المشاركات

نساء الاوديسّا

صورة
في ملحمة الاوديسّا، يقدّم هوميروس نماذج متعدّدة ومختلفة للنساء وللكيفية التي كان ينظر بها المجتمع الأبويّ الإغريقي إلى المرأة. في ذلك الوقت لم تكن النساء يتمتّعن بالكثير من الحرّية. كما كان الهامش المتاح للمرأة في اختيار طريقة حياتها ومستقبلها ضئيلا. كانت المرأة المثالية عند الإغريق عموما هي تلك الوفيّة لبيتها والمطيعة لأوامر زوجها. لكن الاوديسّا تتضمّن أفكارا أخرى كثيرة. والملحمة نفسها تتمحور حول رحلة اوديسيوس التي يرصد هوميروس من خلالها مراحل التطوّر الفكري والروحي التي يمرّ بها البطل في رحلته. كما تتناول بعض القيم التي كانت سائدة زمن هوميروس مثل الوفاء والعزيمة وكرم الضيافة وما إلى ذلك. ❉ ❉ ❉ حدث ذات مرّة أن قذف الموج برجل في منتصف العمر على شاطئ جزيرة منعزلة. قبل 19 عاما، كان اوديسيوس قد بدأ رحلته من موطنه ليحارب في طروادة. لكن طروادة كانت قد سقطت قبل ذلك بـ 10 سنوات. والآن مضت تسع سنوات أخرى ولم يصل اوديسيوس بعد إلى موطنه إيثيكا، حيث تنتظره زوجته بينيلوبي وابنه تيليماكوس. الرحلة من طروادة تستغرق عادة ثلاثة أسابيع عبر بحر ايجه وصولا إلى ساحل الب...

الإنترنت والعقل النمَطي

صورة
حتى الآن لم أجد في الآيبودز أو الآيبادز أو الآيفون أو البلاك بيري وغيرها من ابتكارات التكنولوجيا الرقمية الجديدة ما يحفّزني على اقتناء أيّ منها، لا لأسباب مادّية بل لاعتبارات ذاتية أو موضوعية غالبا. وكثيرا ما أقول لنفسي إن الانترنت وحدها تكفي بل وتزيد عن الحاجة. فهذا السيل من الأخبار والمعلومات التي تنهمر علينا من شاشة الكمبيوتر كلّ ساعة بل كلّ دقيقة كفيل لوحده بتشويش الذهن وتشتيت الانتباه وصرف الأنظار عن أمور قد تكون أولى وأكثر نفعا. ناهيك عن أن كثيرا من الأشياء التي نستقبلها عبر الانترنت لا تعدو كونها ضربا من التسلية والبعض الآخر ينقصها التوثيق والمصداقية، كما أنها لا توفّر للإنسان ما يمكن أن يثري فكره أو يرتقي بوجدانه وذوقه. ويمكن أن يكون هذا أحد الأسباب في أنني لم أتحمّس لحدّ الآن لـ الفيس بوك أو التويتر أو النت لوغ وغيرها من الشبكات الاجتماعية. ورغم أنني سجّلت في بعض هذه المواقع من باب المواكبة وليس اقتناعا بمضمونها أو جدواها، إلا أنني لا ارتادها إلا مرّة أو مرّتين في الشهر على أحسن تقدير. وأحيانا أتعجّب من قدرة بعض الناس على التعامل مع كل هذه المنافذ بكثير من الحماسة والحرص وأتسا...

جماليّات الحزن

صورة
أحد الملامح القديمة في الفنّ الغربي هو تحويل الحزن والكآبة إلى فرح وطاقة للانطلاق والإبداع. والهيئة الأكثر شيوعا في الحالات التي تتناول موضوع الكآبة والحزن هي صورة إنسان، رجل أو امرأة، يضع يده على خدّه وهو مستغرق في التفكير والتأمّل الحزين. الفلاسفة والأدباء منذ القدم ينظرون إلى الحزن على انه دعوة خلاقة للإنسان كي يرتفع فوق ذاته ويستغلّ إمكانياته. وهناك من يعتقد أن الحزن يجعل الشخص أكثر إنسانية وشفافية وأكثر إحساسا بإيقاعات الحياة المختلفة من فرح وترح ورجاء ويأس وحياة وموت.. إلى آخره. وهناك أيضا من يرى أن الإنسان لا يصبح مكتمل الإنسانية إلا من خلال المعاناة والحزن. الحزن يمكن أن يلهم الإنسان ويقوّي مخيّلته ويجعله أكثر ارتباطا بالعالم من حوله. الشاعر البريطاني جون كيتس تحدّث كثيرا عن فائدة الألم. قال ذات مرّة: الحزن لا يمكن تجنّبه، وهو ليس ضعف إرادة ولا مرضا نفسيا بحاجة إلى علاج". كيتس اكتشف أيضا أن الحزن يلهم الأفكار العظيمة. "ما يجعلنا نحزن هو معرفتنا بأن كلّ شيء مصيره إلى زوال. لكن عندما نحسّ بدنوّ الموت فإننا ندرك كم هو جميل هذا العالم". الموسيقي الألماني فريدريك...

ظاهرة العمى في فنّ بيكاسو

صورة
العمى عاهة خطيرة. فالعينان هما نافذة الإنسان على العالم. والإبصار مهمّ لبقاء الدماغ نفسه. وبدون الإبصار، يبدأ الدماغ في نسيان العالم ويفقد الإنسان إحساسه بالواقع. الأدب والفنّ الغربيان اهتمّا بظاهرة العمى منذ القدم. الأديب الأرجنتيني جورجي بورخيس عانى من العمى التامّ لبضع سنوات. ووصف تجربته تلك في بعض كتاباته. وقد حرمه العمى من رؤية جميع الألوان، وفي طليعتها الأحمر والأسود. وكان يرى الليل على هيئة ضباب باهت من الأزرق والأخضر. والروائي البرتغالي خوسيه ساراماغو كتب هو الآخر رواية عن مدينة يتعرّض سكّانها للعمى ولا يبقى منهم سوى شخص واحد مبصر. والفيلسوف الفرنسي دينيس ديديرو ألّف كتابا مشهورا بعنوان "رسالة حول العميان" تطرّق فيه إلى العمى بمعناه الرمزي والمجازي. في العصور الوسطى، كان الرسّامون يصوّرون العمى على انه مظهر من مظاهر ضعف الإنسان أمام جبروت الله أو عقوبة من الله على آثام وخطايا الإنسان. وبطبيعة الحال كان الهدف من ذلك تكريس الأفكار المسيحية وتذكير الإنسان بما يجب أن يكون عليه حال المؤمن. في عصر النهضة اختفت الحمولة الدينية لمفهوم العمى وأصبح الإبصار رديفا للمعرفة، ...

نشيد الفرح

صورة
يقول الموسيقي ليونارد بيرنستاين الذي درس بيتهوفن كثيرا وعزف موسيقاه وعاش في بيته وتنقّل في الأماكن التي كان يرتادها: موسيقى بيتهوفن تثير المشاعر وتروق لكلّ الناس. لقد اثبت بيتهوفن الطبيعة العالمية للموسيقى عندما كتب أعمالا تتحدّث إلى جميع الناس، كبارا وصغارا وعلى اختلاف أديانهم وتنوّع خلفياتهم وثقافاتهم. سيمفونيته التاسعة تذهب إلى آفاق تتجاوز الشعر، إذ تتحدّث عن الحرّية والمحبة والأخوّة الإنسانية مثيرة شعورا بالسموّ والنبل. كما أنها أيضا تكشف عن الطفل الذي لم يكبر أبدا داخل بيتهوفن بحديثها عن الأمل والتفاؤل والبراءة والمستقبل والخلود. يستحيل أن تستمع إلى هذه السيمفونية دون أن تغيّرك لتصبح أكثر إشراقا وتفاؤلا وأكثر ثراءً من الناحية الوجدانية. السيمفونية التاسعة ليست مجرّد عمل موسيقي وإنما يمكن اعتبارها احتفالا بالموسيقى نفسها. السيمفونية التاسعة هي ولا شكّ أعظم سيمفونيات بيتهوفن. وكلّ شخص، تقريبا، يعرف نشيد الفرح الذي يغنّيه الكورال في ختام السيمفونية. تضمين بيتهوفن نشيد الفرح للشاعر شيللر يُعتبر في حدّ ذاته تحوّلا جريئا باتجاه الموسيقى الرومانسية. كان بيتهوفن معجبا بـ شيللر. وبع...

-----

----

رحلة إلى شانغريلا

صورة
هناك من الكتب ما تقرأه ويظلّ حاضرا في الذهن حتى بعد انقضاء وقت طويل على قراءته. هذا الوصف ينطبق على رواية الكاتب البريطاني جيمس هيلتون بعنوان "الأفق المفقود". ورغم انقضاء سنوات طويلة على قراءتي تلك الرواية المشوّقة، إلا أنني ما زلت أتذكّر الكثير من الصور والمواقف التي تضمّنتها. وأزعم أن الأجواء الغرائبية والساحرة التي ذكرها هيلتون في روايته أسهمت إلى حدّ كبير في صياغة وتشكيل نظرتي إلى الصين وإلى الثقافة الصينية بوجه خاص. رواية الأفق المفقود تتحدّث عن رحلة يقوم بها أربعة مغامرين غربيين إلى مكان يقال له شانغريلا يقع في بقعة نائية من بلاد الصين. وشانغريلا، كما تصفها الرواية، عبارة عن واد اخضر فسيح يقع وسط الجبال ويمتدّ إلى أعالي سهول الهمالايا الواقعة داخل الحدود الصينية. ويتصف ذلك الوادي بهوائه العليل وسمائه الزرقاء وسحبه البيضاء التي تكاد تعانق وجه الأرض. أما البشر الذين يسكنونه فيتميّزون بكرم الضيافة والبساطة والأمانة والدفء الإنساني. ويسرد الروائي أحداث قصّته في قالب جميل يجمع بين النوستالجيا والرومانسية والحزن، ويثير في النفس مشاعر وانفعالات متباينة تخاطب توق الإنسان...