أسطورة الملك الذهبي/1
في الماضي، كانت هضبة كونديناماركا المرتفعة في قلب كولومبيا بحرا داخليّا. ولا تزال آثاره باقية على هيئة بحيرات صغيرة كان الهنود يعتبرونها مقدّسة وكانوا يُلقون فيها قرابين من الزمرّد والحليّ الذهبية. وكان هناك احتفال خاص يقام دوريّا في بحيرة غواتافيتا. فعندما يموت زعيم ويُختار آخر، كان موكب طويل ينزل إلى الشاطئ.
في المقدّمة يسير المعزّون عراةً وأجسادهم ملطّخة بالأصفر المائل للحمرة. وخلفهم مجموعات أخرى من الناس يرتدون جلود الحيوانات وشعورهم مزيّنة بالريش وأطرافهم تلمع بحليّ بسيطة. ووسط ضجيج الأبواق والمزامير المبهج، يتبعهم الكهنة مرتدين قبّعات طويلة وأردية سوداء. وفي المؤخّرة يأتي كبار الكهنة والنبلاء حاملين عربة معلّقة بأقراص من الذهب.
وفوق التلّ المشرف على البحيرة التي صُنع فيها طوف كبير من القصب مزيّن بأبهى أنواع الزينة، كان الرجل المذهّب "الدورادو" يقف عاريا، وقد دُهن جسده بصمغ عطري ونَفخ الكهنة عليه غبار الذهب من أنابيب، حتى أشرق كإله النهار متجسّدا.
وعند وصوله إلى الشاطئ، ووسط هتافات الجماهير، يصعد الزعيم المذهّب مع موكبه على طوف تزيّنه أربع نيران مشتعلة تتصاعد منها أعمدة البخور إلى السماء. وعندما يبلغ وسط البحيرة، يرفع راية ليُسكت الحشود. ثم يقفز في الماء ويستحم، بينما الأبواق تدوّي والناس يهتفون معلنين ولاءهم لزعيمهم الجديد. ويتألّق الغبار الذهبي الذي يغطّيه عبر الماء كقربان لإلهه. وتتبعه الأساور والدبابيس التي يلقيها النبلاء المرافقون في البِركة.
هذا الطقس هو تاريخ، وليس أسطورة أو خرافة. فقد عُثر بالفعل على حليّ ذهبية في البحيرة التي جفّفها الباحثون عن الكنوز في العصر الحديث، ومن بينها قطعة مزخرفة بنقوش فنّية تبدو وكأنها تمثل الطوف المقدّس وركّابه.
لكن السمة الغالبة على هذه الطقوس هو أنها كانت قد أصبحت جزءا من التاريخ عندما سمع بها الإسبان. ففي وقت اكتشاف أمريكا، كان هنود المويسكا في منطقة بوغوتا قد أخضعوا هنود غواتافيتا تقريبا. وانتهى تقليد استحمام الزعيم المذهّب مع ذلك الغزو القبليّ الصغير. لكن ذكراه بقيت خالدة. كان فريدا بين عادات القارّة وتداول الناس أخباره على سواحل الكاريبي عند وصول الإسبان. وانتشرت شائعات عنه في بيرو، بل وحتى في مناطق أبعد جنوبا.
وعندما نقلَ أحد سكّان الشمال أوّل خبر عنه إلى كيتو، التي كانت قد سقطت في يد الإسباني غونزالو بيزارو قبل بضع سنوات، قال الإسبان: هيّا بنا نبحث عن ذلك الهندي الذهبي"! وذهبوا وكلّ ما أمكنهم العثور عليه كان مياه غواتافيتا العميقة. لكن هذا لم يُرضِهم. كان الرجل المذهّب رمزا. كان يمثّل شيئا أكبر من مجرّد طقس قد يحدث مرّة واحدة في الجيل. كان يمثّل غطرسة وحماقة ملك وثروة كهنوتية لا تقدَّر بثمن.
مع كلّ حفل تنصيب، كان جسد ذلك "المتوحّش المتعجرف" يغطَّى من جديد بغبار لامع. ومع كلّ طقس تطهير، كان يغتسل في بركة مغطّى قاعها بالذهب. ولم تكن لتحظى بملك مبجّل مثل هذا إلا أمّة عظيمة وغنيّة. وهكذا أصبح اسم "إلدورادو" لا يعني إنسانا بقدر ما يعني مدينة ذهبية في أرض مذهّبة، بمذابح معابدها وأباريقها وأحواضها وأثاث قصورها وأوانيها وجواهر نبلائها وأدوات موائدهم.
في المقدّمة يسير المعزّون عراةً وأجسادهم ملطّخة بالأصفر المائل للحمرة. وخلفهم مجموعات أخرى من الناس يرتدون جلود الحيوانات وشعورهم مزيّنة بالريش وأطرافهم تلمع بحليّ بسيطة. ووسط ضجيج الأبواق والمزامير المبهج، يتبعهم الكهنة مرتدين قبّعات طويلة وأردية سوداء. وفي المؤخّرة يأتي كبار الكهنة والنبلاء حاملين عربة معلّقة بأقراص من الذهب.
وفوق التلّ المشرف على البحيرة التي صُنع فيها طوف كبير من القصب مزيّن بأبهى أنواع الزينة، كان الرجل المذهّب "الدورادو" يقف عاريا، وقد دُهن جسده بصمغ عطري ونَفخ الكهنة عليه غبار الذهب من أنابيب، حتى أشرق كإله النهار متجسّدا.
وعند وصوله إلى الشاطئ، ووسط هتافات الجماهير، يصعد الزعيم المذهّب مع موكبه على طوف تزيّنه أربع نيران مشتعلة تتصاعد منها أعمدة البخور إلى السماء. وعندما يبلغ وسط البحيرة، يرفع راية ليُسكت الحشود. ثم يقفز في الماء ويستحم، بينما الأبواق تدوّي والناس يهتفون معلنين ولاءهم لزعيمهم الجديد. ويتألّق الغبار الذهبي الذي يغطّيه عبر الماء كقربان لإلهه. وتتبعه الأساور والدبابيس التي يلقيها النبلاء المرافقون في البِركة.
هذا الطقس هو تاريخ، وليس أسطورة أو خرافة. فقد عُثر بالفعل على حليّ ذهبية في البحيرة التي جفّفها الباحثون عن الكنوز في العصر الحديث، ومن بينها قطعة مزخرفة بنقوش فنّية تبدو وكأنها تمثل الطوف المقدّس وركّابه.
لكن السمة الغالبة على هذه الطقوس هو أنها كانت قد أصبحت جزءا من التاريخ عندما سمع بها الإسبان. ففي وقت اكتشاف أمريكا، كان هنود المويسكا في منطقة بوغوتا قد أخضعوا هنود غواتافيتا تقريبا. وانتهى تقليد استحمام الزعيم المذهّب مع ذلك الغزو القبليّ الصغير. لكن ذكراه بقيت خالدة. كان فريدا بين عادات القارّة وتداول الناس أخباره على سواحل الكاريبي عند وصول الإسبان. وانتشرت شائعات عنه في بيرو، بل وحتى في مناطق أبعد جنوبا.
وعندما نقلَ أحد سكّان الشمال أوّل خبر عنه إلى كيتو، التي كانت قد سقطت في يد الإسباني غونزالو بيزارو قبل بضع سنوات، قال الإسبان: هيّا بنا نبحث عن ذلك الهندي الذهبي"! وذهبوا وكلّ ما أمكنهم العثور عليه كان مياه غواتافيتا العميقة. لكن هذا لم يُرضِهم. كان الرجل المذهّب رمزا. كان يمثّل شيئا أكبر من مجرّد طقس قد يحدث مرّة واحدة في الجيل. كان يمثّل غطرسة وحماقة ملك وثروة كهنوتية لا تقدَّر بثمن.
مع كلّ حفل تنصيب، كان جسد ذلك "المتوحّش المتعجرف" يغطَّى من جديد بغبار لامع. ومع كلّ طقس تطهير، كان يغتسل في بركة مغطّى قاعها بالذهب. ولم تكن لتحظى بملك مبجّل مثل هذا إلا أمّة عظيمة وغنيّة. وهكذا أصبح اسم "إلدورادو" لا يعني إنسانا بقدر ما يعني مدينة ذهبية في أرض مذهّبة، بمذابح معابدها وأباريقها وأحواضها وأثاث قصورها وأوانيها وجواهر نبلائها وأدوات موائدهم.
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
بالنسبة للإسبان، كان هذا كلّه بمثابة بشارة بغنائم تضاهي غنائم المكسيك وبيرو. وفي سعيها وراء مدينة الذهب تلك، ضحّت إسبانيا بأرواحٍ أكثر وأغرقت كنوزا أكثر مما أنفقته في جميع فتوحاتها في العالم الجديد.
وشمل البحث عن أرض إلدورادو كولومبيا وفنزويلا وشرق بيرو وشمال غرب البرازيل وبوليفيا وباراغواي. وعلى امتداد مثلّث مقلوب كبير قاعدته خطّ يمتدّ لألف ميل تقريبا شرقا من جبال الأنديز في كولومبيا وصولا إلى مصبّ نهر أورينوكو تقريبا، ورأسه في باراغواي على بعد ألفي ميل جنوبا، سارت البعثات الاستكشافية بلا هوادة.
وداخل هذا المثلّث من جميع الجهات، تحرّكت الفرق الإسبانية شرقا وشمالا وجنوبا. تسلّق الإسبان الجبال وعبروا الأنهار وتوغّلوا في الصحاري وتجمّدوا في ممرّات جبال الأنديز، ومرضوا في وادي الأمازون الغارق بالفيضانات والموبوء بالحمّى، وماتوا جوعا في السهول القاحلة. وفي كلّ مكان، كانت سهام الهنود المسمومة تنتظرهم وتترصّدهم.
سارت ثلاث كتائب على الطريق لخمس سنوات ووصلت الى هضبة كونديناماركا في الوقت نفسه، وكانت تلك مصادفة فريدة من نوعها في التاريخ. كما خاض الألمان والإنغليز هذه المغامرة. أما بالنسبة لإسبانيا، فعندما ناشد دي سيلفا الناس بالتطوّع بالأموال والأتباع، كادت البلاد أن تفرغ من سكّانها لشدّة الإيمان بـ"الأرض الذهبية".
كان الدافع الرئيسي لهؤلاء الرجال هو التعطّش للذهب، بتأثير من الأسطورة التي تردّدت مرارا عن إلدورادو. وإلى جانب الشهرة والمكافآت، أضفى عامل الخطر، إلى جانب ملحمة الحياة، على تلك المغامرات، انطباعا بالتغلّب على الطبيعة ومكامن التحدّي في أراض بعيدة ومجهولة.
وخلف أسطورة الملك الذهبي، كانت هناك قصص أخرى. فقد كان يُعتقد أن الجزء الشمالي من أمريكا الجنوبية غنيّ بالمعادن النفيسة، وأن المنحدرات المكتنزة بالذهب في بيرو وغرناطة الجديدة تمتدّ شرقا حتى مصبّ نهر أورينوكو. ومن اللافت للنظر أن موقع المدينة الأسطورية انتقل على طول هذا المسار عبر الأجيال المتعاقبة من أقصى شمالها إلى أقصى جنوبها.
كان الإسباني بيزارو قد سمع عن أرض توابل أسطورية تقع بالقرب من أراضي الملك المذهّب، وكانت التوابل هدفه المعلن. لكن خياله سافر أبعد من ذلك. في وادي نابو، وهو مجرى مائي يشكّل جزء منه الحدود بين الإكوادور وكولومبيا الحديثة، كانت هناك سهول يرتدي سكّانها دروعا من الذهب الخالص. وأراد بيزارو أن يلقي نظرة على تلك الدروع. فانطلق برفقة خمسمائة إسباني وأربعة آلاف هندي ومائة وخمسين حصانا وألف كلب وخمسة آلاف ما بين خنازير وأغنام بيروفية.
وعثر الرجال على أرض القرفة، لكن تركوها وراءهم لبعدها الشديد وعدم جدواها الاقتصادية في ذلك الوقت. وبُنيت سفينة شراعية على نهر نابو وأُرسلت لجمع المؤن من المستوطنات الهندية. ولم يعد الوفد قط، بل انطلق في مغامرة جامحة عبر نهر الأمازون وصولا إلى المحيط الأطلسي، ومن هناك أشعلت حكاياتهم عن النهر العظيم ومحارباته وشعوبه الأكثر غرابة ومعابده المرصّعة بالذهب، نار الفتنة والفضول في إسبانيا.
وشمل البحث عن أرض إلدورادو كولومبيا وفنزويلا وشرق بيرو وشمال غرب البرازيل وبوليفيا وباراغواي. وعلى امتداد مثلّث مقلوب كبير قاعدته خطّ يمتدّ لألف ميل تقريبا شرقا من جبال الأنديز في كولومبيا وصولا إلى مصبّ نهر أورينوكو تقريبا، ورأسه في باراغواي على بعد ألفي ميل جنوبا، سارت البعثات الاستكشافية بلا هوادة.
وداخل هذا المثلّث من جميع الجهات، تحرّكت الفرق الإسبانية شرقا وشمالا وجنوبا. تسلّق الإسبان الجبال وعبروا الأنهار وتوغّلوا في الصحاري وتجمّدوا في ممرّات جبال الأنديز، ومرضوا في وادي الأمازون الغارق بالفيضانات والموبوء بالحمّى، وماتوا جوعا في السهول القاحلة. وفي كلّ مكان، كانت سهام الهنود المسمومة تنتظرهم وتترصّدهم.
سارت ثلاث كتائب على الطريق لخمس سنوات ووصلت الى هضبة كونديناماركا في الوقت نفسه، وكانت تلك مصادفة فريدة من نوعها في التاريخ. كما خاض الألمان والإنغليز هذه المغامرة. أما بالنسبة لإسبانيا، فعندما ناشد دي سيلفا الناس بالتطوّع بالأموال والأتباع، كادت البلاد أن تفرغ من سكّانها لشدّة الإيمان بـ"الأرض الذهبية".
كان الدافع الرئيسي لهؤلاء الرجال هو التعطّش للذهب، بتأثير من الأسطورة التي تردّدت مرارا عن إلدورادو. وإلى جانب الشهرة والمكافآت، أضفى عامل الخطر، إلى جانب ملحمة الحياة، على تلك المغامرات، انطباعا بالتغلّب على الطبيعة ومكامن التحدّي في أراض بعيدة ومجهولة.
وخلف أسطورة الملك الذهبي، كانت هناك قصص أخرى. فقد كان يُعتقد أن الجزء الشمالي من أمريكا الجنوبية غنيّ بالمعادن النفيسة، وأن المنحدرات المكتنزة بالذهب في بيرو وغرناطة الجديدة تمتدّ شرقا حتى مصبّ نهر أورينوكو. ومن اللافت للنظر أن موقع المدينة الأسطورية انتقل على طول هذا المسار عبر الأجيال المتعاقبة من أقصى شمالها إلى أقصى جنوبها.
كان الإسباني بيزارو قد سمع عن أرض توابل أسطورية تقع بالقرب من أراضي الملك المذهّب، وكانت التوابل هدفه المعلن. لكن خياله سافر أبعد من ذلك. في وادي نابو، وهو مجرى مائي يشكّل جزء منه الحدود بين الإكوادور وكولومبيا الحديثة، كانت هناك سهول يرتدي سكّانها دروعا من الذهب الخالص. وأراد بيزارو أن يلقي نظرة على تلك الدروع. فانطلق برفقة خمسمائة إسباني وأربعة آلاف هندي ومائة وخمسين حصانا وألف كلب وخمسة آلاف ما بين خنازير وأغنام بيروفية.
وعثر الرجال على أرض القرفة، لكن تركوها وراءهم لبعدها الشديد وعدم جدواها الاقتصادية في ذلك الوقت. وبُنيت سفينة شراعية على نهر نابو وأُرسلت لجمع المؤن من المستوطنات الهندية. ولم يعد الوفد قط، بل انطلق في مغامرة جامحة عبر نهر الأمازون وصولا إلى المحيط الأطلسي، ومن هناك أشعلت حكاياتهم عن النهر العظيم ومحارباته وشعوبه الأكثر غرابة ومعابده المرصّعة بالذهب، نار الفتنة والفضول في إسبانيا.
