خواطر في الأدب والفن


  • بحسب عبد السلام غاسينوف، عند الحديث عن تولستوي المفكّر وإرثه الفلسفي، يجب مراعاة أمر هام. فلم يكن الرجل فيلسوفا بالمعنى السائد اليوم، ولم يكن جزءا من تلك البيئة التي سكنها "المشرّعون"، مثل أفلاطون وأرسطو وتوما الأكويني وديكارت وهيغل وراسل وهايديغر. كانت بيئته مختلفة، إذ ضمّت كونفوشيوس ولاو تزو وبوذا والسيّد المسيح ومحمّد (ص) وفرانسيس الأسيزي ولوثر وثورو. هؤلاء هم الذين، بتعاليمهم ونشاطهم، قدّموا فهما جديدا للحياة.
    وبصفته ناقدا لكلّ أشكال الوثنية وفاضحاً لا يكلّ ولا يملّ لأكاذيب المجتمع، اقترحَ تولستوي أنه بدلا من "مملكة الإنسان"، ينبغي لنا أن نسعى إلى تحقيق "مملكة الربّ". وفي ملاحمه السردية، يبدو أن القدَر هو من يوجّه مجرى الأحداث وحياة الأبطال. فالحقيقة لا تحتاج إلى اختراع، بل إلى إعادة اكتشاف.
    وبأسلوب تعليمي يكشف لنا تولستوي الطريق الذي يجب أن نسلكه: إنه طريق الحياة البسيطة واللاعنف والمحبّة، الذي يقود إلى تحقيق ملكوت الربّ. لكن هذا الجانب الأخير من شخصية تولستوي، أي تولستوي الواعظ، هو ما يرفضه منتقدوه. فنهجه الدوغماتي المتعالي ونزعته المطلقة الأحادية الجانب لا يمكنهما إشباع التوق "الديمقراطي" للتعدّدية والذاتيّة في عصرنا.
  • ❉ ❉ ❉

  • لوحات فاليري تسينوف، بفضاءاتها المفتوحة وأضوائها الصافية والبديعة، لا تثير الأفكار والمشاعر فقط، وإنّما تعيدنا إلى حالة من الصفاء النفسي والتطهّر الروحي. استوحى الرسّام أسلوبه في الرسم من التقاليد البلغارية ومن الأساطير البحرية والحكايات الصوفية. وشخصية المرأة عنده أقرب ما تكون إلى الأيقونة، وهي رمز للحياة والحرّية والسلام والروحانية.
    تسينوف يرسم في لوحاته عالماً أكثر جمالا ومثالية من العالم الحقيقي. وعالمه الخاصّ يبدو مرتّبا ومتناسقا ومتقناً حتى الكمال. مناظره عن الطبيعة جميلة وحميمية. تستطيع أن تغمر نفسك في هدوء القرى الجبلية وفي أجواء البيوت والطرقات القديمة والمزارع الريفية وأن تسمع قرع الأجراس وتشمّ رائحة العشب وتحلّق في أحلام بعيدة.
    ولد تسينوف في بلغاريا عام 1961 ودرس الرسم في جامعة فارنا. وهو اليوم أحد أشهر الرسّامين في بلده. كما انه معروف في العديد من البلدان التي سبق وأن عرض أعماله فيها، مثل ألمانيا وسويسرا وفرنسا وأمريكا واسبانيا وغيرها.
  • ❉ ❉ ❉

    ❉ ❉ ❉

  • "بِركة قديمة!
    ضفدع يقفز
    صوت الماء."

    "البِركة القديمة" هي قصيدة هايكو مشهورة للشاعر الياباني ماتسو باشو (1644-1694)، كتبها في أوج عطائه الشعري. وما تزال هذه القصيدة تلقى صدى واسعا لدى محبّي هذا الشعر في العالم. وهي تمثل بوّابة لفهم الجماليات اليابانية وتقاليد شعر الهايكو.
    تقدّم القصيدة صورة حيوية لبركة قديمة توصف بأنها خالدة وهادئة، تضطرب فجأة بقفز ضفدع في مائها، مُحْدثا "طرطشة" في الماء. وتتضمّن القصيدة ثلاث صور فقط. إحداها صورة ثابتة لبِركة قديمة. والثانية صورة ديناميكية لضفدع يقفز في البِركة. وأخيرا، صورة سمعية تقدّم الصوت الناتج عن قفز الضفدع في الماء.
    يبدأ الهايكو بصورة البركة. قد تكون في مكان ما، في غابة أو بعيدا عن مساكن البشر. ولا يربط الشاعر أيّ صوت آخر بهذه الصورة. لذا فالبركة على الأرجح بعيدة، في مكان يتّسم بالهدوء والسكينة. ثم إنها بركة قديمة. ولأنها كائن قديم، فقد نجت من ويلات وتقلّبات الزمن. ولأنها مثقلة بتجارب السنين الطوال، فإن البركة تعيش كشخص حكيم. وباشو يربط نفسه بهذه البركة بطريقة ما. فهناك شبه بين طبيعتهما، كلاهما صامت ومسالم.
    فجأة يكسر ضفدع هدوء البركة. لا يبدأ في إطلاق النقيق المعتاد. بل يقفز ببساطة في البركة. لماذا يقفز؟ يجب على المرء أن يسأل هذا السؤال أوّلا قبل الانتقال إلى ذروة هذا الهايكو. ربّما قفز الضفدع في البركة، ليس للتكاثر أو لوضع البيض لأن هذا ليس موسم الرياح الموسمية.
    لكنْ هناك شيء واحد واضح، وهو أن الضفدع يفعل ذلك مدفوعا بغريزته. ويبدو كما لو أن مياه البركة تجدّد شبابه! لذا يقفز إلى البركة بشكل طبيعي دون أيّ رغبة بيولوجية أو تغيير كيميائي داخل جسمه.
    عند بعض النقّاد، تشير القصيدة إلى معانٍ رمزية أعمق، فقفزة الضفدع قد ترمز إلى لحظة استنارة روحية أو صحوة أو وعي. والبركة القديمة تبدو وكأنها رمز للعقل الباطن. إنها موجودة في كلّ شخص. ومثل البركة القديمة، يعيش العقل الباطن في صمت. وكالضفدع، يحتاج الإنسان أيضا إلى بعض السلوان لإعطاء وقت لعقله وروحه. وبالتالي، يمكن أن يكون قفز الضفدع في الماء إشارة رمزية إلى التأمّل.
    في السطر الأخير من القصيدة، يصبح الصوت جزءا لا يتجزّأ من الصورة. عندما يقفز الضفدع في الماء، يُصدر صوتا لا يدوم الا لبرهة. ليس حادّا ولا عميقا. صوت الماء، في القصيدة، هو المكوّن الخاصّ الذي استخدمه الشاعر بكمّية مناسبة، بحيث يعزّز من مستوى تأمّل القارئ ويحفّز عقله على التفكير.
  • ❉ ❉ ❉

  • "غيرت هوفمان" أديب ألماني متخصّص في كتابة روايات الخيال العلمي. أشهر رواياته تتحدّث عن بشاعة وهمجية الإنسان تجاه أخيه الإنسان. وشخصيّاته مستعدّة للغرق تحت وطأة المعلومات الشنيعة، والغامضة غالبا، التي يُطلب منها إيصالها.
    التصرّفات توحي بالجنون، حتى عندما يكون الدافع في بعض الحالات غير واضح. والحوارات عبارة عن كتل من الجمل المكسورة التي تتمدّد وتتّسع بفعل صخب البيئة، على نحو يذكّر بموسيقى بعض الأفلام.
    آخر روايات هوفمان اختار لها عنوان "أمثولة العميان"، وهي رواية ليست قصيرة فحسب، بل تعمّدَ أن يكتبها بجمل مختزلة، لكنها مكتملة المعنى وجديرة بثقة القارئ. وموضوع الرواية يتمحور حول لوحة الرسّام الهولندي بيتر بريغل الأب بنفس الاسم "فوق". في الرواية، يعطي هوفمان الرجال الستّة، الظاهرين في اللوحة، أسماء.
    فهناك "ريبولوس" القائد الذي يرى فقط ما يكفي لأن يميّز ما بين النور والظلمة. وهناك "الرجل المشقوق" الذي لحق به العمى بسبب ارتكابه للسرقة. ثم "بيليغامب" الذي كان ذات يوم جنديّا. و"مالنتي" الذي يختار تلك اللحظات الغريبة كي يبدأ في الإنشاد ثناءً لله الذي سمح له بأن يصاب بالعمى.
    لكن المؤلّف ترك الرجلين في وسط اللوحة بلا اسماء. راوي القصّة الذي يحكيها بصيغة الجمع "نحن" يشير إلى الرجال الستّة مجتمعين، وكأنه يحاول تعميم الأمثولة لتشمل البشر كلّهم.
    وإذا كان رجال بريغل العميان يسيرون وحدهم في الطبيعة، فإن "لوحة" هوفمان الروائية مزدحمة بالناس. الرجال الستّة جلبهم رجل من الحظيرة، حيث كانوا يحلمون، فيما قادهم إلى الإفطار شخص آخر، وراقبهم طوال اليوم مجموعة أخرى، بعضهم بأسماء والبعض الآخر بدون أسماء. والعميان لا يستطيعون رؤيتهم، لكنهم على علم دائم بهم كما أنهم لا يشعرون نحوهم بالارتياح.
    الأشخاص الستّة ليسوا في رحلة، فقد صحوا من النوم في اليوم الذي قرّر فيه الفنّان رسمهم. وهو – أي الرسّام - يريد، كما يقول في نهاية الرواية، أن يبذل محاولة أخيرة كي يضع كلّ ما أراد أن يقوله عن العالم في صورة واحدة.

  • Credits
    basho-bp.jp/en
    archive.org

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة

    مخطوطات قرآنية نادرة

    أشهر عشر نساء خلّدهن الرسم

    فنجان قهوة