المشاركات

المكتبة في الليل

صورة
البيرتو مانغويل مفكّر وكاتب ومترجم أرجنتيني ومؤلّف عدد من الكتب، أشهرها تاريخ القراءة وقاموس الأماكن المتخيّلة و مدينة الكلمات . "المكتبة في الليل" هو آخر كتب مانغويل، وهو عبارة عن رحلة مشوّقة في العديد من الأماكن والأزمنة لاستكشاف تاريخ المكتبات ومجموعات الكتب الخاصّة والأشخاص الذين كانوا وراءها والكتب التي تضمّها. مانغويل نفسه خبير لامع في كلّ ما له علاقة بالقراءة والمكتبات. وهو يمتلك مكتبة واسعة ومتنوّعة أسّسها في طرف مزرعة في منطقة اللوار الفرنسية يعود تاريخها إلى القرن الخامس عشر. عنوان الكتاب استمدّه المؤلّف من كونه يفضّل الجلوس في المكتبة ليلا بعد أن يكون الظلام قد خيّم على الكون في الخارج. يقول موضّحا هذه النقطة: في الليل يتغيّر الجوّ وتصبح الأصوات مكتومة والأفكار يصير صوتها أعلى. الوقت يبدو أقرب إلى تلك اللحظة في منتصف الطريق بين اليقظة والنوم. بِرَك الضوء التي تتسرّب من المصابيح تشعرني بالدفء. وفي رائحة الرفوف الخشبية وعطر المسك المنبعث من الأغلفة الجلدية ما يكفي لتهدئة الأعصاب وإعداد الإنسان نفسه للنوم". في المقدّمة يشرح مانغويل علاقته الوثي...

بُوسان المتعجرف والبارد

صورة
أحيانا اُتّهم بأن أفكاري عن الفنّ تقليدية. وهذا اتّهام ظالم. فلو كنت تقليديّا بالفعل لأحببتُ الرسّام نيكولا بُوسان. عاش هذا الرسّام في القرن السابع عشر وقضى معظم حياته في ايطاليا. وهو فرنسيّ كان يستلهم موضوعات لوحاته من الأساطير والأدب. ولوحته رعاة أركاديا هي واحدة من أكثر الأعمال شهرة في متحف اللوفر في باريس. بالنسبة لعشّاق الفنّ الأصيلين، فإن حبّ هذا الرسّام هو المحكّ الحقيقيّ للذوق الرفيع. أن تفهم بُوسان وتُعجب به، فإن هذا هو طقس العبور كي تصبح عاشقا حقيقيّا للفنّ. مؤرّخ الفنّ تيموثي كلارك ألّف مؤخّرا كتابا عن لوحة بُوسان طبيعة مع رجل قتلته أفعى الموجودة في الناشيونال غاليري. وأنا أتساءل: كيف وبأيّ منطق يمكن لأيّ شخص أن يشعر بالانجذاب نحو هذا الرسّام المُملّ؟! ليست المسألة انه لم تُتح لي الفرصة لكي أصبح مفتونا بـ بُوسان. فقد قضيت ذات مرّة ليلة في فيللا ميديتشي في روما لرؤية معرض لأعمال بُوسان. وكان هناك في نفس الوقت معرض آخر في المدينة لأعمال بوتيتشيللي. وأتذكّر كيف أن الايطاليين نفروا من الانضباط البارد لـ بُوسان. هذه هي مشكلتي مع الرسّام. أجد أعماله بلا دم أو...

على خُطى ابيكوروس

صورة
دانيال كلاين فيلسوف وأكاديميّ أمريكي ومؤلّف أكثر من عشرين كتابا. قبل عامين، عندما بلغ كلاين الثالثة والسبعين من عمره، حزم حقائبه وتوجّه إلى جزيرة يونانية صغيرة تقع في بحر ايجة. كان غرضه من تلك الرحلة أن يتأمّل حياته الماضية ويبحث عن أفضل السبل لقضاء فترة شيخوخة هادئة ومثمرة بعيدا عن المنغّصات والصخب. وهذا الكتاب بعنوان "أسفار مع ابيكوروس: رحلة إلى جزيرة يونانية بحثا عن حياة معطاءة" هو ملخّص لأفكار وتأمّلات الكاتب خلال فترة العام التي قضاها في جزيرة هايدرا الصغيرة والتي سبق له أن زارها عندما كان شابّا في العشرين من عمره. اسم هايدرا مشتقّ من اليونانية القديمة ومعناه "الماء". وقد اكتسبت الجزيرة هذا الاسم لكثرة ينابيع الماء فيها. والمعروف أن سكّانها يعيشون في المتوسّط فترة أطول من غيرهم بعشر سنوات، بسبب هوائها المنعش وتضاريسها الجبليّة وأسلوب الحياة البسيط فيها الذي يعتمد على الفواكه والخضروات الطازجة وحليب الماعز. قرار كلاين بأن يعيش عاما في تلك الجزيرة كان باعثه رغبته في أن يتأمّل ايجابيّات تجربة الشيخوخة في مكان يبدو أن الناس فيه يعرفون السرّ إلى حياة طو...

أسطورة الملك التائه

صورة
ضوء النجوم المنعكسة على الكثبان، والنظرات الساهرة للجان، والوهج المشعّ لشمس الجزيرة العربية، تلك هي بعض الأجواء التي تجري فيها وقائع هذه الحكاية العجيبة عن الوليد بن حِجْر ورحلاته المثيرة، كما ترويها الكاتبة الاسبانية لورا غاييغو غارسيا في روايتها "أسطورة الملك التائه". تدور أحداث الرواية في جزيرة العرب قبل ظهور الإسلام، وبالتحديد في القرن السادس الميلادي. وتستند إلى قصّة حياة الشاعر الجاهلي إمريء القيس بن حجر الملقّب بالملك الضلّيل والذي كان ملكا على مجموعة من القبائل العربية المعروفة باسم كِنْدة. الرواية تتضمّن أصداءً من ألف ليلة وليلة ومن رواية الخيميائي لـ باولو كويلو. وقد قامت المؤلّفة بتحوير بعض عناصر القصّة التاريخيّة، فامرؤ القيس يتحوّل اسمه إلى "وليد"، وهو يقوم برحلات متعدّدة في الصحراء، لا سعيا للانتقام من قتلة والده كما تقول القصّة الأصلية، وإنّما من اجل دافع آخر أكثر قتامة. في شبابه، كان وليد يحلم بأن يصبح حاكما وشاعرا عظيما يحبّه الناس ويحترمونه ويقدّرون خصاله ومواهبه. ولأنه ولِد أميرا بحكم كونه ابنا للملك حجر زعيم القبيلة، فقد كان وليد ...

مشروع رواية

صورة
لا بد وأن الكثيرين منّا راودتهم ذات يوم فكرة كتابة رواية، على أساس أن لديهم من القصص ومن تجارب الحياة ما يستحقّ أن يُكتب ويطّلع عليه الناس. ومنذ عامين عبرت هذه الفكرة الطفولية رأسي على حين غرّة. وقلت في نفسي: يجب قبل أن اشرع في الكتابة أن اقرأ، بالإضافة إلى ما كنت قرأته من قبل، عشرين رواية على الأقلّ وأن أركّز بشكل خاصّ على أساليب وتقنيّات السرد وأوازن وأقارن في ما بينها وصولا إلى اختيار شكل الكتابة الذي سأعتمده. ولأنّني من المعجبين بالفانتازيا التاريخية أو ما يُسمّى أحيانا بالواقعية السحرية، فقد رسمت في ذهني بعض القصص والأمكنة والشخصيات، واخترت بطلا للرواية المتصوَّرة شابّا في الأربعين من عمره اسمه غالب، وهو شخصية متخيّلة وسليل عائلة عريقة تعيش في نيودلهي بالهند، لكن أصولها تعود إلى منطقة القوقاز في آسيا الصغرى. وقائع الرواية المفترضة تبدأ بمشهد لغالب وهو يقف متأمّلا قصرا اثريّا على طريق الحرير في إحدى بلدات ما يُعرف اليوم بـ اوزبكستان. القصر مبنيّ على الطراز المغربيّ ويضمّ حديقة واسعة مزروعة بالنباتات الغريبة تتخلّلها تماثيل لأسود ونوافير تغذّيها جداول صغيرة تنساب من الجبال ...

حكايات من الحمراء

صورة
مرّ على ظهور هذا الكتاب زمن طويل، أي حوالي المائتي عام. وقد يرى البعض أن مضمونه أصبح متقادما إلى حدّ ما. ومع ذلك، فإن قراءته اليوم بشيء من التأمّل توفّر صورة عن ماضٍ ما تزال بعض ملامحه حيّة وماثلة للعيان. عنوان الكتاب "حكايات من الحمراء". ومؤلّفه هو الرحّالة والمؤرّخ والأديب الأمريكي واشنطن ايرفنغ ، الذي عاش في نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر. كان ايرفنغ مفتونا بالعرب وبالثقافة العربية التي رأى بعضا من شواهدها أثناء زيارته للأندلس. وقد بلغ من شغفه بالعرب وبحضارتهم انه شيّد له منزلا على الطراز الأندلسي وأقام في وسطه تمثالا لأبي عبدالله الصغير آخر ملوك غرناطة. البيت الجميل الذي بناه ايرفنغ في نهايات حياته على ضفاف نهر هدسون يمكن اعتباره امتدادا لشخصيّته الفريدة وتعبيرا عن حبّه وتقديره للثقافة الأندلسية. كان ايرفنغ أيضا مشبعا، كرحّالة، بالتوق إلى التاريخ والشعر والأساطير والتقاليد والأغاني والقصائد العربية الكثيرة عن الحبّ والحرب والفروسية. وفي "حكايات من الحمراء" يصف الكاتب، بإسهاب، القصر والقلاع والأسوار والأبراج التي تحيط بالتلّ والجبال الثلج...

بوشكين و غونتشاروفا

صورة
"أنا هنا مسجون في بولدينو وممنوع من دخول سانت بطرسبورغ. بحقّ السماء يا ناتاليا نيكوليفنا اكتبي إليّ حتى لو لم تكوني تحبّين ذلك. اخبريني أين أنت؟ هل غادرتِ موسكو؟ هل من طريق يقودني إلى قدميك؟! أشعر بالإحباط، وأنا حقّا لا أعرف ما أفعل. من الواضح أن زواجنا لن يتمّ في هذه السنة الملعونة. لـ بولدينو هواء الجزر الصخرية. لا جيران هنا ولا كتب. الطقس مخيف. أقضي وقتي في التدخين والخربشة". من رسالة الكسندر بوشكين إلى ناتاليا غونتشاروفا، 11 أكتوبر 1830م بعد تردّد طويل، قبلت ناتاليا غونتشاروفا عرض بوشكين بالزواج منها في ابريل عام 1830. وخُطب الاثنان إلى بعضهما رسميا في السادس من مايو من ذلك العام. وأرسلت دعوات الزفاف إلى الأصدقاء والمعارف. ونظرا لتفشّي الكوليرا وظروف أخرى، تمّ تأجيل حفل الزفاف لمدّة عام. وأقيم الاحتفال أخيرا في الثامن عشر من فبراير 1831 في كنيسة الصعود الكبير في موسكو. داخل الكنيسة، كانت هناك مجموعة كبيرة من الناس المحتشدين في الصحن. الباب الذي ستدخل منه العروس إلى الكهف المذهّب كان مليئا بالأضواء المرتعشة وبالبخور. الجوقة كانت تغنّي بنشوة. خطَت ناتاليا نيك...