المشاركات

محاكمة رسّام

صورة
يقال إن اسمه الأصلي باولو كالاريو أو باولو غابرييلي. لكنّ الاسم الذي أصبح معروفا به هو باولو فيرونيزي "نسبة إلى مدينة فيرونا الايطالية" التي ولد فيها عام 1528م. نحن الآن في ربيع عام 1573، وفيرونيزي يعكف على رسم صورة ضخمة لتزيّن دير سان باولو جيوفاني في فينيسيا. بالنسبة إلى البعض، كانت فينيسيا في ذلك الوقت مدينة التجارة البحرية والإصلاح الكنسيّ المضادّ، وبالنسبة للبعض الآخر كانت عبارة عن مأخور كبير. المهمّة التي أسندت إلى فيرونيزي كانت محدّدة سلفاً: رسم لوحة تصوّر العشاء الأخير للمسيح. وقيل للرسّام إن اللوحة يجب أن تبهج النفس وتروق للعين، تماما مثل لوحته الأخرى زواج في قانا المعلّقة في دير سان جورجيو ماجيوري. في ذلك الوقت، كان فيرونيزي قد أصبح مشهورا. وكان بالإضافة إلى كلّ من تيشيان وتينتوريتو يمثّلون روّاد ما عُرف بعصر النهضة الشمالية. وهؤلاء الثلاثة كان لهم تأثير واسع على الرسّامين الذين أتوا في ما بعد، مثل روبنز وفيلاسكيز وديلاكروا وسيزان. كان فيرونيزي معروفا باستخدامه الفخم للألوان وبواقعية رسوماته. وبعض النقّاد وصفوا أعماله بأنها حلوى غنيّة بالدسم ومهرجان...

الجَمال في الثقافة العربية

صورة
في كتابها بعنوان الجمال في الثقافة العربية ، تقدّم دوريس بيرنز أبو سيف أستاذة الدراسات الشرقية والأفريقية والعمارة الإسلامية دراسة بانورامية عن مفاهيم الجمال في الثقافة العربية الكلاسيكية وما بعد الكلاسيكية في القرن الخامس عشر. وتستند المؤلّفة في دراستها عن الموضوع إلى نصوص عربية شتّى من الفلسفة واللاهوت والتصوّف والشعر والنقد الأدبي، فضلا عن مصادر تاريخية مختلفة وحكايات من ألف ليلة وليلة. تشير المؤلّفة في مقدّمة الكتاب إلى أن الفكر العربي الإسلاميّ اهتمّ بوضع قواعد للجمال مستقلّة عن المعايير الأخلاقية أو الدينية. وكان يُنظر إلى العمل الفنّي، من شعر وخطّ وموسيقى ومعمار وفنون زخرفية، بمعزل عن الارتباطات الدينية والغيبية. ومع ذلك كان للجمال مكان بارز في الفكر الدينيّ. كما أن التقاليد العربية الإسلامية تنظر إلى جمال الكون، كما يؤكّد على ذلك القرآن الكريم، وإلى الإعجاز الأدبيّ للنصّ القرآني نفسه، كدليل دامغ على القدرة الإلهية. وتحت تأثير الفكر اليوناني، تعامل الفلاسفة والمتصوّفة وعلماء الدين المسلمون مع العلاقة بين الجمال والحبّ بوصفها العامل الأساس في حركة الكون، كما أن التراث ا...

أسطورة فان غوخ

صورة
إحدى أكثر الظواهر الفنّية استعصاءً على الفهم والتفسير هي ظاهرة فينسنت فان غوخ. فقد أصبح هذا الرسّام رمزا للعظمة الفنّية وتحوّل من رائد للرسم الحديث إلى احد أهم رموز الثقافة المعاصرة. حياة فان غوخ تحوّلت بعد موته إلى أسطورة، وفقره وتشويهه لنفسه ومن ثمّ انتحاره، إلى لغز. وبات الكثيرون ينظرون إلى قصّة جنونه بما يشبه الاحترام والقداسة. وفي تلك المناسبات النادرة عندما تكون إحدى لوحات فان غوخ مطروحة للبيع في المزاد، فإنها تكسر الأرقام القياسية وتحصد عشرات الملايين من الدولارات. ومع ذلك فإن اللوحة الوحيدة التي قيل انه باعها أثناء حياته حقّقت له حوالي عشرين دولارا فقط. قبل ربع قرن، بيعت إحدى لوحات سلسلة عبّاد الشمس بمبلغ 40 مليون دولار، و أزهار السوسن بـ 53 مليون دولار. كما اشترى ملياردير ياباني يُدعى ريو سايتو بورتريه الدكتور غاشيه بمبلغ 83 مليون دولار. وكان وكيل المليونير قد قال بأن موكّله سبق وأن رأى اللوحة في متحف المتروبوليتان ووقع في حبّها من النظرة الأولى. والغريب أن سايتو أوصى بأن تُحرق اللوحة وتُدفن معه عندما يموت. ومنذ وفاة هذا المليونير الياباني الغريب الأطوار عام ...

رحلة في عالم العثمانيين

صورة
قد يكون الرسّام الاستشراقي الفرنسي من أصل هولندي جان باتيست فانمور موضوع هذا الكتاب. لكن قيمة الفنّان تكمن في السياق الذي تضعه فيه المؤلّفة والكاتبة أولغا نيفيدوفا. ووجهة نظرها حول فانمور واضحة ومباشرة، إذ يندر أن تَرَك رسّام آخر سجلا كاملا ومفصّلا عن اسطنبول يضاهي ذلك الذي تركه جان فانمور. كان هذا الرسّام واحدا من أهمّ فنّاني الاستشراق. وقد عمل مع عدد من البعثات الدبلوماسية الفرنسية في إسطنبول. وفانمور هو الذي مهّد الطريق أمام من جاءوا بعده من الرسّامين الأوروبيين الذين اهتمّوا بتصوير مظاهر الحياة في تركيا العثمانية. ولتوضيح هذه النقطة، تقول المؤلّفة إنها تقدّم من خلال الكتاب دراسة توضيحية عن طريقة تصوير الأوروبيين للشرق، بدءا من لوحات عصر النهضة الأوروبية إلى الأعمال الفنّية المعاصرة. نيفيدوفا تلقي في كتابها ضوءا إضافيّا على "الفنّ الاستشراقي"، من خلال استعراضها لأعمال فنّانين آخرين كانوا مرتبطين بالبعثات الدبلوماسية الأوروبّية في تركيا. الاستشراق هو نوع من الفنّ كان يتمّ تناوله غالبا من خلال عدسات القوى الاستعمارية. وكان يُعنى بإبراز جوانب مختلفة من الحياة ...

ألبينيث: السويت الإسباني

صورة
في القترة ما بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ظهر في اسبانيا ثلاثة موسيقيّين كبار، هم مانويل دي فايا و انريكي غرانادوس وإسحاق ألبينيث. والأخير كان أكثرهم شهرة. وهو معروف، خاصّة، بقطعته المشهورة استورياس "أو ليجندا كما تُسمّى أحيانا". وقد أصبحت هذه المعزوفة واحدة من أهمّ الأعمال الكلاسيكية التي تُعزف على الغيتار. والغريب أن هذه الموسيقى كُتبت أساسا لآلة البيانو ونُشرت لأوّل مرّة في برشلونة عام 1892 كمقدّمة لمجموعة من ثلاث حركات بعنوان أناشيد من اسبانيا. أمّا اسم أستورياس، أو ليجندا "التي تعني بالاسبانية: أسطورة" فقد أطلق على القطعة بعد وفاة ألبينيث، وذلك من قبل الناشر الألماني هوفماستر، الذي أدرجها في النسخة الكاملة من السويت الاسباني. وعلى الرغم من الاسم الجديد، إلا أن المعزوفة لا توحي بالموسيقى الشعبية لمنطقة استورياس الواقعة شمال إسبانيا، بل يمكن اعتبارها جزءا من تقاليد الفلامنكو الأندلسية. والموسيقى مشهورة بلحنها الحسّاس والمعقّد وبالتغيّرات الديناميكية المفاجئة فيها. وأوّل استنساخ لها بآلة الغيتار كان على يد غارسيا فورتيا، على الرغم...

رجل الغيم

صورة
للحظات، شعرتُ بالغيرة من الغيوم. لماذا كان يحدّق فيها باحثا عن ملاذ عندما كنت بجانبه؟! كاميلا شمسي، روائية وكاتبة باكستانية لزمن طويل، ظلّت الغيوم مصدرا لاهتمام وافتتان البشر، رغم أن تصنيفها من قبل خبراء الأرصاد تمّ فقط في وقت مبكّر من القرن التاسع عشر. ترى، هل الغيوم كائنات؟ هل هي ظواهر؟ شكل من أشكال الإدراك؟ صحيح أننا أصبحنا اليوم نعرف الكثير من أسرار الغيوم، مثل أنها تتشكّل عندما يرتفع الهواء الرطب إلى طبقات الجوّ العليا ومن ثمّ يبرد ويتكثّف متحوّلا إلى مطر. لكن ازدياد شعبية هواية اكتشاف الغيوم وتعقّبها يوحي بأنها ما تزال تخفي أكثر ممّا يمكن للعين أن تراه. الغيوم تجذب العين إلى أعلى، إلى حيث ديناميات الفضاء والسماء الواسعة، مثل الحركة والارتفاع والمسافة. وبالنسبة إلى معظمنا، فإن الغيوم تثير الأفكار والحالات الداخلية المرتبطة بالتسامي والتأمّل والعزلة. الغيوم محيّرة، ليس لأنها تتكوّن من مزيج من العناصر، أو لأنها تغيّر شكلها باستمرار، ولكن لأنها تتحدّى الظواهر المرئية. نقطة التحوّل في فهم الإنسان لظاهرة الغيوم حدثت في أوائل القرن التاسع عشر، عندما نشر العالم الانجل...

خواطر في الأدب والفن

صورة
منذ القدم، اعتُبر وجه الإنسان ملمحا مميّزا وعلامة اجتماعية. ومنذ عصور ما قبل التاريخ، ومرورا بعصر النهضة ثم العصر الحديث، كانت الوجوه، وما تزال، ركنا أساسيّاً في الفنّ. الفنّانون الذين يرسمون الوجوه إمّا يرسمونها في سياق سرديّ، وإما يستخدمونها على سبيل المجاز والاستعارة. وفي كلّ الأحوال، فإن الوجه المرسوم يتواصل مباشرة مع المتلقّي من خلال التعبيرات التي قد تكشف عن قصّة درامية أو عن حالة أو موقف انفعالي. وخلال عصر النهضة بالذات، ساد اعتقاد بأن المظهر الخارجي للإنسان، خاصّة تعبيرات وجهه، يعكس إلى حدّ كبير طبيعته الداخلية. الوجه هو أوّل ما نلاحظه في الأشخاص الذين نقابلهم كلّ يوم. وهو يقول لنا الكثير عن الشخص. وكثيرا ما نكوّن انطباعاتنا الأوّلية عن الآخرين من خلال تعبيرات وجوههم. قد ننظر إلى شخص ما فننجذب إلى ملامح وجهه ويصبح جديرا بثقتنا ومن ثمّ نرتبط به. وقد ننفر من شخص ما لأن تعبيرات وجهه تشي بالخداع أو المكر فنتجنّبه. لكنْ وراء هذا الفعل السلوكي يكمن عامل أكثر عمقاً. فطوال فترة وجود الإنسان على الأرض، كانت قراءة ملامح الوجه سببا مهمّا في البقاء. فبهذه الطريقة، أي الاعتماد ع...