نصوص مترجمة
قبل أكثر من 2500 عام، في الصين القديمة، كان أهل "لو" يُحرقون المستنقعات لتطهيرها. وفجأة هبّت ريح شمالية عاتية وانتشر الحريق بسرعة جنوبا، مهدّدا بابتلاع العاصمة بأكملها. فزع الحاكم وسارع بنفسه إلى الموقع ليقود جهود إخماد الحريق. إلا أن الناس من حوله تفرّقوا، ليس لإطفاء النار، بل لمطاردة الوحوش البرّية الهاربة من الحريق.
وفي حال من اليأس، استدعى الحاكم شيخ الدولة المحترم، أي الفيلسوف كونفوشيوس، وسأله عن سبب تجاهل شعبه لتلك الأزمة الوطنية. وشرح كونفوشيوس الموقف بمنطق بارد ودقيق فقال: إن مطاردة الوحوش البرّية ممتعة وتؤدّي إلى صيد ولا يترتّب عليها أيّ عقوبة. أما مكافحة الحريق فعملية مؤلمة وخطيرة ولا تجلب أيّ منفعة أو مكافأة".
بالنسبة للناس، كان صيد الوحوش خيارا مجزيا "لحم مجّاني" وخاليا من المخاطر. أما مكافحة الحريق فكانت خيارا عالي المخاطر "حروق وإرهاق" وخاليا من أيّ عائد فوري. والطبيعة البشرية تختار دائما الطريق الأسهل والأعلى عائدا على المدى القصير.
حلّل كونفوشيوس الواقع وقال للحاكم: الوضع بالغ الخطورة. صرف المكافآت لكل فرد أمر مستحيل. ولو كافأنا كلّ من يكافح الحريق، فإن خزينة الدولة لا تملك الأموال الكافية. ولأننا لا نملك الوقت للحوافز الإيجابية، أرجو أن تأذن لي باستخدام العقوبات بدلاً من ذلك."
وافق الحاكم على الفور. وهنا أثار كونفوشيوس آلية علم السلوك المعروفة بـ "النفور من الخسارة". فالخوف البشري من فقدان شيء ما يفوق بكثير الرغبة في الحصول على شيء ذي قيمة مماثلة. وبالمقارنة مع وعد بمكافأة مستقبلية، فإن التهديد المباشر بالموت يغيّر السلوك فورا.
وأصدر كونفوشيوس على الفور مرسوما مثيرا للخوف ينصّ على أن "كلّ من لا يشارك في إخماد الحريق سيعامَل كهاربٍ من ساحة المعركة ويُحكم عليه بالإعدام! وكلّ من يستمرّ في مطاردة الوحوش البرّية سيعامَل كمجرم متعدٍّ على أراضي الغير"!
ومن خلال إعادة صياغة جذرية لهندسة الاختيار، غيّر كونفوشيوس المعادلة في ثوان. فجأة، أصبح "اللحم المجّاني" مشروطا بالإعدام. والنتيجة أن النيران أُخمدت قبل أن ينتشر المرسوم في أرجاء المدينة.
في المرّة القادمة التي تواجه فيها أزمة إدارية، تذكّر هذا الدرس: لا تتسرّع في إلقاء اللوم على الناس، بل أصلح مصفوفة العوائد أوّلا. ج. جين
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
لو وضعت زهرة جميلة في وسط كومة كبيرة من القمامة، فإن النحلة ستتمكّن من رؤيتها من وسط هذه الكومة، وسوف تذهب إليها لتمتصّ رحيقها لتصنع منه عسلاً للبشر. النحل البشري يرى ألف حلّ لكلّ مشكلة. وإذا وضعت صندوق قمامة صغيرا جدّا وسط حقل من الزهور، فإن الذبابة ستتبع كومة القمامة الصغيرة لتنقل مرضا خطيرا إلى البشر. الذبابة البشرية ترى بليون مشكلة لكلّ حل.
من أصيب بعين الذباب لا يرى في هذه الأرض إلا الشرّ والعفن، تراه دائماً يتلاعب، ينقل الشائعات والنميمة، لا يرى إلا المصائب، والناس كلّهم عنده أشرار، والحياة عبارة عن متاعب وآلام.
الذبابة البشرية تزعجك وترهقك، وتدمّرك بانتقاداتها وتعليقاتها المستمرّة، لا يعجبها أيّ شيء تراه فيك. ولا ترى المساحات البيضاء الواسعة الجميلة، بل تلاحظ نقطة سوداء مختفية في أقصى طرفها. الإنسان الذبابة ينتقد دائما، شعاره "أنا أنتقد، إذن أنا موجود"! ونادرا ما يوفّر أحدا من انتقاداته.
الذبابة البشرية هي أقوى أسلحة الدمار الشامل، ولسانها عبارة عن مدفع رشّاش سريع النيران مزوّد برصاص حارق وقنابل خارقة ومتفجّرات. للأسف أصبحنا مدمنين على النقد والشكوى والتذمّر، لدرجة أننا أصبحنا في معظم الأوقات مجرّد ذباب بشري.
لتكن عيناك كعيني النحلة، ولا تنظر للحياة بعين الذبابة التي لا ترى إلا كلّ ما هو سلبي وقبيح. ع. حبش
❉ ❉ ❉
ما الذي دفع الكاتب الصاعد وقتها تولستوي للذهاب إلى سويسرا أثناء رحلاته عبر أوروبّا الغربية في ربيع عام ١٨٥٧؟
لم تكن زيارة جمهورية جبال الألب ضمن خططه في البداية. كان الأمر أشبه بالهروب منه بالسياحة. كان تولستوي يفرّ من باريس إلى جنيف، هرباً من الموت. كان الكاتب الشابّ قد عاد لتوّه من الحرب في روسيا، حيث شهد العديد من حالات الوفاة، لكن هذه كانت وفاة من نوع خاص.
في صباح أحد أيّام أبريل، كان ضمن حشد من المتفرّجين يراقبون آلية عمل المقصلة. وانتهى الأمر بقطع رأس رجل يُدعى ريشو، أُدين بقتل شخصين بقصد السرقة. وفي اليوم نفسه، كتب تولستوي إلى أحد أصدقائه: لقد رأيت أهوالا كثيرة في الحرب وفي القوقاز أيضا. ولكن لو مزّقوا رجلا إرَبا أمامي، لما كان ذلك مقزّزا بقدر هذه الآلة الأنيقة والمتطوّرة التي استخدموها لقتل رجل قويّ، نضِر، معافى في لحظة واحدة.
ثم كتب تولستوي في مذكّراته فيما بعد عن تلك الحادثة يقول: المقصلة لم تدعني أنام طويلا، وأجبرتني على النظر إلى الوراء". أصبح تولستوي يعاني من الكوابيس ولا يستطيع النوم، وأخبر أصدقاءه بذلك. كتب أحدهم عن حاله: كان يحلم بالمقصلة. بدا له أنه يُعدم هو نفسه، وعندما استيقظ وجد خدشا على رقبته، الأمر الذي أثار رعبه، وفسّر ذلك بأن الشيطان هو من خدشه. لقد قطعت المقصلة كلّ حياة تولستوي السابقة بضربة واحدة".
في سنواته الثماني والعشرين الأولى، رأى تولستوي وعايش الكثير، وبما يكفي أيّ شخص آخر مدى الحياة. أصابته الجامعة بخيبة أمل فترك الدراسة. وهكذا سيكون الحال مع كلّ ما سيمرّ به. لم يستطع أن يكون مثل الآخرين ويجعل أيّ مهنة قضية حياته. سيتخلّى عن الجيش والتدريس وإدارة ممتلكاته وأنشطته في مجلس الحكم المحلي.
ولم ينجح إلا في شيء واحد: تأليف الكتب. لكن حتى هذه المهنة حاول التخلّي عنها أكثر من مرّة، حتى بعد نجاح كتابه الأوّل الذي أصبح بعد نشره أحد أبرز كتّاب روسيا. في كتابه "اعتراف"، استذكر تولستوي كيف وصل إلى سانت بطرسبورغ في سنّ السادسة والعشرين بعد حرب القرم، وكيف قُبل في حلقة أدبية: كانت نظرة هؤلاء الناس، رفاقي في الكتابة، إلى الحياة في مجملها، أن الحياة في تطوّر مستمر وأننا نحن المفكّرين نلعب الدور الأكبر في هذا التطوّر. ومن بين جميع أصحاب العقول، فإننا نحن الفنّانين والشعراء الأكثر تأثيرا".
Credits
biography.com
archive.org
biography.com
archive.org


