أسطورة الملك الذهبي/2


كالمحيط الذي تتراقص مياهه الشاسعة تحت وطأة الرياح، تمتدّ سهول الأمازون جنوبا لأكثر من ألف ميل حتى منابعها العليا. أرض تغمرها المياه في موسم الأمطار وتتحوّل إلى جحيم لاهب في موسم الجفاف. وقد وصلت قافلة بيزارو إلى ضفاف نهر أريبورو، وهناك علموا من بعض الهنود أن هدفهم في العثور على إلدورادو بات في متناول اليد، ولم يعد يفصلهم عن مكانها في جبال سييرا العالية سوى بضعة أسابيع.
وعندما وصلوا إلى أراضي قبيلة تشوك الأصلية، كان موسم الأمطار قد بدأ. وبين المستنقعات والوديان الضيّقة، كانوا في وضع غير مواتٍ. وتعرّض الرجل الثاني في القيادة للهجوم أثناء بحثه عن مخرج. وأُسر مع جنديين آخرين، ثم أغرقهما الهنود، وأصيب في الحادثة العديد من الأوروبيين الآخرين.
كان لمدينة إلدورادو في أوماغواس العديد من الباحثين، وقد كشفت عن نفسها جزئيا أمام المغامر الألماني فيليب فون هوتن. وكانت المنطقة الواقعة بين نهري غوافياري وكاكويتا في جنوب شرق كولومبيا وشمال غرب البرازيل، موطن الأوماغواس، وهم شعب هندي غنيّ وكثير العدد.
وحدث أن ضاع هنا جنديّ إسباني بعد أن انفصل عن المجموعة، ووُجد سيفه في كوخ. ثم عُثر في أطلال القرية على رفاته وقد نُهش نصفها وأُحرق الباقي. وأمر القائد، انتقاما لمقتل الإسباني، بتمزيق الهنود إربا بواسطة كلاب الحرب أمام أعين إخوانهم.
لم يكن مع فون هوتن عندما بدأ مغامرته سوى 130 رجلا، وقد أخبره دليله الهندي عن مدينة مكتظّة بالسكّان تُدعى ماكاتو في أرض غنيّة بالذهب، بل وعرض عليه تفّاحات ذهبية صغيرة أتت من هناك.
أغرقت أمطار الشتاء قافلة فون هوتن في طريقها إلى هذه المحطّة الواقعة في منتصف الطريق إلى إلدورادو، وعُزل الرجال وتقطّعت بهم الأسباب على أرض مرتفعة، فاقتاتوا على الذرة والنمل واليرقات والخنافس والجذور. حتى شعرهم ولحاهم تساقطت، لكنهم وصلوا في النهاية إلى ماكاتو، ثم تابعوا طريقهم إلى أرض شعب الأوماغواس.
وفي اليوم التالي، ما أن بدءوا في صعود ممرّ جبلي في بدايات المساء حتى سمعوا دويّ هدير مكتوم في أعماق الجبل. ثم فجأة بدأت الأرض تميد تحت أقدامهم وتهاوت واجهات الصخور في انهيارات بطيئة، ثم هطل المطر بغزارة وأضاء البرق شقوق الأرض.
وابتلع الرعد صيحات الرجال وهمهمات الحيوانات المذعورة، ما أجبر الرجال على التشبّث بأماكنهم وتلاوة بعض الصلوات. ثم خيّم ذهول وصمت مُطبق على المنحدر المدمّر. واستمرّ المطر ينهمر في الضوء الرمادي. وحدّق الرجال وراء حافّة المكان الذي كان يقف فيه الجبل وتحت السماء الملبّدة بالغيوم فوقهم، وهم ما يزالون في قبضة الخوف والذهول.
وبعد مرور ساعات، ومن أعلى نقطة في الجبل، رأوا أخيرا مدينة ظنّوا أنها التي كانوا يبحثون عنها. كانت تمتدّ إلى ما وراء مدى الرؤية: شوارع طويلة ومنازل متراصّة ومعبد. قال الدليل إن المعبد يضمّ أصناما ذهبية بطول الأطفال الصغار وتمثالا ذهبيا بطول امرأة وكنوزا أخرى لا تقدَّر بثمن. وقيل لهم أن هناك مدناً أغنى تقع وراءها. لكن لم يكن ما رآه وسمعه فون هوتن وجماعته كافيا، فقرّروا مواصلة رحلتهم.
وأثناء عبورهم ودياناً جبلية ضيّقة، عثروا في قرية صغيرة على قطع من الذهب والفضّة، قال السكّان الأصليون إنها أتت من وراء الجبال. وباءت بالفشل جميع محاولاتهم لاختراق الوديان العالية والمنحدرات الصخرية الشاهقة في جبال الأنديز السفلى للعثور على ممرّ.
ووصلت الكتيبة في نهاية المطاف إلى وادٍ وارف الظلال ورائع الجمال. كان الوادي الأخضر المورق ذو الجداول المتعدّدة، محاطا بقمم من الغرانيت الرمادي. وفي هذا المكان الجميل، تلقّت البعثة مفاجأة أخرى غير سارّة، إذ كان مغامرون آخرون قد سبقوهم الى هناك وأقاموا لهم معسكرا.

❉ ❉ ❉

❉ ❉ ❉

شقّ الرجال طريقهم عبر تضاريس وعرة، وخاضوا معارك ضارية مع الهنود والفهود. وكان الجوع عدوّهم اللدود، لدرجة أن بعض الرجال فقدوا بصرهم. واضطرّوا إلى ذبح الخيول ليأكلوا لحمها. كما أودت الأمراض الاستوائية بحياة عدد من الأوروبيين والهنود. وفي كلّ قرية صغيرة، كانوا يسمعون القصّة القديمة التي تقول إن الذهب موجود على الجانب الآخر من الجبال.
لم يكن قد تبقّى من القافلة سوى أربعين رجلا، وقيل لهم إن المدينة تضمّ قوّة كبيرة من المحاربين المحليّين. همزَ المغامرون خيولهم يستحثّونها للعدْو وانطلقوا مسرعين، بينما قائدهم جريح وخمسة آلاف هندي يطاردونهم. وقيل فيما بعد أنهم صدّوا القوّة المهاجمة وانسحبوا.
في الأشهر الأولى من عام ١٥٤٥، اقترب فون هوتن من أوكواريكا، الأرض التي يُعتقد أنها موطن الأمازونيات. لكن بسبب عجزه عن اختراق الطبيعة، وعداء الهنود الحمر، والأمراض والجروح، اضطرّ للعودة إلى كورو. وهنا اقترح أحد مساعديه التوقّف للراحة عند الحاكم الإسباني المؤقّت آنذاك، خوان دي كارفاكال. وقد شكّل وصول فون هوتن المفاجئ نهاية لآمال الأخير بأن يُعيَّن حاكما عامّا. وكان فون هوتن على دراية بالعداء المستحكم بين الألمان والإسبان.
وفي الأيّام التالية، استقرّ فون هوتن وجماعته في التلال المطلّة على كورو وناموا في أراجيحهم. لم يروا ضرورة لوجود حرّاس يتولّون تأمينهم. وفي فجر أحد الأيّام، فاجأهم كارفاكال وهم نيام وأمر بتقييد فون هوتن وذبحه. طلب الرجل الاعتراف أمام الأب المحلّي قبل أن يُقتل. لكن كارفاكال صرخ في رجاله: دعوه يعترف في الجحيم"! ثم قُطع رأسه بمنجل.
وهكذا يبدو أن الموت في المسير، أو الطعن على يد الرفاق، أو قطع الرأس على يد الملك أو مغامر منافس، كان القدر المحتوم للمغامرين وقادة البعثات والقوافل الذين سعوا وراء أرض الذهب والثراء الموهوم.
في مجتمعات الشعوب الأصلية، كان الذهب مرغوبا فيه، ليس لقيمته المادّية، بل لقوّته الروحية وارتباطه بالآلهة وقدرته على تحقيق التوازن والانسجام في مجتمع القبيلة. وهو ليس رمزا للرخاء ولا يمثّل ثروة.
وقد سُجّلت حملات البحث عن الذهب على أنها أكثر الحملات اللاإنسانية والوحشية في تاريخ الغزو الأوربّي الدموي لأمريكا الجنوبية. ويقال إن ابن أحد زعماء القبائل الأصلية خاطب مجموعة من الإسبان المزعجين الباحثين عن الكنوز في أرضه بقوله: أيّها المسيحيون! لو كنت أعلم أنكم ستتنازعون على ذهبي، لاحتفظت به، فأنا صديق السلام والوئام".
وأضاف: إني أتعجّب من غفلتكم وجنونكم، إذ تدمّرون الجواهر المنحوتة بدقّة وتعب لتحوّلوها إلى عصيّ "سبائك" بلا قيمة. إنكم تتصارعون على أتفه الأسباب، وطمعكم في الذهب يدفعكم إلى إهانة وقتل من يمتلكه. وكان من الأفضل لو بقيتم في أرضكم البعيدة وبين قومكم "الحكماء والمتحضّرين" كما تدّعون، بدلا من أن تأتوا وتتنازعوا على أرض غيركم، حيث نعيش نحن "المتهوّرين والهمج" في سعادة".
ورغم أن البحث عن إلدورادو استمرّ قرونا وفشل في العثور على مدينة أو بحيرة ذهبية، إلا أنه أدّى إلى اكتشافات جغرافية هامّة وتقدّم كبير في رسم خرائط قارّة أمريكا الجنوبية. فبينما كان المستكشفون يلاحقون أسطورة، كانوا يرسمون خرائط أنهار حقيقية، كالأمازون وروافده، واستكشفوا أراضي شاسعة مجهولة. لكن رافقَ هذه المعرفة الجغرافية استعمار واستغلال كريهان أثّرا بشكل كبير على مصير عدد لا يُحصى من الشعوب الأصلية.
استمرّت حمّى الذهب حتى عام 1912. وتحوّلت إلدورادو إلى أسطورة جغرافية وتركت أثرا ثقافيا عميقا ودائما. فقد صار اسمها مرادفا لأيّ مكان يتمتّع بثروة هائلة يصعب الوصول إليها، أو لهدف نهائي يكون بعيد المنال. وقد ألهمت القصّة ولا تزال عددا لا يُحصى من الأعمال الأدبية والسينمائية، لتثبت أنه على الرغم من أن لا وجود لـ "إلدورادو" على الخارطة، إلا أن حلمها الذهبي ما يزال حيّا.

Credits
archive.org

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مخطوطات قرآنية نادرة

أشهر عشر نساء خلّدهن الرسم

اللوحات العشر الأكثر ترويعاً وعُنفاً