المشاركات

خواطر في الأدب والفن

صورة
بين الدبلوماسية والفنّ تقول القصّة إن هنري الثامن ملك انغلترا كان يبحث لنفسه عن زوجة جديدة. وقد اخبره بعض المقرّبين منه عن أرملة جميلة، هي كريستينا ابنة ملك الدنمارك الذي تربطه علاقة قربى مع بعض أباطرة روما القدماء. في ذلك الوقت، أي حوالي منتصف القرن السادس عشر، لم يكن من المتيسّر دائما أن يرى الرجال النساء اللاتي يريدون الاقتران بهنّ. وكان الملوك والأمراء كثيرا ما يقرّرون زيجاتهم بناءً على صورة للمرأة المراد الزواج منها. كان عمر هنري وقتها يقترب من الخمسين، وكان متزوّجا من ثلاث نساء، لكنه كان يفكّر في الاقتران بامرأة رابعة. والأميرة الدنماركية لم تكن قد تجاوزت الثامنة عشرة من عمرها. لكن كان على الملك أن يعرف أوّلا مستوى جمالها ونوعية شخصيّتها. وكان قد سمع عنها كلاما مشجّعا من بعض أفراد حاشيته. لكنه كان بحاجة لشيء ما أكثر من مجرّد السماع. لذا أرسل رسّام البلاط هانس هولبين في مهمّة إلى الدنمارك كي يرى الزوجة الموعودة ويرسمها. كانت الدنمارك في ذلك الوقت ما تزال منتمية إلى أفكار القرون الوسطى وكانت فيها طبقة نبلاء قويّة وثقافة فروسية. وقد ذهب هولبين إلى الدنمارك وم...

محطّات

صورة
ايفازوفسكي في الشرق في هذه المدوّنة وفي المدوّنة الأخرى، تحدّثت أكثر من مرّة عن فنّ الرسّام الأرمني ايفان ايفازوفسكي. كنت اعرف انه زار تركيا غير مرّة، ثم قرأت في ما بعد انه زار مصر أيضا. وقد ذهب ايفازوفسكي إلى مصر بصحبة إحدى بناته بعد أن تلقّى دعوة من الخديوي لحضور حفل افتتاح قناة السويس. وهناك رسم عدّة لوحات للنيل والواحات ولأهرامات الجيزة ومُنح شرف أن يكون أوّل رسّام يرسم القناة. وكما هو الحال في جميع أعماله، فإن لوحاته عن مصر مشبعة بالضوء الذي يُضفي على الطبيعة إحساسا عاطفيا وحالما. ذهب ايفازوفسكي أيضا إلى تركيا زائرا بدعوة من السلطان عبدالحميد. وقد زار اسطنبول بعد ذلك سبع مرّات ورسم فيها بورتريهات للمدينة وكذلك للسلاطين وحاشيتهم. ثم تلقّى ميدالية ذهبية من السلطان العثماني، لكنه رفضها احتجاجا على مذبحة الأرمن عام 1895. وبعض لوحاته التي رسمها بعد ذلك يمكن اعتبارها احتجاجا على سوء معاملة الأتراك للأرمن. وهناك اليوم أكثر من ثلاثين عملا من أعماله موجودة في القصر الامبراطوري العثماني وفي عدد من المتاحف التركية. ايفازوفسكي مشهور أيضا بكونه الرسّام المفضّل لمزوّري اللوح...

لوحة لها تاريخ

صورة
لوحة رافائيل "مادونا دير سان سيستو"، أو "مادونا كنيسة سيستين" كما تُسمّى أحيانا، اعتُبرت دائما ذات مكانة خاصّة بين الأعمال التشكيلية العالمية. وعلى مرّ القرون، أضفي على اللوحة طابع من القداسة والتبجيل، وكُتب عنها الكثير من المقالات والدراسات والأشعار. وهناك العديد من الأساطير التي تحيط بهذه اللوحة. يقال مثلا أن رافائيل رسمها بعد أن رأى تفاصيلها في حلم، وأن بعض مرضى فرويد مرّوا بحالة من النشوة الدينية بعد أن رأوها. وكان للوحة تأثيرها على كلّ من غوته وفاغنر ونيتشه. كما اعتبرها دستويفسكي "كشفا مهمّا عن الروح الإنسانية". في عام 1768، وكان غوته وقتها ما يزال طالبا يدرس القانون ولم يصبح بعد فيلسوفا وشاعرا مشهورا، دخل لأوّل مرّة إلى متحف الفنّ الجديد في دريسدن حيث توجد اللوحة. وقد وصف ما رآه هناك بقوله: الصمت العميق كان مخيّما على المكان. كان الأمر أشبه ما يكون بذلك الإحساس العميق بالهدوء والطمأنينة الذي ينتابك عندما تدخل دارا للعبادة. وهذا الشعور يتعمّق أكثر فأكثر كلّما تأمّلت الصورة التي على الجدار". بالنسبة لغوته، كانت رؤية هذه الصورة نوعا...

جبل النور: تاريخ

صورة
هناك قول مشهور مفاده أن الألماس يدوم إلى الأبد. ولهذا السبب أصبح هذا الحجر الثمين رمزا للحبّ الأبدي وللنقاء والقوّة. ويقال إن بعض الألماس الموجود على الأرض تشكّل قبل أكثر من 900 مليون عام. وفي أنحاء متفرّقة من العالم توجد عدد من الماسات غير العاديّة والتي اكتسبت شهرة، إمّا بسبب نماذجها الممتازة التي تحاكي جمال الطبيعة، وإمّا بسبب المشاهير الذين ارتدوها أو اشتروها أو باعوها. غير أن "جبل النور"، أو كوهي نور بالفارسية، تظلّ هي اكبر وأشهر ماسة معروفة في العالم. ويُعتقد أن موطنها الأصلي هو ولاية اندربراديش الهندية. لكنها موجودة الآن في برج لندن. بالنسبة لحكّام المغول، كانت هذه الماسة تستحقّ أن تُخاض من اجلها المعارك والحروب. وتقول إحدى الأساطير أن الإله الهندوسي كريشنا استنقذها من إله الشمس. ولهذا اكتسبت الماسة قوّة روحية هائلة. في هذا الكتاب بعنوان "مطاردة جبل النور: رحلة على درب ماسة كوهي نور" ، يتتبّع المؤلّف كيفين رشبي الطريق الدامي الذي سلكته هذه الماسة إلى أن استقرّت في مكانها الحالي. كما يضيء الكاتب بعض الزوايا المظلمة لعالم صناعة وتجارة المجوه...

عشرة أيّام في التلال/3

صورة
ترى، ماذا لو كانت السعادة، بما في ذلك السعادة الجنسية، فضيلة أخلاقية في حدّ ذاتها؟ في العصور الوسطى، كان الملل أو السبات الروحيّ أو الكآبة، تُُعتبر خطيئة. ويُفترض بك كإنسان أن تحبّ عالم الربّ. وهناك العديد من الأشياء والناس والحوادث في كتاب بوكاتشيو، من قبيل الأزهار التي ترفع وجوهها لأشعّة الشمس والسفن التجارية التي تمخر عباب البحار والراهبات اللاتي يتناوبن على ممارسة الجنس مع البستانيّ، والتي يمكن اعتبارها تأكيدات أو تمظهرات لهذا الحبّ. وشخصيّات بوكاتشيو، بحسب ألبيرتو مورافيا أيضا، خاصّة وحيوية جدّا وكما لو أن المؤلّف نفسه كان يغار منها. في ديكاميرون أيضا هناك قدر كبير من التسامح والقناعة وحسن النوايا. الزوج المخدوع لا يعاني كثيرا. ومثال هذا قصّة فيروندو، الفلاح الثريّ. رئيس الدير يكتشف أن زوجة فيروندو رائعة الجمال، فيعطيه جرعة منوّمة ويحبسه في زنزانة. ثم يذهب لمغازلة واجتذاب الزوجة. وعندما يستيقظ فيروندو يخبره راهب أرسله رئيس الدير بأنه، أي فيروندو، موجود الآن في البرزخ ليقضي فترة عقوبة مؤقتة هناك. وبعد عام تصبح زوجة فيروندو حاملا من رئيس الدير. ويتمّ إعادة فيروندو إلى ب...

عشرة أيّام في التلال/2

صورة
انتهى الحديث أمس بانتقال بوكاتشيو مع والده من فلورنسا إلى نابولي. وفي نابولي حاول والده أن يعلّمه بعض الأنشطة التجارية. غير أن بوكاتشيو لم يجد تلك الأعمال ممتعة. ولهذا أوصاه والده المتسامح بالذهاب إلى الجامعة لدراسة القانون الكنسيّ. ولم يحبّ بوكاتشيو ذلك التخصّص أيضا. لكن خلال تلك الفترة، كان الصبيّ يقرأ على نطاق واسع. ثم بدأ كتابة الحكايات الرومانسية شعرا ونثرا. وبفضل هذه المزايا الأدبية، بالإضافة إلى اتصالات وعلاقات والده، تمكّن بوكاتشيو من الدخول إلى بلاط نابولي. وقد قال لاحقا انه لم يكن يريد أن يكون أيّ شيء غير أن يصبح شاعرا. السنوات التي قضاها في نابولي كانت، ولا شكّ، أسعد سنوات حياته. لكن في أواخر العشرينات من عمره، وصلت سعادة بوكاتشيو إلى نهايتها، عندما تعرّضت تجارة والده إلى نكسة. ونتيجة لذلك، عاد الأب وجيوفاني إلى فلورنسا، التي كانت في ذلك الوقت عاصمة للنزعة التجارية الإيطالية. ووجد بوكاتشيو نفسه فجأة يهبط من العالم الرفيع لآداب البلاط إلى طموح وواقعية طبقة التجّار. وغالبية حكايات الرواية هي عن أفراد هذه الطبقة والمهارات التي يتميّزون بها، كالذكاء والفطنة وحسن التدبي...

عشرة أيّام في التلال

صورة
"في عام 1348، ضرب فلورنسا، أجمل وأنبل مدن ايطاليا، وباء الطاعون القاتل. البعض يقولون إن المرض أرسل للبشر بتأثير من الأجرام السماوية. والبعض الآخر يعزونه إلى غضب الربّ على الإنسان بسبب جوره وشرّه". هكذا يبدأ جيوفاني بوكاتشيو (1313-1375) روايته الشهيرة ديكاميرون، واصفا الطاعون، أو الموت الأسود، الذي اكتسح أوربّا ابتداءً من العام 1340 وقتل عشرات الملايين من البشر أو حوالي ستّين بالمائة من سكّان القارّة. ثم يصف الكاتب آثار الوباء على مدينته فلورنسا فيقول: الكثير من الناس سقطوا موتى في الشوارع، بينما توفّي آخرون في منازلهم دون أن يجدوا من يرعاهم أو يهتمّ بهم من أسرهم. الأزواج والزوجات، خوفا من العدوى، كانوا يجلسون ويصلّون في غرف منفصلة، بينما تخلّت الأمّهات عن أطفالهنّ وأغلقن الأبواب. ويضيف: حمل أهالي فلورنسا جثث المتوفّين حديثا خارج منازلهم ووضعوها بجوار الأبواب الأمامية، حيث يمكن لأيّ شخص مارّ، وخصوصا في الصباح، أن يراهم هناك بالآلاف. وعندما امتلأت المقابر عن آخرها، حُفرت خنادق هائلة في مقابر الكنائس، وُضع فيها القادمون الجدد بالمئات، وطبقة فوق طبقة مثل البضائع في ...