المشاركات

مشاهد من الحياة اليومية

صورة
وليام ميريت تشيس، ساعات خاملة، 1894 بين عامي 1891 و 1902، عثر وليام تشيس على مواضيع جديدة للوحاته خارج الأبواب وفي الهواء الطلق في ساوثهامبتون بـ لونغ آيلاند، حيث كان يشرف على المدرسة الصيفية للفنون في شينيكوك هيلز. في هذا المشهد الذي التقطه من فوق الكثبان الرملية الوعرة على طول خليج شينيكوك، رسم الفنّان أربعة نماذج متكرّرة: امرأة تعتمر قلنسوة حمراء "ربّما كانت زوجته"، واثنتين من بناته، بالإضافة إلى إحدى شقيقات زوجته. وتشيس يدعو الناظر لملء الأشكال غير الواضحة ومحاولة إكمال القصّة المتضمّنة في اللوحة. "ساعات خاملة" هي لوحة نموذجية عن سكّان الحواضر الذين يستمتعون بخلواتهم في الضواحي. كما أن فيها تلميحا إلى ازدياد أوقات الفراغ نتيجة ازدياد وتيرة التحضير والتصنيع. في ذلك الوقت أصبحت النساء يشكّلن غالبية روّاد المنتجعات الصيفية. وكنّ يفضّلن قضاء وقت التسلية على الشطان الآمنة، بينما كان أزواجهن منصرفين للاهتمام بأعمالهم في المدينة. السرد في هذه الصورة بسيط مثل بساطة ملاحظة منسوبة إلى هنري جيمس قال فيها: "ظهيرة صيفية. بالنسبة إليّ هاتان الكلمتان هما الأكثر جما...

عبَق الماضي

صورة
تذكر بعض المصادر التاريخية أن بلقيس ملكة سبأ، عندما ذهبت لزيارة الملك سليمان حوالي القرن العاشر قبل الميلاد، حملت له معها عددا من الهدايا الثمينة كان من ضمنها بعض العطور النادرة والنفيسة. كما يقال أن حتشبسوت، الملكة المصرية القديمة، اقترن اسمها بعطر خاص جمعت مكوّناته بنفسها من الأزهار البرّية النادرة. هذا كلّه أصبح تاريخاً، كما يقال. لكن من يتخيّل أن العطور التي كانت تضعها بلقيس وحتشبسوت وكليوباترا ونابليون وغيرهم من الشخصيات التاريخية يمكن أن يعاد بعثها وتصنيعها هذه الأيّام بنفس مكوّناتها ونِسَبِها التي كانت عليها قبل آلاف السنين؟ ليس هذا فحسب، بل لقد أصبح بإمكان التكنولوجيا الحديثة وشركات صنع العطور إعادة إحياء رائحة زهرة نادرة، حتى عندما تكون الزهرة قد انقرضت منذ مئات السنين، كما تقول الكاتبة كورتني همفريز. هل يمكنك تصوّر انك يمكن فعلا أن تشمّ رائحة الماضي؟ الحقيقة أن التكنولوجيا على وشك أن تجعل ذلك أمرا ممكنا. والمؤرّخون والعلماء وشركات صنع العطور بدءوا يأخذون مأخذ الجدّ فكرة النظر إلى الروائح مثلما ننظر إلى التحف التاريخية. وهم يبذلون جهودا حثيثة لتمكين إنسان هذا العصر...

أمام المرآة

صورة
هذه اللوحة اسمها فينوس أمام المرآة لرسّام عصر الباروك بيتر بول روبنز. المرآة تلعب دورا أساسيّا في اللوحة. فهي التي تعطي المرأة إحساسا بالهويّة والذات. لاحظ كيف أن الرسّام حجب معظم ملامحها عن الناظر بحيث لا يظهر وجهها إلا في المرآة الصغيرة التي يمسك بها الطفل. ثم إنها لا تنظر إلى وجهها في المرآة، بل تحدّق مباشرة في الناظر وكأنها تكشف له من خلال تلك النظرة عن جانب من ذاتها الحقيقية. من الناحية التقنية، تُظهر اللوحة براعة روبنز في تصوير العضلات وانثناءات الجسد وفي اختيار الألوان وقيم الضوء والظلّ المناسبة التي تعكس تفاصيل جسد الأنثى التي ترمز لـ فينوس إلهة الجمال القديمة. واللوحة تذكّر بلوحتين أخريين مشهورتين تلعب فيهما المرآة أيضا دورا رئيسيا، الأولى لـ فيلاسكيز و الثانية لـ تيشيان. المرآة كانت وما تزال موضوعا مفضّلا في الرسم. وهناك العشرات، بل المئات من الأعمال الفنّية التي تشكّل المرآة عنصرا أساسيا فيها. لكن لماذا كلّ هذا الاهتمام بالمرآة في الفنّ والأدب والفلسفة؟ السبب يتمثّل في حقيقة أن ابتكار المرآة كان نقطة تحوّل مهمّة في نظرة الإنسان إلى نفسه ووعيه بذاته لأنها جعلته...

متاعب الطبقة الوسطى

صورة
كيف يمكن أن نعرّف الطبقة الوسطى في أيّ مجتمع؟ في الواقع لا يوجد تعريف شامل ودقيق لهذه الطبقة. لكن عافيتها تُقاس بنسبة ما يكسبه أفرادها من دخل ومدى الاستقرار الماليّ الذي يتمتّعون به. غير أن هذا رهن بتوفّر اقتصاد يحقّق نموّا معقولا ويولّد ثروة يستفيد منها أفراد هذه الطبقة بما يتناسب مع حجمها. أما العوامل التي تؤثّر على أفراد هذه الطبقة سلباً فكثيرة. لكن أهمّها جشع قطاع الأعمال ووجود نظام تعليمي سيء وتضخّم البيروقراطية وتوزيع الدخل بطريقة غير عادلة. منظّرو علم الاجتماع السياسي يقولون إن الطبقة الوسطى هي الحاضنة للفئات الحيّة في أيّ مجتمع، من ‏مثقفّين وتكنوقراط ومبدعين.‏ ويقولون أيضا إن اختفاء هذه الطبقة أو تلاشيها من شأنه أن يحكم على ‏أيّ مجتمع بالجمود، لأنها تختزن بداخلها كلّ الأفكار الحيّة التي تحفّز على التغيير والإصلاح والتجديد.‏ ويقال كذلك أن لا استقرار سياسيا أو اقتصاديا من دون طبقة وسطى ‏كبيرة ومنتجة ونشطة ومؤثّرة.‏ قبل فترة، شاهدت رسما كاريكاتيريّا شدّني لبلاغته ودقّة توصيفه ‏للواقع الاجتماعي. الفنّان رسم بناية ضخمة قسّمها إلى ثلاثة ‏طوابق:‏ العلوي: ومداه ضيّق جدّا ويمثّل ...

مثالية وليام بوغرو

صورة
تنظر إلى لوحات هذا الرسّام فيدهشك أن لا ترى فيها غير صورٍ لحوريّات وعذراوات يتنزّهن في مناظر بهيّة ومشذّبة، وأمّهات يداعبن أطفالهنّ بحنوّ ومحبّة، وأطفال يشبهون الملائكة يحتضن بعضهم بعضها ببراءة وألفة. تلك هي نظرة وليام بوغرو السامية للجنس البشري. وهي نظرة مشحونة بالجمال والطلاوة والمثالية والخيال، إلى الحدّ الذي يجعلنا نتوق إلى رؤية الواقع وملامسة الأرض مرّة أخرى. كان بوغرو ينظر إلى الفنّ على انه ضرب من الجمال المثالي. وكان يبدي انزعاجه من كلّ محاولات التجريب والخروج عن المألوف. وبذا حبس الرسّام نفسه في قفص ذهبي عندما اعتقد أن الرسم يجب أن يكون عن الجمال والفرح في مقابل الواقع. وبحلول نهاية الحرب العالمية الأولى، كانت لوحاته، مع لوحات معاصريه الأكاديميين مثل جان ليون جيروم و لورانس الما تاديما و الكسندر كابانيل ، قد انصرفت عنها أذواق الناس واهتمام النقّاد واستقرّ بها المقام أخيرا في أقبية المتاحف. لكن الجنود القدامى لا يموتون إلى الأبد. فمؤخّرا، ومع تجدّد الاهتمام بالأعمال الفنّية الكلاسيكية، انتعشت واقعية بوغرو ورفاقه الاكاديميين من جديد. من الصعب تصوّر الشعبية الكبيرة التي كا...

كلام الأغاني

صورة
من أهمّ الخصائص التي تطبع الأغاني العربية عموما هي تشابه مواضيع كلماتها التي تركّز في الغالب على قصص الغرام والهجر ومدح الحبيب والتغنّي بجماله وذكر محاسنه في قالب لا يخلو أحيانا من التهويل والمبالغة. الأغاني الغربية هي على النقيض تماما. إذ لن تسمع أغنية تثني على جمال المحبوب أو تتغنّى بمزاياه وخصاله أو تتوسّل منه السماح والغفران. والمقارنة بين هذين النوعين من الغناء يحيلنا تلقائيا إلى الخصائص الثقافية وطرق التفكير في مجتمعين يكادان يكونان مختلفين في كلّ شيء تقريبا. استمعت قبل فترة إلى عيّنات من الغناء الغربي، فلاحظت أن في كلمات بعضها أفكارا فلسفية وإشارات سيكولوجية، بل إن بعضها يطرح تساؤلات عن الوجود والدين والحياة والمصير.. إلى آخره. لكن يبقى للاغاني العربية، خاصة الكلاسيكية منها، سحرها وجمالها الخاصّ حتى عندما تكون كلماتها وموضوعاتها نمطية أو مكرّرة. وهناك من هذه الأغاني ما قد تسمعها مرّة وبطريقة عارضة، ثم عندما تسمعها مرّة أخرى سرعان ما تثير في ذهنك صورا وذكريات عن أشخاص وأمكنة وحالات ومواقف وحكايات ما كان لك أن تتذكّرها لولا العلاقات والارتباطات الشعورية التي تثيرها الأغنية في ال...

إيماءة يوحنّا

صورة
الصورة الشائعة عن يوحنّا المعمدان، كما تعكسها الأدبيات المسيحية، هي صورة رجل بسيط ومتقشّف قضى معظم حياته في الصحراء يسابق الحيوانات البرّية ويتغذّى على الجراد والعسل. لكن ليوناردو دافنشي يرسم الرجل بطريقة مدهشة وصادمة. كما أن صورته هنا مختلفة كليّا عن بقيّة الأعمال الفنية التي تناولت هذه الشخصية. دافنشي يرسم يوحنّا المعمدان في الصحراء بشعر مجعّد وهو يرتدي جلود الحيوانات ويبتسم بطريقة غريبة تذكّر إلى حدّ ما بأشهر لوحات دافنشي "الموناليزا". وفي يد الرجل اليسرى ثمّة قضيب حديدي في نهايته صليب. بعض مؤرّخي الفنّ يعتقدون أن الصليب وجلد الحيوان أضيفا إلى اللوحة في مرحلة تالية من قبل رسّام آخر. في اللوحة يظهر القدّيس وقد أضاءه نور من مصدر خارج اللوحة، بينما تخلع الظلال الرقيقة على بشرته مظهرا ناعما ورقيقا. وقد عمد ليوناردو إلى وضع الشخصية في الظلال لتكثيف الإحساس بعزلته عن العالم الحقيقي والتأكيد على ارتباطه بالسماء. غير أن أهمّ ملمح في هذه اللوحة هو حركة إصبع القدّيس المشيرة إلى السماء. هذه الجزئية طالما أثارت جدلا واسعا بين أوساط المؤرّخين ونقاد الفنّ وأصبحت لكثرة الحديث عنها و...