رُعاة أركاديا


عاش الرسّام الفرنسي نيكولا بوسان في القرن السابع عشر وقضى معظم حياته في إيطاليا. وكان من عادته أن يمزج لوحاته بشيء من الفلسفة والفكر. لوحته "فوق" ذات طبيعة فلسفية، وقد صوّر فيها عددا من الرعاة في أركاديا، وبينهم امرأة، وهم يكتشفون قبرا في أرضهم ويحاولون قراءة عبارة غامضة مكتوبة بلسان الموت على شاهد القبر وتقول: أنا أيضا كنت في أركاديا".
وبينما يبدو الرجال مذهولين من حقيقة أن الموت يمكن أن يزور مكانا مثاليّا مثل أرضهم الوادعة والهانئة، فإن المرأة ذات الملامح التمثالية تبدو حكيمة ومتفهّمة وكأنها تقول: لا يمكن فعل شيء حيال ذلك، حتى أكثر العوالم كمالاً محكوم عليها بالزوال. هذه طبيعة الحياة".
قيل إن عبارة "أنا أيضا كنت في أركاديا"، التي أصبحت مشهورة ومتداولة كثيرا، هي من اختراع الرسّام نفسه ولم ترد في أيّ كتاب أو أثر قبل ذلك. وقد اقتبسها كثير من الفلاسفة والشعراء في القرون التالية. وهناك من يرى أن للعبارة معنى أكثر عمقاً ممّا تعنيه ظاهريا، ويمكن تلخيصه في أن اكتشاف الفنّ كان ردّ فعل مبدعاً من الإنسان عندما اكتشف لأوّل مرّة الحقيقة الصادمة عن حتمية الموت.
الأدبيات القديمة تصف اركاديا بالجنّة الأرضية، وتذكر أن أهلها كانوا من الرعاة البسطاء الذين عاشوا حياة بدائية سعيدة بسبب جمال طبيعتهم وخصوبة أرضهم وبُعدهم عن الحروب والمجاعات والأوبئة. كانوا يرعون الغنم ويردّدون أغانيهم بمصاحبة الناي. ويعود إلى أحد أولئك الرعاة فضل ابتكار أوّل آلة ناي عرفها الإنسان.
وأركاديا مكان حقيقيّ في اليونان، وهو عبارة عن هضبة تتخلّلها سلسلة من الوديان المحاطة بالجبال الشاهقة التي تجعل الوصول إليها صعبا. وكانت الماشية والحمير أهمّ صادراتها قديما. وكان سكّانها، وما زالوا، رعاة وفلّاحين يزدرون الأدب والسياسة على حدّ سواء. ونادرا ما كانوا يغادرون وديانهم أو يدخل بينهم غرباء. ولم تكن لديهم حكومة مركزية ولا علاقات مع ممالك اليونان الأخرى، وكانوا يفضّلون العيش بسلام.
ومع ذلك، كانوا على استعداد للقتال مقابل أجر، وأحيانا كانوا مضطرّين للقتال لأن اسبارطة كانت جارتهم. وعندما كانت أركاديا تدخل حربا كحليف لدولة أخرى، كانت غالبا ما تناصر الجانب الخاسر. وفي خضمّ نزاعات الدول اليونانية، وأثناء الحروب التي شارك فيها يوليوس قيصر ومارك أنطوني وغيرهما، تقاسمت الهضبة مصير المهزومين. ورغم بُعدها وعزلتها، فقد نالت نصيبها من مصائب العالم.

❉ ❉ ❉

❉ ❉ ❉

أركاديا الشعرية تشغل الحدود نفسها، لكن تاريخها مختلف. وكلّ ما فعله الشعراء هو التركيز على بعض الحقائق وتجاهل غيرها. بدت هذه الأرض لهم كحصن منيع للبراءة الريفية، يسمو فوق صخب السياسة وضجيج التجارة البحرية في اليونان القديمة. وعند كلّ زاوية من زوايا الهضبة، ترتفع سلسلة من قمم الجبال كالحصون. ومنها، في الصباحات الصافية، يمكن للمرء أن يرى أركاديا بأكملها والدول المجاورة في السهول الساحلية، وخلفها البحر المتوسّط.
وعلى سفوح الجبال تمتدّ بساتين شاسعة من أشجار السنديان المعمّرة وتنتشر غابات الصنوبر. وفي الحقول المفتوحة تقف أشجار الدلب الرشيقة، المحبوبة والخالدة في العالم الكلاسيكي. ورغم أن الأركاديين القدماء كانوا أمّيين، إلا أن الغناء الرعوي وُلد بينهم. كان "بان" إلههم الحارس، وكان الفلاحون يتخيّلون أحيانا أنهم يسمعون موسيقى مزماره الحزين، بينما كان إله الماعز يستلقي تحت شجرة دلب. وفي هذه الأرض البسيطة، تقول الأسطورة إن هيرمِس مدّ أوتارا عبر صَدفة سلحفاة عملاقة وصنعَ القيثارة.
كانت أركاديا بارعة في العزف على القيثارة والناي معا، وكان الرعاة ينشدون من خلالهما ألحانهم البسيطة. وإلى جانب حبّهم للموسيقى، بدا لهم الإغريق الآخرون كساكني مدن بسطاء، وظهروا في الكوميديا كأغبياء. الرومان استوعبوا روح أغاني الأركاديين الريفية، ووُلدت أركاديا الشعرية في قصائد فرجيل الرعوية. وتتجلّى ملامحها في أشعاره التي تصوّر قطعان الماعز وهي ترعى، والنحل وهو يطير فوق الازهار، والينابيع وهي تتدفّق حيث تتفتّح زهور البنفسج الزرقاء الداكنة.
على هذا المخطّط الرقيق، نسج عصر النهضة ألوان خياله الزاهية. أصبحت أرض الجبال الوعرة المضطربة أرضا فريدة في العالم بأسره، تنعم بالسلام البسيط والبراءة الريفية والسحر الحالم للأشياء المثالية. وتوالت الرسومات الرومانسية التي تتخلّلها أغاني تعلن عن حبّ العشّاق وترثي موت العذارى، وحوارات تروي نثرا شعر الحياة الرعوية.
يقول فيليب سيدني الذي ألّف رواية كلاسيكية عن أركاديا: هنا، حتى الرعاة أنفسهم يرتقي خيالهم إلى مستويات عالية من التصوّر، حتى أن علماء الأمم الأخرى يكتفون باستعارة أسمائهم وتقليد براعتهم. تزيّن التلال بهجة هذه الأرض بأشجار باسقة، وتنعش مياه الأنهار المتدفّقة سهول الوديان المتواضعة، وتعلن الأدغال عن بهجة الطيور المغرّدة. ترعى الأغنام بأمان وسكينة، وبجوارها حملان صغيرة جميلة تتوسّل بثغائها حنان أمّهاتها. تغنّي راعيات الأغنام أناشيدهن، بينما يعزف الفتى الراعي على المرتفعات وكأنه لن يشيخ أبدا".
بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية، أصبحت أركاديا جزءا من الإمبراطورية البيزنطية الناطقة باليونانية، وهي الفترة التي استلهم فيها فنّانون كثُر مناظرها الطبيعية ورسموها كصورة مثالية للبرّية البكر والبساطة الريفية. وفي العصر الحديث، تُذكر أركاديا لنضالها في حرب استقلال اليونان. وما يزال سكّانها يعيشون الى اليوم في قرى هادئة تتميّز بأناقتها الكلاسيكية وباعتدال مناخها وبعمارتها الحجرية التقليدية.

Credits
archive.org

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مخطوطات قرآنية نادرة

أشهر عشر نساء خلّدهن الرسم

فنجان قهوة