المشاركات

الأوقات الثمينة للدوق

صورة
"الأوقات الثمينة للدوق" هو عنوان أهمّ مخطوطة ملوّنة من أوربّا القرن الخامس عشر. وهي عبارة عن كتاب يحتوي على زخارف ورسومات نفيسة رسمها الإخوة لامبور بين عامي 1412 و 1416 بناءً على تكليف من راعيهم دوق دو بيري. و المخطوطة توضّح بالرسم الأنشطة المختلفة التي يقوم بها بلاط الدوق وفلاحوه في كلّ شهر من أشهر السنة. وقد تُركت المخطوطة ناقصة عند وفاة الإخوة الثلاثة في عام 1416 خلال موجة الطاعون التي ضربت أوربّا في بداية القرن الخامس عشر. كانوا وقتها دون الثلاثين، وهذا كان متوسّط العمر الطبيعي للإنسان في القرون الوسطى. لكن على الرغم من حياتهم القصيرة، إلا أنهم استطاعوا أن ينتجوا عددا من الأعمال الفنّية الرائعة من بينها هذه المخطوطة التي تُعدّ الأشهر. كان الإخوة لامبور بارعين جدّا في رسم المنمنمات، ولهذا السبب ذاعت شهرتهم كثيرا في القرنين الرابع عشر والخامس عشر. ومعظم التراث الذي تركوه تمّ نسيانه مع مرور الوقت، إلى أن اشترى دوق "امالي" احد أعمالهم. وقد تعهّدهم بالرعاية دوق دو بيري. وقصّتهم أصبحت مرتبطة بعهد ذلك الأمير الموسر والمتنفّذ والذي كان بنفس الوقت راعيا ...

كلام في الموسيقى

صورة
الموسيقى لها فوائد صحّية عديدة. يمكن للموسيقى، مثلا، أن تخفّف التوتّر وتريح الأعصاب إذا ما اختيرت بعناية. وهذا طبعا ليس اكتشافا جديدا، بل تؤكّده التجارب العلمية من قديم. لكن أحيانا يتعيّن علينا أن لا نعود إلى مفضّلاتنا الموسيقية، لأنها قد تثير في دواخلنا ذكريات حزينة أو غير سارّة كان من الأولى أن نتجاوزها وأن ننساها. روبرت شومان، المؤلّف الموسيقيّ الألماني، كتب في العام 1838 مجموعة جميلة من المعزوفات الموسيقية المؤلّفة للبيانو أسماها مشاهد من زمن الطفولة . وهي، كما يوحي اسمها، عبارة عن مشاهد متتالية من القصص والذكريات التي ارتبطت في ذهن المؤلّف بزمن طفولته. أوّل قطعة من هذه المجموعة اختار لها عنوان عن أرض غريبة وأناس غرباء ، وفيها يرسم صورة فاتنة عن التفاهم والعطف من خلال عيني ومشاعر طفل. المعزوفة هادئة، وشومان يتذكّر من خلالها زمن البراءة في طفولته وصباه. كما انه يريد أن يذكّرنا أن هناك أوقاتا تكون فيها عقولنا هادئة، وبأنه عاش في شبابه بعد ذلك حياة اتّسمت بالاضطراب وعدم الاستقرار عندما كبر وشقّ طريقه في الحياة. وهناك أيضا مقطوعة أخرى ضمن هذه المجموعة يتّسم لحنها، ه...

التذهيب: روحانية وعراقة

صورة
التذهيب كلمة عربية مشتقّة من الذهب، وتعني حرفيا تغطية شيء ما بالذهب. وفنّ التذهيب هو فرع من فنّ المنمنمات وجزء من فنّ تصميم الكتب. ويتضمّن رسم أنماط وأشكال جميلة من النباتات والأزهار والأشكال الهندسية على هوامش وحوافّ الكتب الدينية والعلمية والثقافية وكذلك المجموعات الشعرية. في البداية، استُخدم الذهب المذاب في هذا الفنّ، وهذا هو السبب في تسميته بالتذهيب. لكن في ما بعد استُخدمت مع اللون الذهبيّ ألوان أخرى كالأزرق السماويّ والأخضر والقرمزي والفيروزي. ورغم دخول ألوان أخرى عليه إلا أن التذهيب ظلّ محتفظا باسمه القديم. بعض المصادر تشير إلى أن التذهيب كفنّ بدأ في إيران، إذ يقال انه يعود إلى العصر الساساني، وقيل إلى الحقبة الاخمينية التي كانت سلالة قويّة اشتهر ملوكها برعايتهم واهتمامهم بالفنون. وكتاب الافيستا الفارسيّ هو مثال على استخدام التذهيب لتزيين المخطوطات الدينية القديمة. ويقال أن ماني، النبيّ الفارسيّ القديم من القرن الثالث قبل الميلاد، زيّن كتابه المقدّس مستخدما الذهب والمنمنمات. واليوم يمكن العثور على بعض جذور هذا الفنّ بوضوح في فنون فارس ما قبل الإسلام، خاصّة تحت ...

الإطار في الفنّ والحياة

صورة
الإطار الذي توضع بداخله لوحة أو صورة هو نوع من الفنّ. وهو يحقّق أكثر من غرض، إذ يوفّر حماية للأطراف الهشّة من الصورة ويضفي عليها لمسة جمال ويحافظ عليها ويجعل طريقة عرضها أسهل. ولتوضيح أهمّية الإطار، انظر إلى صورة اعتدت أن تراها داخل إطار، ثم تخيّلها بدون الإطار الذي تعوّدت أن تراها فيه. بالتأكيد ستبدو ناقصة بطريقة ما. وأفضل من وصف أهمّية الإطار للصورة هو فان غوخ الذي قال مرّة إن لوحة بلا إطار كروح بلا جسد. واختيار الإطار المناسب لصورة ما لا يقلّ أهمّية عن اختيار الصورة نفسها. وأحيانا لا يتعلّق الأمر بما في داخل الإطار، بل بالفراغ الذي يحيطه. الإطارات الفنّية أجسام حقيقية ذات تاريخ فتّان من حيث الشكل والأسلوب. بعضها يمكن أن يكون غالي الثمن، وبعضها يمكن أن يكون بسيطا حتى لا يصرف الاهتمام عن ما بداخله. ذات مرّة، أعجب نابليون بإطار باهظ الثمن رآه على لوحة، فأمر بأن يُصنع مثله لجميع اللوحات الموجودة في اللوفر والتي تصوّر أحداثا من تاريخ الإمبراطورية. وأغلى إطار فنّي ظهر حتى اليوم بيع بسبعين ألف دولار، وقد صمّمه صانع أثاث في كوريا. الإطارات قديمة جدّا وقصّتها جزء من قصّة...

اللازوردي: اللون المقدّس

صورة
من الأشياء التي أصبحت معروفة وبديهية أن الدين يؤثّر في الفنّ. وأوضح مثال على ذلك هو النفوذ الذي مارسته الكنيسة الكاثوليكية خلال العصور الوسطى على الرسّامين بحيث لا يرسمون سوى ما يرضى عنه رجال الاكليروس. لكن الاقتصاد يمكن أيضا أن يلعب دورا مهمّا في الرسم. وهناك أمثلة كثيرة على هذا. وأحدها يمكن أن نستخلصه من بعض الأعمال الفنّية التي جاءتنا من عصر النهضة الايطالي. في ذلك الوقت كثرت وراجت اللوحات التي تصوّر المادونات. وفيها تظهر العذراء دائما وهي ترتدي وشاحا ازرق اللون. ترى ماذا وراء اختيار هذا اللون في اللباس أو الموضة؟ في الواقع، ليس هناك أيّ دليل في المراجع الدينية أو التاريخية يشير إلى أن المادونا كانت تفضّل لوناً بعينه. والسرّ في اختيار هذا اللون بالذات يكمن في خطوط التجارة الصعبة والخطيرة إلى أفغانستان. وبداية، هذا اللون الذي يظهر على ملابس المادونات ليس الأزرق وإنّما اللازوردي. واللازورد في الأساس حجر غالي الثمن وذو تاريخ عظيم. وهو من بين أفضل ما يمكن أن يدخل في صناعة المجوهرات. وهو يبدو، وكيفما استُخدم، مثل السماء الليلية، أزرق غامق ولامع. وقد كان مشهورا منذ آلا...

الولد الشرّير في فنّ الباروك

صورة
بعض الرسّامين إما أن تحبّه وإما أن تكرهه. وكارافاجيو هو أحد هؤلاء الذين لا تنفع معهم أنصاف المواقف أو الحلول. لكن لا شكّ في موهبته الكبيرة في الرسم على الرغم من عنف شخصيّته وقسوة رسوماته. يمكن للإنسان أن يتعاطف مع شخص مثل كارافاجيو بالنظر الى طفولته البائسة وحالة اليُتم التي عاشها في صغره وفقده لمعظم أفراد عائلته بسبب الطاعون الذي اجتاح ميلانو عام 1577 عندما كان عمره ستّ سنوات. كان كارافاجيو الولد البلطجي أو القبضاي في فنّ عصر الباروك. مشاغباته الكثيرة كان لها منطقها أحيانا: نادل في حانة أغضبه ذات مرّة فما كان منه إلا أن هشّم وجهه بالكأس. وشخص آخر أهانه بالحديث عنه في غيابه، فانتقم منه بمهاجمته من الخلف بسيف. وهكذا. وقد اعتُقل مرّات لا تُحصى بسبب مشاجراته ومشاكله. وأمضى السنوات الأخيرة من حياته هاربا ومطلوبا في جريمة قتل. الرجل الذي قتله الرسّام بطعنة في الفخذ ربّما كان مجرما منافسا. وقد صبّ كارافاجيو العنف الذي اتّسمت به حياته في فنّه. ومع ذلك فإن بعض لوحاته مليئة بالرقّة والعاطفة. ذلك المزيج من الغضب والتعاطف هو ما جعل منه فنّانا مثيرا. وهذا هو السبب في أن لوحاته...

فنّ الأشياء المكسورة

صورة
كينتسوكوروي كلمة يابانية تعني إصلاح الأواني المكسورة ولحمها أو ترميمها بالذهب المذاب وأحيانا بالفضّة أو البلاتين. والفكرة المرتبطة بهذا الفنّ هي أن الجمال يكمن في الأشياء المكسورة أو المعطوبة، بمعنى أن الإناء يصبح أكثر جمالا لأنه انكسر. كما أن الكسر ليس نهاية الأشياء بالضرورة، بل يمكن أن يكون بداية لبعثها إلى الحياة من جديد. وهذه الفكرة تذكّرنا، مع الفارق، بما يقال أيضا عن التماثيل القديمة المكسورة، أي تلك التي تظهر بلا اذرع أو أنوف، وكيف أن جمالها الحقيقيّ يكمن في أنها معيبة أو غير كاملة. والكينتسوكوروي، أو الكينتوجي كما يُسمّى أحيانا، ليست له دلالات روحية معيّنة، لكنه نوع من تقبّل الأشياء المعيبة التي قد تبدو، برغم العيوب، أكثر جمالا من هيئتها الأصلية. انه يقول لنا لا تصلحوا الشيء بإخفاء عيوبه، بل بإظهارها بحيث يبدو أكثر قيمة وقوّة وجمالا ممّا كان قبل الكسر، أو على الأصحّ لأنه كُسِر. صحيح أن قطعة الرخام أو السيراميك أو الخزف عندما تنكسر تتعرّض لبعض التلف ويلحق بها صدوع وتشقّقات قد تكون واضحة أحيانا، لكن إصلاحها ولحمها بالذهب أو الفضّة هو بحدّ ذاته احتفاء بالقطعة وتحسين ...