نصوص مترجمة


  • عندما تنظر إلى السماء في ليلة صافية بلا قمر، سترى كوناً من النجوم، مناراتٍ لا حصر لها من غابر الأزمان وأبعد المسافات. وإذا نظرت إلى أسفل، فلن ترى سوى قدميك والأرض التي تقف عليها، ولا شيء غير ذلك.
    ماذا يكمن في باطن الأرض، تحت الصخور والتربة والبحار التي تحيط بنا؟
    بالنسبة للمفسّرين الكلاسيكيين، كان الجواب واضحا: مملكة هيديس، الموطن الجوفي للأموات والملعونين. أما رواية العِلم فمختلفة، ولكنها مع ذلك لا تقلّ روعة. فنحن نعيش فوق طبقات من القشرة والوشاح واللبّ، تتحرّك ببطء وتشكّل ديناميكياتها المناظر الطبيعية والجغرافيا، وحتى الحياة نفسها.
    في كتابه "لماذا تفوح رائحة الكبريت من الجحيم: أساطير وجيولوجيا العالم السفلي"، يؤرّخ زالومون كروننبيرغ لرحلة البشرية من تفسير إلى آخر. يبدأ رحلته من القدس، التي نزل منها يسوع إلى الجحيم. جابَ المدينة القديمة بحثا عن البوّابة، دون جدوى. كانت المواقع المرشّحة غير مقنعة وغير ملهمة.
    وأُصيبَ المؤلّف بخيبة أمل مماثلة عند زيارته بحيرة أفيرنو، التي دخل منها إينياس إلى العالم السفلي. ثم ذهب الكاتب الى غرب اليونان، حيث يمثّل ملتقى نهري كوكيتوس وأكيرون بوّابة أوديسيوس إلى الجحيم.
    وكلا المكانين موجودان بالفعل. ويمكن تحديد موقعهما على خرائط غوغل. لكنهما في الواقع ممرّان مائيّان هادئان ومناسبان لرحلات نهاية الأسبوع.
    ثم مشى المؤرّخ على خطى أتباع الملك آرثر الذين ساروا إلى بِركة دوزميري، واكتشف أن جغرافية الأسطورة تحوّلت بسهولة إلى جغرافيا أسطورية.
    متعة مرافقة كروننبيرغ في رحلته الملحمية لا تكمن في أيّ لمحة عابرة عن الجحيم، بل في الشروحات الدقيقة لجيولوجيا البحر المتوسّط المنتشرة في ثنايا النصّ.
    في العصور القديمة، مثّلت الكهوف أقصر الطرق إلى العالم السفلي، وكانت الأنهار الجوفية بمثابة طرقها السريعة تحت الأرض، والينابيع البركانية الحارّة كانت دليلا على أن الجحيم كان حارّا، بل وتفوح منه رائحة الكبريت.
    ويشرح كروننبيرغ بإسهاب أصول الكهوف والتكوينات والفوّهات البركانية والكربونات، لكن لا العلم ولا الملاحم يأخذاننا إلى أعماق الأرض أكثر من بضعة عشرات من الأمتار.
    أوصاف الجحيم أصبحت أكثر تفصيلا وإثارةً مع التركيز المسيحي على العقاب، ولا يوجد وصف أكثر وضوحا من وصف دانتي. بصحبة فرجيل، ينزل دانتي عبر دوائر الجحيم التسع، من البساتين الوارفة، حيث ينتظر هوميروس وسقراط وشخصيات أخرى نبيلة غير معمّدة الخلود، إلى مستويات أعمق مليئة بالعذابات المروّعة. تبدو لنا جغرافية دانتي الجوفية ذات طابع أخلاقي واضح وليست حَرفية، لكن هذا لم يكن جليّا لقرّاء العصور الوسطى وعصر النهضة.
    في الواقع، في عام 1587، دعت أكاديمية فلورنسا الشابّ غاليليو لتقييم التصوّرات المتنافسة للجحيم. وتُظهر روايته عن أبعاد العالم السفلي دعما للاهوت. ولم تقدّم الفيزياء وعلم المعادن رواية بديلة إلا فيما بعد.
    كتاب جورج باور المشهور "دي ري ميتاليكا" (1556) يتضمّن تعليقات حديثة بشكل لافت حول كيفية حفر المناجم واستخراج الخام، وتحذيرات من الشياطين التي يُحتمل مواجهتها أثناء هذه العملية.
    وبغضّ النظر عن موضوع الشياطين، فقد وسّعت المناجم نطاق استكشاف الإنسان لباطن الأرض حتى عمق 800 متر تقريبا قبل العصر الصناعي، والآن إلى ما يقارب أربعة آلاف متر في مناجم الذهب بجنوب إفريقيا.
    عند هذا العمق، في ظلّ حرارة ورطوبة خانقة، يعمل عمّال المناجم فيما يشبه الجحيم الحقيقي.
    أعمق الصخور التي رصدها الإنسان في مكانها تقع على بعد أكثر من ستّة آلاف كيلومتر من مركز الأرض. كيف لنا أن نستكشف هذا الحجم الهائل لكوكبنا؟ في هذه المرحلة، تُعجزنا الروايات التقليدية، لكن الحفر يسهم في ذلك بعض الشيء.
    ومن خلال رصد الأفيوليتات، تمكّن الجيولوجيون من دراسة الصخور المتكوّنة على عمق عشرات الكيلومترات تحت سطح الأرض. ويمكن نقل عيّنات أعمق إلى السطح بواسطة الصِهارة المتولّدة في أعماق الوشاح.
    لا يتبلور الألماس إلا تحت ضغط ودرجات حرارة موجودة على عمق يزيد عن 150 كيلومترا داخل جوف الأرض، لكنّ الألماس يزيّن الخواتم والقلائد لأن الصخور المنصهرة هي التي أوصلته إلينا. والشوائب الدقيقة داخل الألماس توفّر لمحات إضافية عن باطن كوكبنا. وهي عبارة عن رقائق من الوشاح اندمجت أثناء تشكّل الأحجار الثمينة.
    كتاب زالومون كروننبيرغ يتطلّب صبراً من القارئ، فالمؤلّف يميل الى الاستطرادات ولا يكشف عن حبكة روايته إلا تدريجيّا. لكن المكافأة التي يحصل عليها القارئ في النهاية مُجزية. أندرو نول
  • ❉ ❉ ❉

    ❉ ❉ ❉

  • القرّاء أقلّ غباءً من غيرهم، هذه حقيقة لا جدال فيها. لا يعني هذا أن قرّاء الأدب لا يخلون من الحمقى، أو أن غير القرّاء لا يضمّون شخصيات لامعة. لكن، بشكل عام، الأمر واضح وجليّ: القرّاء أكثر انفتاحا وجاذبية، وأكثر استعدادا للحياة من أولئك الذين يحتقرون الكتب.
    وهذا منطقي، فالقارئ ينمّي ذكاءه من خلال التفاعل مع المنطق ومع الأفكار. يصبح القارئ على دراية تامّة بأبطال القصص الخيالية الذين تابع مغامراتهم بفضول، وغالبا بشغف. يخزّن في ذاكرته شذرات من التاريخ الفرنسي أو تاريخ أماكن أخرى، وحياة شخصيات بارزة، وقصص اكتشافات ومآثر، وحقائق متنوّعة، وحيوات غامضة أو بائسة، وشعوب في عظمة أو عبودية، وحضارات زائلة.
    كثير من السياسيين وقادة الأعمال وكبار موظّفي الخدمة المدنية والمديرين والمسئولين من مختلف المناصب، لا يقرؤون إلا الكتب المفيدة لممارسة مهنتهم. الأدب عندهم مضيعة للوقت، والروايات للنساء! هؤلاء الذين يعيشون في عالم مغلق من الامتيازات يعرفون بروتوكولاته، يظلّون جاهلين بتطوّر السلوكيات عبر مختلف شرائح المجتمع التي يتحمّلون مسئوليّتها بشكل مباشر أو غير مباشر.
    الروايات والقصص ستعلّمهم الكثير، عن تقلّبات العقليات، عن أسباب الانقلابات والولاءات، عن كبرياءات صغيرة وآلام خفيّة، عن سوق تجارة الأجساد والنفوس. وبالتالي، قراءة الروايات هي الاطلاع على أخبار الآخرين. يقول أوباما: من خلال الأدب، استطعتُ تخيّل ما يجري في حياة الناس". ويقول ميلان كونديرا: غباء الإنسان ينبع من اعتقاده بأنه يملك إجابة لكلّ شيء. أما حكمة الرواية فتكمن في طرح سؤالّ لكلّ شيء".
    قراءة الشعر هي رفع القبّعات والأغطية والسجّاد والسماء. القراءة ليست انعزالاً عن العالم، بل هي دخوله من أبواب أخرى. القراءة هي اتخاذ فولتير أستاذاً، وبروست عمّاً من المدينة، وستاندال ودوما وكامو أصدقاء، ولافونتين وفينسينو حارسين للصيد، ولويز لابيه حبيبة، وكوليت طاهية، ومونتاني وجان جونو وجوليان غراك جيراناً.
    القراءة هي توسيع دائرة المعارف وتوظيف الكوادر وتكوين الصداقات وتنمية العلاقات وبناء شبكة روابط واسعة. القراءة بمثابة إدخال بعض النور إلى متاهة وجودنا المليئة بالتحدّيات.
    لكن إذا كانت القراءة تساعدنا على فهم العالم بشكل أفضل، فإنها قد تزيد الأمر تعقيداً وغموضا أيضاً. هناك كتب تزعزع، تقلق، يخرج منها المرء مضطربا بل ومهتزّا. قد تكون هذه أفضل الكتب، لأنها تصل إلينا في أعمق مستوياتنا وتغيّر طرق رؤيتنا وشعورنا، وتدفعنا الى محاسبة أنفسنا، وتشجّعنا على اتخاذ قرارات وعلى خوض تجارب.
    القراءة هي أحد الأنشطة الإنسانية الأخيرة، إلى جانب المحادثة والحبّ، التي لا تتطلّب حفظ رموز أو الضغط على مفاتيح أو الرجوع إلى الشاشات. برنار بيفوت

  • Credits
    archive.org
    online-literature.com

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة

    أبو بكر سالم: صورة الفنّان

    سيكولوجيا الوشم

    الأزرق: تاريخ لون