أسلاف الكاتب


  • في هذا الكتاب، يدعونا المؤلّف إلى التفكير في كيفية الوصول إلى الماضي وتذكّر الموتى، وكيف يقوم الكاتب بهذا الاستعادة الحقيقية، وإن كانت بالضرورة خيالية. جيمس وود

    أثناء كتابته عن أسلافه من الكتّاب الذين عرفهم من خلال كتاباتهم، يكشف وينفريد سيبالد الكثير عن نفسه. فهو يُطلعنا على طبيعة فضوله وشغفه وتحيّزاته. كما يحاول استنباط نظرية لتاريخ أوروبّا خلال القرنين التاليين للثورة الفرنسية وإمبراطورية نابليون. ومن خلال مساعيه كمستهلك ومنتج للأدب، يضع المؤلّف أخلاقيات للكتابة قد تصبح جزءاً بالغ الأهمية من إرثه الفكريّ والإنساني.
    كتاب سيبالد "مكان في الريف" يشبه جولةً في مكتبة متنقّلة. وهذه المكتبة تضمّ روائيين وشعراء مثل روبرت فالسر وجان جاك روسّو والكاتب الألماني المولود في سويسرا غوتفريد كيلر والشاعر الألماني إدوارد موريكا، بالإضافة الى الرسّام يان بيتر تريب.
    ولا تستغرب إن كانت معظم هذه الأسماء غير مألوفة لك. أحيانا تكون قراءة معلومات عن كتّاب لم تسمع بهم من قبل أكثر متعةً من قراءة كتبهم. وجميع هؤلاء الكتّاب من المناطق الناطقة بالألمانية في سويسرا وجنوب ألمانيا. ولا يتبع أيّ منهم التقاليد الأدبية التي كانت سائدة في عصرهم.
    يتألّف الكتاب من مقالات كتبها سيبالد تكريما لبعض الكتّاب والفنّانين الذين كان يقدّرهم كثيرا خلال مسيرته الأدبية. كان هو نفسه قارئا شغوفا. ويمكن العثور على بعض من أفضل كتاباته في مزيجه هذا المميّز والشبيه بلوحة فنّية مركّبة من نصوص شتّى. كما أنه ابتكر نوعا أدبيا خاصّا به، عبارة عن مزيج حالم من أدب الرحلات والبحث الأكاديمي والمذكّرات والتاريخ السرّي. لذا فإن تكريمه لبعض الفنّانين الذين ألهموه أمر لا بدّ أن يكون مرهقا بعض الشيء ومظلماً نوعا ما.
    واللافت في كتابات سيبالد، مهما كان موضوعها، هو سخاؤه في التعبير عن أفكاره واهتماماته. فقد كان يتمتّع بعبقرية في إظهار تواضعه الصادق، وهو أمر نادر بين الكتّاب، كما بين عامّة الناس. ومن المثير للإعجاب أنه لا يُملي عليك ما تفكّر به، أو حتى ما يفكّر به هو شخصيّا، بشأن لوحة أو منظر طبيعي. بل يتأمّل في الموضوع المطروح من خلال أعمال الآخرين. وبعبارة أخرى، كتابة سيبالد هي عملية فهم، وبنهاية أحد استطراداته المميّزة، ربّما يجد القارئ نفسه وقد ابتعد كثيرا عن نقطة البداية.
    عندما تقرأ سيبالد، لا تتذكّر شخصيته بحدّ ذاتها، بل تتذكّر أسلوبه: كيف يصف الأشياء من حوله، وكيف يُضفي على تفاصيل الحياة العابرة طابعا شعريّا. وهو من نوعية الكتّاب الذين يثيرهم ما يكمن في هوامش اللوحة أكثر من الشخصيات الظاهرة فيها.
    فعندما يتأمّل لوحات صديقه الرسّام جان تريب، تحرّكه التفاصيل أكثر من المظهر الخارجي المبهر: قفّاز أحمر، عود ثقاب محترق، بصلة لؤلؤية على لوح تقطيع. هذه الأشياء تحمل في طيّاتها جوهر الزمن، وكأنها مخلّدة إلى الأبد بفضل الدقّة المتناهية والشغف الذي يُظهره الفنّان.
    في بعض الأحيان، يشعر القارئ بتراجع نفور سيبالد المعتاد من الإفصاح عن ذاته. فعندما يشير إلى أن الأشياء في لوحات تريب تحمل "صفة التذكارات: أشياء تتجسّد فيها الكآبة"، تُلقي هذه الملاحظة الضوء على بعض ما يحرّك أعمال سيبالد نفسه، لا سيّما السرد المفعم بالحزن في بعض رواياته. كان تريب معاصرا لسيبالد وصديقا له منذ أيّام الدراسة، وقد رسم لوحات واقعية، وإن كانت تحمل طابعا حزينا، ما يجعله أقرب روحا إلى رفيق طفولته.
    وسيبالد لا يكتب عن ديناميكية العظماء أو معاناة العشّاق الذين لم يكتب لهم القدر أن يجتمعوا. بل يميل أكثر إلى تصوير ما هو غير بطولي، مفضّلا الإخفاقات المتواضعة والغرائب على سرد التاريخ الشامل. مثلا، قد تتوقّع أن تكون مقالته عن أيّام جان جاك روسو الأخيرة في سويسرا عن هوس الأخير بالعقد الاجتماعي أو عن قصيدة له في مدح جمال الإنسان البدائي النبيل. لكننا بدلا من ذلك، نتابع الفيلسوف، الذي أسيء فهمه كثيرا، أثناء نزهاته قرب بحيرة جنيف، حيث يجد العزاء في الطبيعة والعزلة.
  • ❉ ❉ ❉

    ❉ ❉ ❉

    وتتحوّل المقالة إلى تأمّل مؤثّر في حدود الفكر وصعوبة العثور على السلام في الحياة الذهنية. قرّر سيبالد زيارة جزيرة سان بيير وأقام في غرفة مجاورة لغرفة روسو، وقضى ساعات ينظر من نافذة الفيلسوف. وسيبالد يكتب عن الجزيرة باعتبارها ملاذا مثاليّا يبعث على الراحة والاستجمام. وقد وجد فيها "سكونا نادرا ما يوجد في أيّ مكان في عالمنا المتحضّر". وتصبح الجزيرة عنده أشبه ما تكون بفردوس مصغّر أو جنّة عدن.
    ثم يكتب قائلا: شعرت بأنني نُقلت إلى عصر سابق، وهو وهْم استمتعت به أكثر، لأن الجزيرة ما زالت تحتفظ بنفس جودة الصمت الذي كان موجودا في كلّ مكان في العالم قبل قرن أو قرنين من الزمان. في المنطقة المحيطة التي تغطّي سفوح التلال، كانت هناك بساتين من أشجار الكستناء التي كان روسو يستريح تحت ظلالها برفقة كلبه".
    ويضيف واصفا مكان إقامته: تطلّ الغرفة التي حجزتها في الفندق على الجانب الجنوبي من المبنى وتجاور مباشرة الغرفتين اللتين شغلهما روسو عندما وجد ملجأً هنا في سبتمبر 1765، أي قبل حوالي مائتي عام. وفي الأيّام القليلة التي قضيتها في الجزيرة، وأمضيت خلالها ساعات عديدة جالساً بجوار النافذة في غرفة روسو، لم يدخل هذه الغرفة ذات الأثاث البسيط سوى شخصين.
    وقد بدت على الشخصين خيبة الأمل من قلّة ما يمكن رؤيته، لذا غادرا بسرعة. ولم ينحنِ أيّ منهما لينظر إلى واجهة العرض الزجاجية محاولا فكّ رموز خطّ روسو، ولم يلاحظ أحد كيف أن ألواح الأرضية الخشبية الباهتة مهترئة في منتصف الغرفة. ولم يلاحظ رائحة السخام التي لا تزال عالقة في الموقد، ولم يتوقّف أحد لينظر من النافذة المطلّة على البستان والمرج وعلى الشاطئ الجنوبي للجزيرة".
    كان روسو قد ذهب إلى هناك لأنه كان هارباً. فبعد اتّهامه بمعاداة الدين، مُنعت كُتبه، بل وأحرقت في بعض الأماكن. وخلال سنوات منفاه، تنقّل بين أماكن عديدة، إحداها هذه الجزيرة. سيرته الذاتية تصفه بأنه كان مولعا بالكتابة، لدرجة أنه أنتج آلاف الصفحات من النثر والشعر والمسرحيات حتى أثناء فراره من الشرطة السرّية. كان يعاني من دافع قهري للكتابة، وربّما كان مدفوعا بمرض نفسي. إلا أن هذا الدافع، بحسب سيبالد، زال عنه أثناء وجوده في الجزيرة. هناك، اكتفى بمراقبة الطبيعة، وكان يحلم بالتخلّص من العمل الفلسفي والتفرّغ لدراسة النباتات المحلية.
    ينطبق الشيء نفسه على روبرت فالسر، الكاتب الذي يظهر في سرديات سيبالد النثرية كنقطة محورية في رؤيته الأدبية. ويعود الفضل جزئيا إلى سيبالد في أن روايات فالسر، بأسلوبها البسيط والعفوي والمؤثّر، بدأت تجد جمهورا في أمريكا الشمالية خلال السنوات القليلة الماضية. في عصره، كان فالسر من نوعية الكتّاب الذين لا يعرفهم إلا الكتّاب الآخرون. كان كافكا ووالتر بنجامين يكنّان له إعجابا كبيرا، وقال هيرمان هيسه ذات مرّة إنه لو كان لفالسر مائة ألف قارئ، لكان العالم مكانا أفضل.
    ومن خلال تحليلات سيبالد لحياة وأعمال الشخصيات التي تناولها، يتّضح إنهم يعانون جميعهم من النفي الجغرافي، ويتمّ تجاهلهم أو استهجانهم في أوطانهم، ولا يتمتّعون دائما بصحّة عقلية وجسدية سليمة، بل يعانون من نوع من الاغتراب عن ذواتهم، وكثيرا ما يرحلون وحيدين.
    حظيت مخطوطات فالسر الصغيرة، المكتوبة بخطّ يد يكاد يكون غير مقروء، باهتمام بالغ. ليس فقط لأنها مثال على صعوبة الكتابة وما قد تكلّفه في نهاية المطاف، بل يوضح سيبالد أنها "عمل من أعمال التحصين والدفاع الفريدة من نوعها في تاريخ الأدب، والتي من خلالها يمكن إنقاذ أصغر الأشياء وأكثرها براءةً من الدمار في الأزمنة التي تلوح في الأفق". قد يبدو هذا الكلام مبالغا فيه أو دراميّا بعض الشيء، لولا حقيقة أن فالسر كان يكتب أثناء وجوده في مصحّة نفسية في ثلاثينات القرن الماضي.
    وربّما كان سيبالد يصف نفسه دون قصد عندما أشار بدقّة إلى فالسر على أنه "خبير بالتفاصيل الصغيرة". إنها جملة رائعة تعبّر عن فالسر بقدر ما تنطبق على سيبالد أيضا. ففي مقالات كتاب "مكان في الريف"، نلمس إحساسا عميقا بما قد يكون عليه هذا الوصف، وما قد يشير إليه بشأن أعمال سيبالد ككل. وإذا كان هناك ما يضمن مكانة سيبالد الراسخة ككاتب بارز، فهو بلا شك قدرته على بثّ تعاطف فطري مع الضائع أو المنسي.
    وهذا الشعور هو ما يدفعنا للحزن على عدم وجود المزيد من مقالاته، بسبب حادث السيّارة الذي أنهى مسيرته الأدبية الرائعة. وفي الوقت نفسه، يبدو من المناسب تماما أن يكون كتابه عن كتّابه المفضّلين بمثابة أفضل ختام لمسيرته.
    ورغم أن الموضوع الرئيسي للكتاب يبدو وكأنه مسار التاريخ المنحني نحو الكارثة، إلا أن هناك الكثير مما يمكن الاستمتاع به. فالمتعة في العالم الطبيعي وخصوصيات الحياة اليومية تظهر مرارا وتكرارا. إنها رؤية إنسانية عميقة، وإن لم تكن تبعث على الراحة دائما.

    Credits
    archive.org
    wgsebald.de

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة

    مخطوطات قرآنية نادرة

    اللوحات العشر الأكثر ترويعاً وعُنفاً

    أساطير قديمة: العنقاء