أمس صباحا، وبلا مقدّمات، لمعت في ذهني فجأة صورة الفنّان الكبير أبو بكر سالم الذي احتفظ له في نفسي بمكانة خاصّة. وفجأة أيضا، علمت أنه انتقل إلى رحمة الله بعد ساعات فقط من تذكّري الغريب له. كان أبو بكر سالم نسيج وحده بين فنّاني جيله. صوت متميّز وأداء حسّاس، مع ذائقة عالية للشعر والموسيقى. ومنذ أن وعيت نفسي وأنا اسمع صوته. كانت أغانيه حاضرة في كلّ مكان، لذا انطبع صوته وأسلوب أدائه المميّز في وجدان الكثيرين من أبناء جيلي. وأصبح صوته علامة فارقة لا يشبه أيّ صوت آخر وأيضا لا صوت آخر يشبهه. وأبو بكر لم يكن مجرّد مطرب، بل كان أيضا شاعرا متمكّنا وملحّنا موسيقيّا لامعا. تسمع بعض أغانيه فتدهشك قدرته الفذّة في التنقّل بسلاسة بين المقامات وابتداع جمل موسيقية في منتهى الرقّة والجمال ممّا لا يستطيع مغنٍّ آخر فعله إلا في ما ندر. كان أبو بكر من أوائل مطربي الجزيرة العربية الذين ذهبوا إلى لبنان في ستّينات القرن الماضي كي يسجّل فيها أغانيه. وكانت بيروت وقتها قبلة للفنّ والموسيقى في العالم العربيّ. وعندما تسمع بعض أغانيه من تلك الفترة ستلاحظ، بالإضافة إلى جمال الأداء، أناقة التوزيع الموسيقيّ...
هل سمعت عن لغة الطيور؟ وابتداءً، هل للطيور لغة؟ الفلاسفة القدماء تحدّثوا كثيرا عن لغة الطيور وأسرارها وعلاقتها بالبشر وبالطبيعة. قبل أيّام كنت أشاهد على التلفزيون لقاءً شيّقا مع عالم قال انه درس لغة الطيور وأصبح يفهم الكثير من أسرار تلك اللغة ورموزها. كان واضحا أن الرجل ملمّ بتخصّصه وبارع فيه. وقد قال إن أصحاب الطيور كثيرا ما يستعينون به في معالجة الحالات التي تعتري سلوكيات بعض الطيور اعتمادا على تحليل أصواتها ونبراتها ومن ثمّ ربطها بالأنماط السلوكية والحالة السيكولوجية للطائر. كلام ذلك العالم وجدته مثيرا للاهتمام ودفعني لأن اقرأ أكثر لأعرف المزيد عن هذه اللغة الغريبة، فكان هذا الموضوع الذي يعتمد في جانب منه على بعض ما كتبه هارولد بيلي في كتابه بعنوان اللغة الضائعة للرموز . القرآن الكريم فيه أكثر من آية تتحدّث عن لغة الطير. إحدى الآيات تشير إلى سليمان الحكيم الذي تعلّم لغة الطيور وأوتي خيرا كثيرا. كان يفهم لغة الطيور وله قصص كثيرة مع الجنّ والحيوانات والطيور. هذه اللغة تسمّى أحيانا اللغة الخضراء. وفهمها من شأنه أن يعزّز علاقة الإنسان بالطبيعة ويعمّق فهمه لها. الملك سليمان لم يكن...
شاهدت منذ أيّام برنامجا، أو بالأحرى تحقيقا مصوّرا، بثّته إحدى القنوات البولندية عن فنّ الجسد. ورغم أنني لم افهم شيئا مما قيل فإنني مع ذلك حرصت على متابعة الصور والمشاهد بدافع الفضول وحبّ المعرفة. وقد عرض البرنامج مناظر لرجال ونساء ملئت أجسادهم بصور لشياطين وجماجم وأفاعي وعناكب وعقارب، إلى غير ذلك من الرسومات الصادمة والغريبة. وقد حرّضني مضمون ذلك الفيلم على أن أبحث أكثر عن نشأة وتطوّر هذا النوع من الفنّ والغايات والدوافع النفسية التي تفسّر شغف بعض الناس بوشم أجسادهم وتلطيخها بتلك الألوان الصاخبة والأشكال الشاذّة والمخيفة. ومن المعلومات التي أثارت اهتمامي عن الموضوع أن الثيمة الرئيسية المسيطرة على الوشم وفنّ الجسد عموما هي صورة الجمجمة، بحسب ما يقوله هنري فيرغيسون ولين بروكتر مؤلفا كتاب فنّ الوشم احد أشهر الكتب عن الموضوع. علماء النفس يعللون هذه الظاهرة بأنها انعكاس لحالة الشكّ وعدم اليقين التي تتملّك الإنسان وخوفه الغريزي من المستقبل. كما أن صور الوشم التي ترمز للموت، وتأخذ شكل جماجم مشتعلة وثعابين تزحف عبر فتحات الجماجم وشياطين وحيوانات تنّين وخيول شاحبة وجنس وألسنة لهب، يمكن ...