المشاركات

أصوات الطبيعة

صورة
"لماذا تغرّد الطيور في الصباح؟ إنها الصيحة المبتهجة: لقد أمضينا ليلة أخرى!" ❉ ❉ ❉ ليس جديدا القول أن أصوات الطيور مريحة للأعصاب وباعثة على الطمأنينة. وقد تعلّم البشر على مرّ آلاف السنين أنه عندما تغنّي الطيور فمعنى هذا أنها تشعر بالأمان. وعندما تتوقّف عن الغناء فيجب أن يشعر الناس بالقلق. وأصوات الطيور تُعتبر أيضا منبّها للطبيعة، حيث تشير جوقة الفجر إلى بداية اليوم، وبالتالي فهي تحفّز مداركنا. إلى ما قبل ١٥ سنة، أتذكّر أننا كنّا نصحو في الفجر على أصوات الطيور في الاشجار القريبة من بيتنا في نجران. كانت هناك أوركسترا كاملة من الأصوات المغرّدة التي تبثّ في النفس شعورا بالتفاؤل والتوحّد مع الطبيعة. بعض تلك الطيور كان مستوطنا والبعض الآخر كان يأتي مهاجرا من أماكن بعيدة. وكان أجمل صوت مغرّد بينها ما يُعرف بالبلبل ذو النظّارة البيضاء (White-spectacled bulbul)، وهو طائر متوسّط الحجم يسمّيه الناس في الخليج وشبه الجزيرة العربية البورع أو النغري. ريشه رمادي ورأسه أسود وحول عينيه دوائر بيض (ومن هنا اسم النظّارة) وفي أسفل مؤخّرته بقعة صفراء ويعيش في المناط...

قصّة الأزتيك/2

صورة
كان إنجاز الأزتيك الأهمّ هو بناء إحدى أكبر الإمبراطوريات في تاريخ أمريكا الوسطى. وفي أوج عظمتهم، حكَموا نحو عشرة ملايين شخص، أي ما يقرب من نصف سكّان أمريكا الوسطى في القرن السادس عشر. وكانت عاصمتهم تينوتشتيتلان أكبر مدينة في العالم وجوهرة تاج عالَم ما قبل كولومبوس بعدد سكان يقدّر بـ 200 ألف نسمة. كانت مدينة مخطّطة ومحصّنة جيّدا. وكانت معالمها عظيمة لدرجة أن الإسبان ذُهلوا منها وصَعُب عليهم وصف روعتها بالكلمات. ولمّا وصل الإسبان إلى هناك، جاءوا من ثقافة موجّهة نحو الحرب وكانوا متمرّسين في خوض المعارك والحروب. وعندما حاصروا تينوتشتيتلان، قطعوا عن أهلها المؤن والطعام والماء وقتلوا المئات من نبلائها أثناء وليمة احتفالية، ما أدّى إلى مزيد من الاضطرابات بينهم وبين الأهالي. واضطرّ الأزتيك لمقاتلتهم بشجاعة وانتصروا في بعض المعارك. لكنهم خسروا الأرض بالتدريج بسبب ضعف تسليحهم، إذ لم يكن لديهم غير السهام والنشاب والرماح. وكانوا يميلون إلى احتجاز الأسرى من الإسبان لتقديمهم كقرابين للآلهة بدلاً من قتلهم في المعركة. أما الإسبان فكانت دروعهم الفولاذية تحميهم من أسلحة الأزتيك التي لم تتم...

قصّة الأزتيك/1

صورة
من الذي يستطيع حقّا أن يُريح درعَه؟ عرشَه؟ رمحَه العظيم؟! فكّروا في ذلك، تذكّروه جيّدا. من الذي يستطيع أن يدمّر تينوتشتيتلان؟ من الذي يجرؤ على مهاجمة أساس السماء؟!" -من شعر الأزتيك أوّل ما يلفت الانتباه في قصّة صعود وانهيار حضارة الأزتيك هو هذا الاشتباك الغريب في ثقافتهم بين العنيف والمقدّس. كانوا متفوّقين في الإدارة والطبّ والفلك والمعمار والنحت. لكنهم كانوا أيضا يمجّدون الموت والحروب ويؤمنون بالخرافة ويبالغون في تقديم قرابين من البشر لإرضاء آلهتهم. لكن السؤال الكبير هو: كيف تمكّنت حفنة من قطّاع الطرق والمرتزقة المارقين، وخلال بضع سنوات فقط، من تدمير امبراطوريه الأزتيك وقتل ملكهم ونهب ثرواتهم، بل وتنصيب أنفسهم حكّاما على من تبقّى من ذلك الشعب؟! وكيف فعل الغزاة الإسبان كلّ هذا وليس معهم سوى ٦٠٠ جندي وعشر سفن و١٥ حصانا فقط؟! الغريب أنه لم يبقَ من مدن الأزتيك حجر على حجر ولم تحتفظ آثارهم القليلة الباقية بأيّ ذكرى عنهم. لكن هل كلّ ما كُتب عن الأزتيك حقيقة أم أن فيه بعض الخيال؟! في نوفمبر 1519، وصل هيرناندو كورتيس وجنوده من الإسبان إلى تينوتشتيتلان عاصمة الأزت...

سياحة الموت

صورة
يُستخدم مصطلح سياحة الموت، أو السياحة المظلمة كما تُسمّى أحيانا، لوصف السفر إلى الأماكن المرتبطة تاريخيّا بالموت والمآسي والحروب وبمعاناة الإنسانية بشكل عام. وأوّل ظهور للمصطلح كان في عام 1996 على يد كلّ من جون لينون ومالكولم فولي الاستاذين في جامعة غلاسغو الاسكتلندية. والسياحة المظلمة ليست ظاهرة جديدة. فمنذ زمن قديم انجذب البشر إلى المواقع والأحداث المرتبطة بالموت والكوارث والمعاناة والعنف والقتل. ودائما كان للموت جاذبية منذ أن كان الناس يحضرون معارك المصارعة الدامية في روما القديمة وعمليات الإعدام في لندن وغيرها من مدن العالم الكبيرة خلال القرون الوسطى. وفي السنوات الأخيرة اكتسبت السياحة المظلمة شعبية متزايدة بين المسافرين حول العالم الذين يبحثون عن مناطق الجذب والأماكن المرتبطة بالموت والمأساة والغرابة والرعب. قد يبدو الأمر مؤلما أن يزور الناس مثل هذه الأماكن، لكن الحقيقة هي أنها تمثّل جزءا مهمّا من تاريخ الإنسانية، وبعض فصول هذا التاريخ مظلمة ومجلّلة بالفظائع والأحداث الجسام وأعمال الإبادة الجماعية وبالكوارث الطبيعية والمآسي الهائلة. لذلك من المنطقي أن يكون للعديد م...

خواطر في الأدب والفن

صورة
كان رينيه ماغريت رسّاما تأمّلياً وشاعراً فنّاناً يعبّر عن حالات فكرية داخلية وعن نفسه من خلال التلاعب بالصور. كما كان إنسانا منعزلاً وهادئاً ومتواضعاً، ولم يكن يكترث كثيراً بالمجد الذي عاش من أجله العديد من زملائه السورياليين. وقد ظلّ دائما يسعى، من خلال فنّه، إلى إيجاد حلول لمشاكل معيّنة تطرحها أنواع مختلفة من الأشياء. وأوضحَ الرسّام مفهومَ هذه الطريقة الفلسفية في محاضرة ألقاها في أنتويرب في بلجيكا عام 1938، وصف خلالها حلما رآه ذات ليلة. وعندما استيقظ من الحلم نظر إلى قفص طيور كان في غرفته. وفي حالته تلك شبه الواعية، لم يرَ الطائر الذي كان في القفص، بل رأى بدلاً منه بيضة. وكان ذلك "سوء فهم رائعا" حسب وصفه، لأنه سمح له بإدراك سرّ شعري جديد ومدهش، مردّه على وجه التحديد التقارب بين الكائنين، أي القفص والبيضة. في عام 1953، رسم ماغريت إحدى أشهر لوحاته واسمها "غولكوندا". وفيها يصوّر مشهدا سورياليّا لمجموعة من الرجال المتماثلين الذين يرتدون معاطف سوداء وقبّعات عريضة وهم "يهطلون" من السماء، وخلفهم مبانٍ متطابقة ذات أسطح من القرميد البنّي. لكن يمكن أي...

جيلو عن بيكاسو وماتيس

صورة
على مدى عقود، ربطت هنري ماتيس وبابلو بيكاسو علاقة صداقة مميّزة بدت في بعض الأحيان وكأنها محكومة بالغِيرة المتبادلة. كانا على طرفي نقيض في كلّ شيء، من الأساليب الفنّية إلى الطبائع والتفضيلات الشخصية وخلافها، لكنهما كانا يقدّران عالياً إبداع كلّ منهما. وذات مرّة شبّه ماتيس علاقتهما بمباراة في الملاكمة، بينما اعترف بيكاسو بأنه لو لم يكن بيكاسو، لتمنّى أن يرسم مثل ماتيس. في سنواته الأخيرة، كان ماتيس طريح الفراش. وقد شكا غير مرّة أن بيكاسو لم يكن يزوره كثيرا. وعندما توفّي في نوفمبر 1954، اتصلت ابنته ببيكاسو على الفور، لكنه لم يردّ على المكالمة أو يعيد الاتصال، بل ولم يحضر الجنازة أبدا. وقد رأى كثيرون في تصرّف بيكاسو قلّة ذوق منه وعدم احترام. وبالنسبة للبعض، بدا الأمر وكأن بيكاسو لم يستطع قبول حقيقة وفاة صديقه ومنافسه القديم. الرسّامة الفرنسية فرانسواز جيلو كانت إحدى زوجات بيكاسو. وقد عاشا معا سبع سنوات بدءا من عام 1946. وكان صديقهما المشترك هنري ماتيس الذي كان يعيش قريبا منهما وكانا يزورانه بانتظام. في كتابها بعنوان "ماتيس وبيكاسو: صداقة في الفن"، تتحدّث جيلو عن بعض جو...

رسائل من الجبال/2

صورة
في هذا الجزء، يواصل تشارلز لانمان سرد المزيد من القصص عن مغامراته واكتشافاته ولقاءاته الكثيرة مع السكّان الأصليين وانطباعاته عن بعض المعالم الجغرافية والأشخاص الذين رآهم أثناء رحلاته في مناطق جبال ألليغيني. ❉ ❉ ❉ إحدى الشخصيات الأخرى المثيرة للاهتمام في مناطق الجبال كان عجوزا هنديّا من الشيروكي إسمه ساتاواها، أو عضّة الخنزير. وهو رجل يزيد عمره عن المائة عام ويعيش في كوخ خشبي صغير، بابه منخفض جدّا لدرجة أنه يتعيّن عليك أن تزحف إليه زحفا على يديك وركبتيك. وفي الوقت الذي اكتمل فيه نقل الجزء الأكبر من شعب الرجل إلى أقصى الغرب، استُدعي مجموعة من الضبّاط لاصطحاب رفاقه. وعندما رأى العجوز الجنود وهم يقتربون، تناول بندقيّته المحشوّة وحذّرهم من محاولة وضع أيديهم عليه، لأنه سيقتلهم بالتأكيد. كان حازما وكبير السنّ للغاية، حتى أن رئيس الجند قرّر أخيرا تركه وشأنه. كان العجوز يعيش حياة ناسك ويعتمد بشكل أساسي على صدقة شخص أو اثنين من جيرانه الهنود، رغم أنه يقال إنه حتى الآن يستطيع قتل غزال أو ديك رومي. ويقول إنه يستطيع أن يتذكّر الوقت الذي عاشت فيه أمّة الشيروكي على شواط...