيّرة. بعض هؤلاء كرّسوا حياتهم كلّها لدراسة هذه المسائل، وكانت تلك مهمّتهم الوحيدة. ومن بين هؤلاء اليونانيّون القدماء الذين كانوا أمّة مفكّرة أنجبت العديد ممّن كانوا يُدعون بالفلاسفة، أي محبّي الحكمة. وقد انتقل هذا المصطلح من جيل إلى جيل إلى أن وصل إلى عصرنا. ومع توالي القرون، وجد الفلاسفة مواضيع أكثر وأكثر ممّا يصلح للدراسة والتفكير. بعضهم درسوا حركات النجوم وحاولوا اكتشاف ما إذا كان لها تأثير على حياة الإنسان. وظهر آخرون قاموا بفحص مختلف الموادّ التي تتألّف منها الأرض وجمعوها معا لخلق أشياء جديدة. وفي القرن السابع عشر، أي العصر الذي عاش فيه الرسّام الهولندي رمبراندت، كانت هناك ضجّة كبيرة أثارتها الأفكار الفلكية الجديدة التي أتى بها غاليليو في إيطاليا والاكتشافات الجديدة في مجال الكيمياء التي كان فان هيلمونت البلجيكي احد روّادها. كان رمبراندت معروفا بافتتنانه برسم لوحات تُظهر شخصيات غارقة في التفكير والتأمّل. و...

طبيعة بطولية

صورة
بإمكانك اليوم أن ترى أعدادا متزايدة من الفنّانين الذين يرسمون مناظر للطبيعة في الهواء الطلق، وكأنهم يعيدون الاعتبار إلى ما كان يُعتبر نوعا مملا وغير مقدّر من الفنّ خلال معظم سنوات القرن العشرين. وقبل عقود، ومع تحوّل الناس إلى الفنّ الحديث الذي يخاطب المشاعر الداخلية للإنسان، أصبح الكثيرون ينظرون إلى رسم المناظر الطبيعية باعتباره فنّا غير مهمّ وغير ذي صلة بالواقع. غير أن رسّامي القرون الماضية كانوا في كثير من الأحيان معبّرين تماما عن ما اصطلح على تسميته "مأزق الإنسان" من خلال فنّ رسم المناظر الطبيعية. والواقع أن النقيض التام لرسم المناظر الطبيعة في الهواء الطلق هو ما يسمّيه مؤرّخو الفنّ بـ "الطبيعة البطولية". رسّام المناظر الطبيعية الفرنسي بيير اونري دي فالينسيان هو احد روّاد ومنظّري هذا النوع من رسم الطبيعة. وقد كان يحثّ رسّامي الطبيعة في زمانه على أن يقرءوا أوّلا كتب الأدب الكلاسيكي ويستوعبوا ويتأمّلوا كلمات الشعراء العظام قبل أن يغلقوا أعينهم ويتخيّلوا مشهدا مثاليا عن جمال الطبيعة. وكان فالينسيان يؤكّد على أهميّة أن يلاحظ الفنانون الطبيعة وأن...

أندروميدا في العالم الحديث

صورة
بحسب كتاب التحوّلات لـ أوفيد، كانت أندروميدا ابنة لكلّ من الملك سيفيوس وزوجته الملكة كاسيوبيا اللذين كانا يحكمان مملكة كانت تقع بالقرب من مدينة يافا على شاطئ البحر المتوسّط. وتذكر الأسطورة أن كاسيوبيا كانت امرأة معتدّة بجمالها. وقد بلغ من إعجابها بنفسها أن ادّعت في احد الأيّام أن جمالها يفوق جمال الناريدات، وهنّ مجموعة من حوريّات البحر الفاتنات. الحوريّات لم يعجبهنّ غرور كاسيوبيا وافتنانها المفرط بجمالها. لذا طلبن من إله البحر بوسيدون أن يلقّنها درسا في التواضع. ونزولا عند رغبة الناريدات، أرسل بوسيدون وحش البحر الهائل سيتوس لإغراق سواحل المملكة. الملك سيفيوس الذي روّعه منظر الفيضان وهو يهاجم أراضي المملكة، دفعته توسّلات الناس لاتخاذ إجراء سريع وحاسم لمعالجة المشكلة. فجمع عددا من سحرة البلاد واستشارهم في ما ينبغي فعله لوقف الخطر الداهم. وأبلغه السحرة أنه ما من طريقة لصدّ الوحش سوى أن يقدّم الملك له ابنته أندروميدا كقُربان. وقد اُجبر سيفيوس في النهاية على أن ينفّذ مشورة السحرة. لذا تمّ ربط أندروميدا إلى صخرة على الشاطئ وتُركت هناك ليأكلها الوحش. لكن فجأة ظهر في الأفق البطل...

آخر البوهيميين

صورة
في بعض الأحيان، تصبح بعض الأحداث التافهة ظاهريّا نقاط تحوّل مهمّة في مسار التاريخ. في الرابع عشر من يوليو 1789، اقتحمت مجموعة صغيرة من الغوغاء سجنا فارغا تقريبا في إحدى ضواحي باريس. وهكذا بدأت الثورة الفرنسية التي أنهت 500 عام من الحكم الملكي في فرنسا. وفي ديسمبر من عام 1955، طُلب من إحدى الأميركيات من أصل أفريقي أن تنتقل إلى الجزء الخلفيّ من حافلة في مونتغمري بولاية ألاباما. وبسبب تلك الحادثة ولدت حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة. وفي عام 1969، انشأت وزارة الدفاع الأمريكية شبكة اتصالات الكترونية أسميت الاربانت لتربط مجموعة من مراكز الأبحاث. وهكذا ولدت الإنترنت. في 25 يناير من عام 1919، توفي فنّان غير معروف تقريبا في جناح خيريّ في احد مشافي باريس. وبموته انتهت الهيمنة الفرنسية على عالم الفنّ. كان ذلك الفنّان آخر شخص في سلالة كانت تُعرف بآخر الفنّانين البوهيميين. كان اسمه اميديو موديلياني. وكان قد عانى من الفقر والسلّ وإدمان الكحول وتعاطي المخدرات. وبعد أيّام، وبينما كانت جنازته تمرّ في شوارع مونمارتر القديمة، كان الآلاف من الناس ممّن لم يكونوا قد رأوا أعماله من قب...