خواطر في الأدب والفن
كلمة متاهةlabyrinth مشتقّة من مفردة labyrinthos اليونانية التي تشير الى أيّ بناء له مسار واحد من وسطه. وهذا ما يميّزها عن أيّ متاهة عادية maze قد يكون لها مسارات متعدّدة ومترابطة بشكل معقّد. ومع ذلك، غالبا ما يُستخدم المصطلحان في الإنغليزية بالتبادل.
الفرق بين labyrinth وmaze أن الأولى لها مسار واحد مستمرّ يؤدّي إلى المركز، وطالما واصلتّ سيرك قدما، فإنك ستصل إلى هناك في النهاية. اما الثانية فتحتوي على مسارات متعدّدة تتفرّع ولا تؤدّي بالضرورة إلى المركز.
وربّما تكون فكرة المتاهة قد ساعدت الإنسان في العثور على طريقه الروحي من خلال إبعاده عن الفهم العادي للوقت الخطّي والاتجاه بين نقطتين.
المتاهة بمعنى maze مربكة ومصمَّمة لتجعلك تضِلّ طريقك وتقودك الى طريق مسدود وحواجز غير متوقّعة. بينما المتاهة بمعنى labyrinth مصمّمة لمساعدتك في العثور على طريقك ومنحك الحكمة والبصيرة. وهنا غالبا ما يحدث التجديد أو يبدأ الشعور بما يُسمّى "الولادة الجديدة".
ويمكن النظر إلى مسار حياتنا على أنه متاهة labyrinth ترشدنا إلى معنى أعمق. والمشي في متاهة يأخذنا عبر العديد من التقلّبات والمنعطفات التي ترمز إلى مدّ وجَزر الحياة. ومثل تصميم المتاهة، ما يبدو وكأنه نقطة نهاية في الحياة يمكن أن يكون أيضا نقطة بداية. المتاهة هي تشبيه للحياة. إنها ليست متاهة أو لغزا يجب حلّه، بل هي طريق للمعنى يجب تجربته.
على طول طريق الحياة، نتقدّم أحيانا بكلّ سهولة وثقة. وفي بعض الأحيان نزحف إلى الأمام بحذر، وأحيانا نجد ضرورة للتوقّف والتأمّل، وأحيانا نشعر بالرغبة في التراجع. المركز موجود، لكن طريقنا يأخذنا عبر عدد لا يُحصى من التأرجحات والمنعطفات. في بعض الأحيان نكون في قلب تجاربنا الحياتية، أحيانا نكون في منعطف مرح، وأحيانا أخرى نشارك طريقنا مع الآخرين، وفي أحيان أخرى قد لا نفعل ذلك. في الواقع، المتاهة تشبه الحياة من نواحٍ عديدة.
فكّر كيف يمكن أن تساعدك استعارة المتاهة labyrinth في العثور على معنى أكبر في حياتك الشخصية وفي عملك؟ واسأل نفسك: بأيّ طريقة تكون حياتك رحلة عبر متاهة؟ ثم فكّر في كيفية استخدام هذه الاستعارة بطريقة بنّاءة مع الآخرين، بما في ذلك أفراد الأسرة والأصدقاء وزملاء العمل.
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
عندما ظهرت السيمفونية الخامسة لأوّل مرّة، وجد الكثيرون أن فكرة تسمية أربع نغمات صاخبة لحنا تُعتبر مزحة أو إهانة! وفي نهاية القرن التاسع عشر، أصبحت السيمفونية الخامسة شيئا مختلفا تماما وصارت السيمفونية الأشهر في العالم. وعندما بُنيت قاعة بوسطن السيمفونية في نهاية القرن التاسع عشر، كان هناك اسم واحد محفور في منتصف خشبة المسرح: بيتهوفن.
كان الأمر كما لو أن الموسيقى بأكملها كانت تقف على قدميه. لكن بعد فترة وإلى هذا اليوم، تحمّل بيتهوفن نصيبه وأحيل إلى التقاعد مع مرتبة الشرف. وهذه التجربة تعلّمنا أن نكون حذرين من الشخصيات المهيمنة، فمن طبيعة البشر أنهم ليسوا مولعين كثيرا بالفنّانين الذين يميلون الى امتصاص كلّ هواء الغرفة!
ومع ذلك، فقد نجت من النسيان كلّ سيمفونيات بيتهوفن، بل وجميع أعماله، وازدهرت، ولكن في زمن وسياق مختلفين. فقد زالت عنها مركزيّتها، لكن قوّتها باقية. وهذا ما يلزم الأعمال الفنيّة إذا ما أرادت البقاء: إعادة ابتكار نفسها وإيجاد أساليب جديدة لتكون ذات صلة بالعصر.
وهذا هو الحال أيضا مع بيتهوفن. علينا أن نضع جانبا ما مثّلته أعماله في الماضي، ونعود إلى ما هي عليه في سياقها الإنساني المباشر: القوّة الزلزالية للسيمفونية الخامسة، وشمس الصيف المعلّقة بالزمن في السيمفونية الرعوية، والرقص المنتشي في السيمفونية السابعة وفي غيرها.
تبدأ السيمفونية الخامسة "فوق" بما أصبح، ربّما، أشهر حركة موسيقية: وشم متفجّر من أربع نغمات، بدايته حركة أولى مستوحاة من تلك الحركة الافتتاحية. تظهر فكرة النغمات الأربع بشكل شبه مستمرّ طوال الحركة، ما يمنحها إيقاعا قويّا. أعضاء الأوركسترا يبدون كما لو أنهم يديرون محادثة سريعة ومحمومة. وهناك لحظات انتصار، وأخرى أكثر هدوءا، وحتى أماكن تبدو غامضة. وهناك أيضا فترات صمت دراماتيكية يتساءل فيها المستمع عمّا قد يحدث لاحقا. وبيتهوفن طالما عُرف عنه ميله للصمت الدرامي.
الحركة الثانية غنائية ورقيقة، وهي عبارة عن استراحة رثائية قبل أن تعود الشدّة في حركة ثالثة تبدو وكأنها تتلاشى في النهاية في ضباب تنبثق منه في لهيب نحاسي خاتمة مبهجة. في هذه السيمفونية، يبتكر بيتهوفن قصّة صوتية عن رحلة من القدر إلى النصر.
السيمفونية السادسة هي نقيض الخامسة: رقيقة، غنائية وشعبية وخلو من الدراما، تشبه عطلة في جوّ مشمس. تُروى القصّة هنا من خلال العناوين التي اختارها بيتهوفن للحركات: "استيقاظ مشاعر الفرح عند الوصول إلى الريف"، بإيقاعات راقصة كعربة يجرّها حمار. الحركة الثانية "مشهد بجانب الجدول"، ثرثرة وتدفّق. ثم "تجمّع مرح للفلاحين"، راقص وشعبي، تقطعه عاصفة هوجاء تنتهي بأغنية الراعي: "مشاعر سعيدة وممتنّة بعد العاصفة".
في نهاية القرن الثامن عشر، كان الملحّن أو الموسيقيّ يكسب رزقه بالعمل لدى كنيسة أو أحد الأرستقراطيين. وهذا ما فعله بيتهوفن في البداية. لكنه كان شخصية صعبة المراس، عنيدا ومجادلا ومؤمنا بالأفكار الديمقراطية الجديدة التي كانت تتكرّس في أوروبّا وأدّت إلى نشوب الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩.
وعلى الرغم من أنه بدأ العمل لدى الأرستقراطيين، إلا أنه لم يكن يتحمّل أن يعزف موسيقى خلفية في المناسبات الاجتماعية. فكتب رسالة إلى صاحب عمله يقول فيها: ما أنت عليه هو نتاج للصدفة والميلاد. وما أنا عليه هو نتاج للكدّ والتعب. كان هناك، وسيكون هناك آلاف الأمراء. لكن لا يوجد سوى بيتهوفن واحد". وكان هذا سببا لفقده وظيفته.
الحركة الثانية غنائية ورقيقة، وهي عبارة عن استراحة رثائية قبل أن تعود الشدّة في حركة ثالثة تبدو وكأنها تتلاشى في النهاية في ضباب تنبثق منه في لهيب نحاسي خاتمة مبهجة. في هذه السيمفونية، يبتكر بيتهوفن قصّة صوتية عن رحلة من القدر إلى النصر.
السيمفونية السادسة هي نقيض الخامسة: رقيقة، غنائية وشعبية وخلو من الدراما، تشبه عطلة في جوّ مشمس. تُروى القصّة هنا من خلال العناوين التي اختارها بيتهوفن للحركات: "استيقاظ مشاعر الفرح عند الوصول إلى الريف"، بإيقاعات راقصة كعربة يجرّها حمار. الحركة الثانية "مشهد بجانب الجدول"، ثرثرة وتدفّق. ثم "تجمّع مرح للفلاحين"، راقص وشعبي، تقطعه عاصفة هوجاء تنتهي بأغنية الراعي: "مشاعر سعيدة وممتنّة بعد العاصفة".
في نهاية القرن الثامن عشر، كان الملحّن أو الموسيقيّ يكسب رزقه بالعمل لدى كنيسة أو أحد الأرستقراطيين. وهذا ما فعله بيتهوفن في البداية. لكنه كان شخصية صعبة المراس، عنيدا ومجادلا ومؤمنا بالأفكار الديمقراطية الجديدة التي كانت تتكرّس في أوروبّا وأدّت إلى نشوب الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩.
وعلى الرغم من أنه بدأ العمل لدى الأرستقراطيين، إلا أنه لم يكن يتحمّل أن يعزف موسيقى خلفية في المناسبات الاجتماعية. فكتب رسالة إلى صاحب عمله يقول فيها: ما أنت عليه هو نتاج للصدفة والميلاد. وما أنا عليه هو نتاج للكدّ والتعب. كان هناك، وسيكون هناك آلاف الأمراء. لكن لا يوجد سوى بيتهوفن واحد". وكان هذا سببا لفقده وظيفته.
Credits
archive.org
beethoven.de
archive.org
beethoven.de

