خواطر في الأدب والفن
وكان سحرها محسوسا حتى من بعيد. يقول هيرودوت: إن بلاد الجزيرة العربية بأكملها تفوح منها رائحة التوابل، وتنبعث منها رائحة حلوة ورائعة". ويصرّح ديودوروس أنه حتى قبل أن يرى البحّار سواحل هذه الأرض، تظهر له مباهجها في البحر. وقد حملتْ إليه نسائم الربيع عبير الأشجار ومتعةً تفوق ما وجده في أيّ مكان آخر، فهذه ليست روائح قديمة مخزّنة، بل هي عبير زهور متفتّحة حديثاً.
وكان بليني الأكبر متشكّكا في هذا الكلام، لكنه أعاد سرد القصّة بتفصيل أكبر. يقول إنه تحت أشعّة شمس الظهيرة، تفوح من شبه الجزيرة بأكملها رائحة عطر لا توصف، مزيج من روائح آسرة. وعندما كان أسطول الإسكندر لا يزال بعيدا، علم أنه يقترب من شواطئ الجزيرة العربية.
انتشرت روائح البخور العطرة في مدن وقرى سبأ، وأحاطت بعاصمتها الشامخة. كانت أرضيّات المنازل مصنوعة من أخشاب عطرة، وكانت حِزَم الّلبان وأعواد المُرّ، المشتعلة في المواقد، تمنح البيوت عبيرا دائما. ولموازنة هذه الروائح، جلب العرب من الجنوب صمغاً خاصّا من سوريا. كانوا يحرقونه في وبر الماعز ويجدون في رائحته النفّاذة انتعاشاً.
كانت سبأ مدينة الأحلام والتوابل والذهب. ومن فوق جرف شاهق يطلّ على الأراضي المحيطة، شُيّدت معابدها وقصورها وسط بساتين خلّابة. وجَلبت تجارة قرون لا تُحصى ثرواتٍ طائلة إلى عاصمة البخور. كانت بيوت التجّار تتألّق بالمعادن والأحجار الثمينة. وكانوا يتّكئون على أرائك مطرّزة بالفضّة ويشربون من كؤوس ذهبية مرصّعة بالجواهر.
كانت الجِمال تتّجه شمالا والسفن تبحر شرقا وجنوبا، جالبةً معها ما يكفي لحياة مترفة. وكان ملك سبأ على رأس قائمة المترفين. من مقرّ حكمه في قصر فخم، كان يفصل في جميع النزاعات بسلطة حاكمٍ مطلق. ومع ذلك، كانت حرّيته في التنقّل مقيّدة من قبل طبقة من الكهنة. كان أسير القصر، وإذا تجرّأ على الخروج من ساحاته العطرة وحدائقه الظليلة، هاجمه العامّة بالحجارة وأجبروه على العودة إليه، حَذرا من تحقّق نبوءة مشئومة لعرّافة قديمة.
أما جمع البخور في أرض السبئيين فقد نَسجت التقاليد الكهنوتية حوله عباءة ملفوفة بالخرافات ومفعمة بالخوف. على بعد ثمانية أيّام سفر، في منطقة طولها مائة ميل وعرضها خمسون، كانت تقع البساتين المقدّسة في تربة بيضاء تميل قليلا إلى الحُمرة. هناك، عند طلوع نجمة الكلب، حين يكون الحرّ في ذروته، كان العرب يذهبون ليحفروا شقوقا في الأشجار.
كانت الرغوة الدهنية التي تتجمّع على اللحاء تُترك لتتصلّب ولا تُزال إلا في الخريف. وكان الصمغ الذي يتّخذ شكل قطرات كروية يُسمّى بخور الرجال. وكانت القطع التي تلتصق فيها قطرتان لتشكّلا ما يشبه الثديين تحظى بتقدير أكبر، وكانت تُسمّى بخور النساء.
كان الحصاد، بحكم الحقّ الموروث، امتيازا لعائلات بعينها. وكان يُنظر إلى أفرادها على أنهم مقدّسون. وكانوا ينقلون محاصيلهم إلى العاصمة على ظهور الجمال عبر طريق محدّد، ويُسمح لهم بالدخول من بوّابة واحدة. وكان الخروج عن غير هذا الطريق يُعدّ جريمة. وقد سمع هيرودوت قصّة مفادها أن بساتين الّلبان ومشتقّاته تعجّ بأفاعٍ صغيرة مجنّحة تتشبّث بكلّ غصن، وهي من نفس النوع الذي يوجد في مصر.
وكانت القرفة والكاسيا اللذان يستوردهما السبئيون من الجانب الأفريقي من خليج عدن يُحصدان بصعوبة ومخاطرة، ولا يكون ذلك إلا بعد استئذان الإله. وعندما يُحصد المحصول، كان الكاهن يخصّص نصيب الإله برأس رمح.
وكانت هناك طيور ضخمة تجمع أعواد القرفة لأعشاشها التي كانت تثبّتها بالطين على جدار صخريّ شاهق لا تستطيع قدم الإنسان تسلّقه. وأحيانا كانت هذه الأعشاش تُهدم بسهام من الرصاص. وفي بعض الأحيان، كان التجّار، مثل الباحثين عن الماس في قصّة السندباد، يضعون قطعا كبيرة من اللحم على الأرض، فيتسبّب وزنها في سقوط الأعشاش عندما تحملها الطيور الأمّ إلى صغارها. ثم يعود العرب ليجمعوا القرفة.
وكانت القرفة تنمو على ضفاف البحيرات، حيث كانت تعيش حيوانات مجنّحة تشبه الخفافيش، تُصدر صراخا مرعبا. وكان العرب يغطّون أجسادهم ووجوههم بجلود الثيران، تاركين فتحات صغيرة لعيونهم. وبينما يجمعون اللحاء، كانوا ينشغلون بحماية أعينهم من هجمات الطيور.
وكان أمام هذه الموادّ العطرية رحلة طويلة قبل أن تصل إلى أسواق الجزيرة العربية. كان الإبحار يتمّ عبر مساحات شاسعة من البحر على متن أطواف لم تكن توجّه بدفّة ولا تُحرّك بمجاديف أو أشرعة.
من كلّ هذه القصص نُسجت جغرافية أرض البخور ونظامها السياسي وطقوسها. وما نتج عنها كان احتكارا وسرّا وسحرا دام أمداً طويلا. وفي دخان المذابح، يكاد المرء يلمح معابد هذا العالم الخافت، وفي رنين أجراس التبخير يسمع أجراس الجِمال وهي تتهادى على الدروب القديمة.
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
ومن بين هؤلاء لوكريتسيا بورجيا (1480 - 1519) التي تتمتّع بسمعة سيّئة قد لا تستحقّها. فقد كانت واحدة من أعظم رعاة الفنون على مرّ العصور. وكانت هي وزوجها مسئولين عن جلب بعض أشهر الموسيقيين والرسّامين إلى بلاط فيرارا الإيطالي.
تذكر سارة برادفورد أن لوكريتسيا بورجيا عاشت في كنف الثروة والامتيازات والمؤامرات. ولكن ما الحقيقة وراء حياتها الاستثنائية؟ هل كانت بالفعل وحشاً من القسوة والخداع كما تصوَّر غالبا، أم مجرّد أداة في يد والدها وشقيقها المتعطّشين للسلطة؟
والدها هو رودريغو بورجيا الذي أصبح لاحقا البابا ألكسندر السادس، وشقيقها هو الطاغية سيّئ السمعة تشيزاري بورجيا. وقد أصبحت عائلة لوكريتسيا فيما بعد رمزا للسياسة الميكافيلية القاسية والفساد الذي يُزعم أنه كان سمة مميّزة لبابوية عصر النهضة.
لا تتوفّر معلومات كافية عن لوكريتسيا التاريخية للتأكّد من صحّة الروايات التي تزعم تورّطها الفعلي في جرائم والدها وشقيقها. ومن المؤكّد أن الاثنين رتّبا لها عدّة زيجات من رجال ذوي نفوذ ومكانة، سعيا وراء طموحاتهما السياسية. كانت إيطاليا في ذلك الوقت غارقة في الحروب الداخلية والتحالفات تتغيّر بين عشية وضحاها. لذا، كان تزويج الإبنة من رجل ذي نفوذ وسيلة لتوطيد التحالفات وتعزيز السلطة.
في الفنّ والأدب والسينما، صُوّرت لوكريتسيا بورجيا على أنها منحرفة ومبذّرة ومذنبة بالقتل. ومع ذلك، يؤكّد بعض المؤرّخين أنه لا يوجد في الواقع دليل كافٍ على أفعالها السيّئة المزعومة أو تورّطها الفعلي في جرائم عائلتها. وعلى النقيض، أثبتت جدارتها كدوقة كفؤة وذات شعبية واسعة، إذ كانت راعية لمجتمع فنّي مزدهر، وأدارت شؤون الدولة بمهارة، وكرّست نفسها لأعمال التقوى والخير، خاصّة في سنواتها الأخيرة.
وكما هو الحال مع العديد من نساء تلك الحقبة، فقد استغلّها رجال عائلتها كبيدق في لعبة الشطرنج السياسي. وهذا لا يعني أن لوكريتسيا لم تكن تملك بعض الحيل الخاصّة بها، ولا سيّما خاتمها الفارغ الذي يقال أنها كانت تملؤه بالسم. ولم يُسأ فهمها إلا لاحقا عندما بدأ المؤرّخون بإعادة كتابة قصّة عائلة بورجيا لأغراضهم الخاصّة، ومن هنا ولدت أسطورة "لوكريتسيا السيّئة".
وهناك اعتقاد بأن لوكريتسيا بورجيا هي التي تظهر في اللوحة "فوق" للفنّان الإيطالي بارتولوميو فينيتو. كان فينيتو متأثّرا بليوناردو دافنشي ومتخصّصا في رسم البورتريهات. وقد عمل زمنا في بلاط فيرارا وعُهد إليه بمهمّة تزيين بعض غرف القصر.
هذه الصورة قد تكون جزءا من أسطورة لوكريتسيا. وقد رسمها الفنّان في هيئة "فلورا" إلهة الربيع، وهي تظهر بزيّ خيالي وبغطاء رأس وشعر مستعار، بينما تمسك بباقة أزهار في يدها اليمنى. كما أنها رُسمت كامرأة فاتنة، وهو دور ظهرت به في العديد من الأعمال الفنّية والروايات والأفلام. وقبل سنوات، جُسّد أفراد عائلة بورجيا، بمن فيهم لوكريتسيا، في مسلسلين تلفزيونيين تناول حياتهم وعصرهم.
Credits
archive.org
staedelmuseum.de
archive.org
staedelmuseum.de

