عشاء مع أوفيد


سألني صديق: لو أتيحت لك فرصة السفر إلى الماضي واختيار عشر شخصيّات من التاريخ كي تراها وتتحادث معها وتطرح عليها بعض الأسئلة، فعلى من سيقع اختيارك؟ قلّبت هذا السؤال في ذهني لبعض الوقت. وأثناء ذلك عبَرَت رأسي بعض أسماء مثل لا وتسو وباخ وفولتير وهيباتيا وسقراط وكليوباترا ونيتشه وإيسوب وغويا وكاثرين العظيمة وآينشتاين وكونفوشيوس وآخرين.
لكني أختار أوّلا أوفيد. أما لماذا فلأن اوفيد يوصف عادة بأنه أوّل من أنزل الآلهة من برجها العاجيّ في أعالي جبل الأوليمب ووضعها في محترفات الرسم وصالونات الأدب والفلسفة. كما انه أوّل من حوّل الميثولوجيا إلى عالم من لحم ودم مع الكثير من روح المرح والدعابة. وأوفيد هو أيضا أوّل من أنتج أدبا خالصا بلا دروس ولا مواعظ أخلاقية.
وكلّ شخص يريد أن يعرف شيئا عن الأساطير الرومانية والإغريقية، يجب أن يكون قد قرأ كتابه "التحوّلات". وهو عبارة عن ديوان شعر، أو بالأحرى قصيدة طويلة من اثني عشر ألف بيت. وأوفيد يسرد في ثنايا القصيدة قصصا استلهمها من الميثولوجيا الكلاسيكية عن "حالات تَحوُّل"، معظمها لبشر وحوريّات يتحوّلون إلى حيوانات ونباتات.
والقصص تسجّل الأحداث منذ بداية خلق الكون وحتى موت يوليوس قيصر اغتيالاً. وكلّ قصّة من قصص الكتاب تتضمّن تحوّلا جسديّا. والشخصيّات التاريخية فيه تقتصر على الإمبراطورين يوليوس قيصر واوغستوس اللذين يتحوّلان من إنسانين محكومين بالفناء إلى إلهين خالدين.
وكتاب "التحوّلات" لا يعلّمك شيئا عن فهم الحياة والعالم. لكنه يقول لك كيف تستخدم اللغة وموارد السرد الخيالي بطريقة ممتعة. وفي الكتاب، ينتصر الأسلوب على المضمون وننتقل إلى شكل جديد من أشكال التعبير الأدبي، شكل يُحتفى فيه بالفنّ من اجل الفنّ فحسب.
لذا ليس من الصعب أن نفهم سرّ شعبية أوفيد بين الشعراء والفنّانين عبر العصور، بل وحتى بين أولئك الذين يضيفون إلى القصيدة رؤية للعالم أكثر تماسكا. ونسخة أوفيد من الميثولوجيا تقول إن الماضي لم يكن أكبر من الحياة نفسها، كما لم يكن هناك أبطال. والجنس البشريّ يتألّف من بشر مثلنا، وليست هناك آلهة تشرف على مسار الأحداث أو تمثّل مبادئ كالحقّ أو العدالة.
كما يرى أوفيد أن ليس هناك كون غامض كي نحتفي به أو نقدّسه أو نخاف منه. هناك فقط المتعة التي يمكن أن نشعر بها عند قراءة القصيدة بمعزل عن أيّة معان أو مرجعيات أخلاقية.

❉ ❉ ❉

من اجل الالتقاء بأوفيد، يُفترض الذهاب أوّلا إلى توميس، أو كونستانزا كما تُسمّى اليوم. وتقع هذه المدينة على ساحل البحر الأسود فيما يُعرف اليوم برومانيا. وتذكر بعض المصادر أن المدينة تُعتبر من أقدم المدن المأهولة في العالم، إذ تأسّست حوالي عام 600 قبل الميلاد.
وأوفيد نفسه يصفها بأنها "ارض شبه مهجورة تقع على الأطراف البعيدة للإمبراطورية الرومانية وبعيدا عن حدود العالم المتحضّر". وقد جرت على أرضها العديد من المعارك والحروب، واحتلّها الرومان عام 29 قبل الميلاد وضمّوها إلى إمبراطوريتهم، ثم أسموها كونستانتينا، تيمّنا باسم شقيقة الإمبراطور الروماني كونستانتين العظيم. وبحسب إحدى الأساطير، فإن جيسون نزل في هذه المدينة، مع "الارغونوتز" أو المغامرين، بعد عثوره على الفروة الذهبية.
في توميس أو كونستانزا، قد يكون أفضل مكان للالتقاء بأوفيد قريباً من متحف المدينة الذي شُيّد أمام بوّابته تمثال للشاعر. وربّما تكون أفضل هديّة يمكن أن تقدّم اليه نسخة حديثة من كتاب "التحوّلات"، بالإضافة إلى نسخ من بعض الأعمال الفنّية المشهورة والمستوحاة من قصص التحوّلات، وكذلك نسخة من لوحة اوجين ديلاكروا التي رسم فيها أوفيد بين قبائل آسيا الصغرى.
في في التمثال الذي أقيم له ، يبدو اوفيد على درجة من الوسامة، عيناه متفحّصتان وتشعّان بالذكاء، مع طبع يميل إلى الهدوء والتأمّل. وبالطبع سيُسرّ الرجل لمرأى هذا النصب الذي أقيم تكريما له في هذه البقعة البعيدة عن روما.
وسيُدهش ولا شكّ لرؤية الاختلاف الكبير بين توميس اليوم وما كانت عليه عندما كان يعيش فيها قبل حوالي ألفي عام. فبينما كان عدد سكّانها لا يتعدّى المئات آنذاك، فإن عددهم اليوم يتجاوز الـ 400 ألف نسمة، بالإضافة إلى مئات آلاف السيّاح الذين يؤمّون المدينة سنويا للتمتّع بأجوائها المعتدلة وينابيعها المعدنية المشهورة.
في توميس وبعيدا عن روما، توفّي أوفيد عام 17 م بعد أن عاش فيها منفيّا ثمان سنوات كاملة. وبطبيعة الحال سيكون من المناسب سؤال الشاعر عن حادثة النفي تلك، وعن السبب الحقيقيّ الذي دعا الإمبراطور اوغستوس إلى اتخاذ قرار بإبعاده بعد أن كان مقرّبا منه ومن عائلته.
الأسباب التي ذكرها المؤرّخون كثيرة، وأحيانا متناقضة. ومعظم ما كُتب حول قصّة النفي مجرّد تكهّنات واحتمالات. أوفيد نفسه أشار إلى الأسباب تلميحا وبطريقة غامضة غالبا. فهو، مثلا، ذكر في رسائله التي كتبها لبعض أصدقائه في روما أثناء سنوات النفي أن الخطأ الكبير الذي ارتكبه هو انه "رأى شيئا ما كان ينبغي له أن يراه".
هذه العبارة دفعت بعض المؤرّخين للاعتقاد بأن الشاعر ربّما أساء التصرّف بعد أن أصبح أحد أفراد الدائرة الضيّقة المحيطة بالقصر. وقرار النفي كان بناءً على أوامر شخصية من الإمبراطور ودون العودة إلى البرلمان أو القضاء. أوغستوس نفسه مات عام 14 للميلاد، أي في الوقت الذي كان أوفيد ما يزال في منفاه. ولسوء الحظ، كما يذكر المؤرّخون، فإن تيبيريوس الذي خلفَ اوغستوس على سدّة الحكم لم يلغِ الحكم بحقّ الشاعر.

❉ ❉ ❉


❉ ❉ ❉

كان أوفيد قد تجاوز الخمسين من عمره عندما نُفي. وكان مشهورا جدّا في روما في ذلك الوقت. بل يمكن القول انه كان آنذاك أشهر شاعر في المدينة بعد انتهاء جيل فيرجيل وهوراس. وقصائده التي كتبها في منفاه تتضمّن رسائل لأصدقائه وأعدائه في روما. ومن بين تلك القصائد واحدة يعبّر فيها عن يأسه ويدعو لإعادته إلى روما.
وهناك أيضا قصائد على هيئة رسائل موجّهة لبعض الشخصيّات في روما وأخرى إلى زوجته وإلى الإمبراطور نفسه. يقول الشاعر في إحدى تلك الرسائل موجّها حديثه إلى شخص ما: أين المتعة في إغماد رمحك في لحمي الميّت؟ ليس في جسدي مكان يحتمل المزيد من الطعنات أو الجراح".
وفي رسائل أخرى، يحاول أوفيد أن يقنع الإمبراطور بإنهاء نفيه، وذلك من خلال وصفه لحالة الحزن التي يعيشها بعيدا عن الوطن وقسوة الحياة والأخطار في توميس والحالة الاجتماعية والذهنية المتردّية التي يمرّ بها.
وقد صوّر نفسه في إحدى تلك الرسائل كشخص عجوز ومريض وبعيد عن عائلته ومحروم من مسرّات ومتع روما. بالنسبة للشاعر، كانت روما هي نبض العالم المتوهّج. والنفي أدّى به إلى حالة من الإحباط واليأس. ومع ذلك، لا ينسى الشاعر أن يمدح الإمبراطور وعائلته ويثني على نجاحه في المعارك والحملات العسكرية، أملا في أن يؤدّي ذلك إلى ترقيق قلبه.
كُتب الكثير عن واقعة النفي تلك. أوفيد نفسه كتب مرّة يقول إن النفي كان بسبب "قصيدة وخطأ" وأنه دمّر عبقريته الشعرية. وأشعاره في المنفى مليئة بالإشارات إلى أن ما فعله كان "خطأ تسبّب به الغباء" وأنه فعله عن غير عمد وأن الإمبراطور يدرك ذلك بدليل انه لم يحكم عليه بالقتل ولم يجرّده من الجنسية.
وأوفيد قد لا يجد غضاضة، خاصّة بعد مرور كلّ هذه السنوات الطوال، في أن يبوح بالسبب الحقيقيّ لنفيه. هو لم يتحدّث عن هذا الأمر صراحة أثناء حياته، لأنه كان يؤمّل في أن يُصدر الامبراطور عفوا عنه، وهذا ما لم يحدث.
وهناك نقّاد كثر يعتقدون أن اوغستوس الذي كان يُقدّم نفسه كحارس للأخلاق الرومانية ربّما كان قد ارتكب جناية أخلاقية ما. بينما يذهب البعض الآخر الى أن أوفيد ربّما كان ضالعا في مؤامرة ما، ولهذا نُفي.
ربّما سأسأل أوفيد عن قصّة النفي تلك وعن رأيه في زعم بعض المؤرّخين بأن نفيه لم يكن حقيقيّا وأنه لم يغادر روما أبدا وأن أعماله في المنفى لم تكن سوى ثمرة خيال واسع. وبالتأكيد لست مع هذا الرأي. فقصّة النفي حقيقية وهناك شواهد كثيرة تدعمها. لكن من المهم سماع روايته عن حقيقة ما حدث.

❉ ❉ ❉

وما من شكّ في أن أوفيد سيشعر بقدر كبير من السعادة عندما يرى كيف أن كتاب التحوّلات أثّر في العديد من مشاهير الكتّاب مثل شكسبير ودانتي وميلتون وثيرفانتيس وغيرهم، وكيف ألهم عددا كبيرا من الفنّانين الذين رسموا مئات اللوحات التي تصوّر قصصا وردت في الكتاب. وقد أسأله بشكل خاصّ عن تجربته في العيش مع قبائل السكيثيين الذين حلّ ضيفا عليهم أثناء منفاه.
المؤرّخون يذكرون أن السكيثيين كانوا جماعة من أسلاف الفرس، وكانوا يسكنون توميس عندما قدم إليها أوفيد. وقد تناول المؤرّخ هيرودوت أسلوب حياتهم في كتابه "التواريخ" ووصفهم بالبدو المترحّلين. وأوفيد نفسه وصفهم بالقبيلة البرّية. وعندما استضافوه لم يكن أحد منهم يتكلّم اللاتينية برغم أنهم كانوا تابعين لروما. وهذا أمر فاجأه وأحبطه.
ومن المعروف أن الرسّام اوجين ديلاكروا صوّر حياة أوفيد وهو في أرض سكيثيا. ويمكن اعتبار لوحته تناولا جميلا لفكرة الحضارة مقابل البدائية. وقد رسم السكيثيين وهم يعاملون الشاعر بتعاطف وفضول في طبيعة تتضمّن بحيرة وجبالا مغطّاة بالخضرة، مع أكواخ من الخشب توحي بثقافة رعوية بدائية. وقد تفحّص هؤلاء أوفيد باهتمام عندما وصل إلى أرضهم. والبعض الآخر ذهبوا إلى بيوتهم ليحضروا له فاكهة وحليبا.
فكرة البرّية والإنسان العبقريّ الذي يُساء فهمه كانت أحد المفاهيم الأساسية في الحركة الرومانسية التي كان ديلاكروا أحد أقطابها. وقد رسم من هذه اللوحة طبعتين قبل وفاته بعام لحساب صاحب إحدى المجموعات الخاصّة.

الجزء الثاني: حديث عن التحوّلات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مخطوطات قرآنية نادرة

أشهر عشر نساء خلّدهن الرسم

فنجان قهوة