المشاركات

لوحات وروايات/2

صورة
الكاتبة الأمريكية دونا تارت هي آخر من ألّف رواية تستند في موضوعها إلى لوحة تشكيلية. هذه الرواية هي التي سنتوقّف عندها في هذا الجزء بشيء من التفصيل. عنوان الرواية طائر الحسّون وهي ثالث رواية للكاتبة. وقد نالت عليها جائزة البوليتزر ولاقت صدى طيّبا عند الجمهور والنقّاد. مؤلّف روايات الرعب ستيفن كنغ كتب عن الرواية واصفا إيّاها "بالعمل النادر المكتوب بذكاء والذي يخاطب العقل والقلب معا". تدور أحداث الرواية حول بورتريه صغير لطائر حسّون رسمه فنّان هولندي يُدعى كارل فابريتسيوس قبل 350 عاما. وبطل الرواية صبيّ مراهق اسمه ثيو يصطحب أمّه ذات يوم إلى متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك. وفي إحدى قاعات المتحف يتوقّف الاثنان أمام لوحة الطائر الصغير كي يتأمّلا تفاصيلها. وبينما هما هناك، تنفجر قنبلة فجأة ويروح ضحيّتها عشرة أشخاص من بينهم والدة الصبيّ. وأثناء الفوضى التي تلي الانفجار يأخذ ثيو اللوحة ويحملها معه إلى خارج المتحف. وبقيّة الرواية الطويلة تخبرنا ما الذي حدث للصبيّ وللوحة بعد ذلك. يتذكّر الصبيّ، مثلا، ما حدث له منذ الانفجار ويدرك أن قدره أصبح مرتبطا بهذه اللوحة الصغ...

لوحات وروايات

صورة
أحيانا قد تنظر إلى لوحة أو صورة ما فيساورك إحساس بأنها تحكي عن قصّة أو أنها يمكن أن توفّر أساسا لكتابة قصّة أو رواية. والصورة، أيّة صورة، حتى إن كانت ساكنة ظاهريا، ليست في النهاية سوى تعبير عن حركة وسيرورة الزمن. والمعنى أو الطابع السردي الذي نضفيه على صورة ما ليس سوى انعكاس لمخيّلتنا. كما أن الفنّ في نهاية الأمر ليس سوى رمز أو استعادة لشيء ما اكبر. وفي السنوات الأخيرة، راجت ظاهرة الروايات الأدبية التي تعتمد على أعمال تشكيلية. وأقرب مثال على ذلك يرد إلى الذهن هو رواية الفتاة ذات القرط اللؤلؤي للكاتبة تريسي شيفالييه. هذه الرواية تعتمد على لوحة بنفس الاسم للرسّام الهولنديّ يوهانس فيرمير. وكانت شيفالييه قد رأت اللوحة لأوّل مرّة في نيويورك وكان عمرها آنذاك لا يتجاوز التاسعة عشرة. وقد فُتنت بملامح الفتاة في اللوحة وبابتسامتها الغامضة. ثم اشترت نسخة من اللوحة وعلّقتها في بيتها، قبل أن تبدأ في كتابة روايتها. وقد حقّقت الرواية نجاحا كبيرا ثم تحوّلت إلى فيلم سينمائي حقّق هو الآخر نجاحا واسعا. وبالتأكيد عندما تنظر إلى لوحة فيرمير هذه لا بدّ وأن تحبّها. والحقيقة أن الملمح السردي...

تأمّلات ماركوس اوريليوس

صورة
تخيّل أن يصبح فيلسوف حاكما أو امبراطورا على بلد ما، ما الذي سيحدث؟! ماركوس اوريليوس كان امبراطورا حكم روما من عام 161 إلى عام 180م. وكان يشاركه الحكم امبراطور آخر يقال له لوسيوس إلى حين وفاة الأخير عام 169م. كان اوريليوس الأخير في سلسلة من الحكّام الذين كانوا يسمّون بالأباطرة الخمسة الطيّبين. والمؤرّخون يعتبرونه احد أهمّ الفلاسفة الرواقيين. وما أن يُذكر اسمه حتى يتبادر إلى الذهن كتابه المشهور "التأمّلات"، وهو مجموعة من التمارين الفلسفية التي تُعنى بتحليل أحكام الإنسان على الأشياء ومحاولة استنباط فكرة أو منظور شامل عن الكون. وفي الكتاب أيضا يتحدّث اوريليوس عن الخدمة والواجب وكيف يمكن للإنسان أن يحتفظ بالاتزان ورباطة الجأش وسط الصراع وذلك باتّباع الطبيعة كمصدر هداية وإلهام. من منظور حديث، لا يمكن تصنيف ماركوس اوريليوس ضمن الصفّ الأوّل من الفلاسفة القدماء. وبالتأكيد هو ليس بمنزلة أفلاطون ولا أرسطو أو سقراط. لكن هذا لا يقلّل من مكانته كفيلسوف ولا من قيمة وأهمّية كتابه. والذين أرّخوا لحياته قديما قالوا انه كان رواقيّا وأنه تتلمذ على يد ايبيكتيتوس. لكن في ...

الأرض: 4 نظريات مخيفة

صورة
قد يكون غاليليو تعرّض للتهديد من قبل محاكم التفتيش منذ ما يقرب من 400 سنة. ولكن ما حدث له لم يكن أمرا مرعبا كثيرا. وسواءً كانت الأرض تدور حول الشمس "كما كان يعتقد كوبرنيكوس وغاليليو ونيوتن"، أو العكس "كما في النموذج القديم لبطليموس أو أرسطو"، فإن الكون الذي تخيّله غاليليو ما يزال مكانا هادئا. لكن في هذه الأيّام، يواجه علماء الفلك تهديدات تقشعرّ لها الأبدان. وفي ما يلي بعض الأشياء التي تدعو الفلكيين للقلق والتي قد تتسبّب أيضا في إثارة قلق القارئ. معظمنا، نحن البشر، يعتقدون أننا ملوك الأرض وأننا نتصارع كي نمدّ ونوسّع هيمنتنا بفضل ما نملكه من أدمغة كبيرة. ولكنّ هذا هو بالضبط ما فعلته الديناصورات من قبل. ففي احد الأيّام، قبل ما يقرب من 65 مليون سنة، اعترض طريقها كويكب صغير واصطدم بالأرض مخلّفا وراءه سحابة من الغبار لم تلبث أن انتشرت في جميع أنحاء الكوكب. وبسبب الانخفاض الشديد في درجات الحرارة الذي أعقب ذلك، ماتت آلاف الأنواع والمخلوقات على الأرض. وانضمّت الديناصورات إلى عملية الانقراض الجماعي تلك. واليوم، وفي أيّ وقت، يمكن أن نتعرّض، نحن أيضا، لانقراض جماعي...

البحث عن الظلام/2

صورة
في الولايات المتحدة اقترحت إحدى الشركات أن تصمّم للشوارع العامّة أنوارا "ذات رنين قمريّ" عبارة عن مصابيح تستجيب لضوء القمر المحيط. وستكون هذه المصابيح مزوّدة بأجهزة استشعار بحيث تسطع أضواؤها أو تصبح باهتة تبعا لمراحل القمر والغطاء السحابي والعوامل البيئية الأخرى. وتأمل تلك الشركة أن تغيّر الأضواء الجديدة مفهومنا عن المدن في الليل وتساعد على تشجيع "الأنشطة المرتكزة على ضوء القمر". وفي زيارته إلى منطقة لومبارديا في شمال إيطاليا، يلاحظ المؤلّف بوغارد أن أعمدة النور هناك صُمّمت لتمنع الأضواء من الهرب أفقيّا أو لأعلى. وطبقا لمنظّمة ايطالية تدافع عن السماء المظلمة، فإن أكثر من 30 في المائة من الإضاءة العامّة موجّهة نحو السماء. وهناك دعوات متزايدة لاستخدام أعمدة الإنارة المعدّلة التي تهدف إلى الحدّ من هذه الأضواء المهدرة وتوفير الطاقة والاكتفاء منها بالحدّ الأدنى الذي يوفّر إضاءة مشرقة ومعقولة. وفي جزء آخر من الكتاب يتحدّث المؤلّف عن مستوى الرؤية ليلا في فينيسيا؛ المدينة الايطالية التي يبلغ عدد سكّانها أكثر من 250 ألف شخص والتي يمكن أن ترى في سمائها مجرّة درب ...

البحث عن الظلام

صورة
الليل المرصّع بالنجوم هو واحد من عجائب الطبيعة الأكثر سحرا. ولكن في عالمنا الذي تنيره الأضواء الاصطناعية، فإن ثلاثة أرباع الناس لا ينظرون إلى السماء ليلا ومعظمنا لم يعودوا يجرّبون الظلام الحقيقي. والمفارقة هي انه صار لدينا الآن الكثير من الضوء بحيث لم نعد قادرين على أن نراه. وأصبحنا في بعض الأحيان عميانا "بالمعنى الحرفيّ للكلمة" بسبب سطوع ووهج الإضاءة. ولكن العبارة بمعناها المجازي صحيحة أيضا، وهذا يعني أنه عندما نضيء كلّ شيء، فليس هناك حقّا أيّ سبب لكي ننظر أكثر أو نلاحظ ما حولنا. الإضاءة الاصطناعية قد تعني الكثير من الأشياء الجيّدة حقّا. فمن خلالها نستطيع وصل الليل بالنهار، ما يعني أننا يمكن أن نستمرّ في العمل وان نتابع هواياتنا ونذهب لتناول العشاء ونرفّه عن أنفسنا. لكن لّليل الكثير من السمات التي تتجاوز الظلام أو عدمه، مثل الأصوات والروائح الليلية، أي تلك الأشياء الحسّية التي لها علاقة أكثر بالليل. في الليل يتضاءل حجم وصخب العالم ونشعر بأن لا شيء يجتاحنا أو يعصف بنا. وفي الليل أيضا نتخلّص من تلك الأعباء التي حملناها طوال النهار. هذه الأمور تعني أن الليل ه...

ساحرات غويا/2

صورة
هذه اللوحة واللوحة التي قبلها هما جزء من ما سُمّي باللوحات السوداء. وقد انتهى غويا من رسم هذه المجموعة عندما أكمل عامه الخامس والسبعين. كان آنذاك يعيش لوحده في محنته النفسية والجسدية. ويبدو انه أراد من خلالها استكشاف موضوعات العنف والرهبة والشيخوخة والموت. وقد رسم غويا هذه اللوحات مباشرة على جدران منزله. وعلى ما يبدو، لم يكن ينوي في البداية عرض أيّ من الجداريات الأربع عشرة على الجمهور، كما لم يكتب عنها شيئا وربّما لم يتحدّث عنها أبدا. وفي عام 1874، أي بعد مرور حوالي 50 عاما على وفاته، أزيلت اللوحات من مكانها ونُقلت إلى القماش، ومن ثمّ إلى متحف البرادو حيث هي اليوم. و"سبت الساحرات 1 و 2" يمكن ربطهما من حيث موضوعهما بلوحته التي أنجزها في وقت سابق بعنوان "نوم العقل يوقظ الوحوش" وكذلك بمجموعة لوحاته من سلسلة "كوارث الحرب" والتي لم تُعرض إلا بعد وفاته بـ 35 سنة. وهذه اللوحات تُعيد إلى الأذهان ذكريات حيّة ومروّعة عن محاكم التفتيش في إسبانيا. كما أنها تتضمّن انتقادا للملكيين ورجال الدين الذين كانوا قد استعادوا السيطرة على أسبانيا بعد حرب شبه الج...