مغامرة في أرض الزمرّد
في عام 1536، انطلق غونزالو دي كيسادا، المتحدّر من عائلة يهودية إسبانية أصلها من المغرب وأُجبرت على اعتناق الكاثوليكية، من مستعمرة سانتا مارتا الساحلية على رأس 800 إسباني مسلّح مع الخيول وآلاف العبيد من السكّان الأصليين من القبائل الساحلية.
بدأت الخطّة بالتوجّه نحو المرتفعات الداخلية لجبال الأنديز الكولومبية، والسير على طول ضفاف نهر مغدالينا، بدعم من أسطول صغير من القوارب، بحثاً عن حضارات غنيّة لغزوها.
في ذلك الوقت، كانت الحكومة الإسبانية تمنح امتيازات لاستكشاف العالم الجديد وحكمه ونهبه وتحويله إلى المسيحية، بينما تطالب في الوقت نفسه بنسبة عشرين بالمائة "أو الخمس الملكي" من جميع الكنوز. وقد أجبر هذا الأمر المغامرين الإسبان على النهب باستمرار لسداد تكاليف رحلاتهم الاستكشافية.
والأمر المثير للدهشة أن أيّ غازٍ يصل إلى العالم الجديد في ذلك الوقت كان لديه احتمال بنسبة 30 بالمائة لأن يموت في عامه الأوّل! وهذه الحقيقة شجّعت جميع أنواع اليائسين، الذين لم يعد لديهم ما يخسرونه في الحياة، للالتحاق بمغامرات البحث عن الكنوز.
كان الإسبان في البداية يطمعون في الذهب، لكنهم سرعان ما أصبحوا مهووسين بالزمرّد؛ تلك الحجارة الخضراء الخالية من العيوب التي كانت ترتديها القبائل الأصلية. وازداد هذا الشغف بعد أن راجت حكاية شعبية تقول إن فارسا أو قبطانا إسبانيّا وجد ذات يوم زمردّة كبيرة عالقة في حافر حصانه.
في طريقهم للظفر بالكنوز الخفيّة، واجه دي كيسادا وجنده مستنقعات وغابات كثيفة ومتاهة من السهول المغمورة بالمياه، حيث كانت القبائل المختبئة تنقضّ على الغزاة بسهام مسمومة.
حتى الطبيعة تآمرت ضدّهم، فحصدَ المطر الغزير والطين والبعوض والخنازير البريّة والعناكب والأشواك والنباتات السامّة أرواح الكثيرين. وغرقت القوارب في الأنهار الجارفة، ولم ينجُ إلا من استطاع السباحة إلى الشاطئ، ليلقى حتفه تحت وابل من السهام، أو لتفترسه التماسيح الجائعة، أو ليغرق في الرمال المتحرّكة.
أما في الليل، فكان الغزاة الطموحون يُسحَبون من أراجيحهم لتأكلهم النمور أو تلدغهم الثعابين السامّة أو تفتك بهم الأمراض الاستوائية أو يتعرّضون لهجمات آكلات النمل. وفي كثير من الحالات، لم تكن تُسمع صرخات الرجال واستغاثاتهم بسبب العواصف الرعدية القويّة.
أُرسل دي كيسادا جنودا يحملون المناجل لشقّ طرق عبر الغابات الكثيفة، وهي مهمّة كانت تستغرق أيّاما. وكان بقية الجنود يحتمون من الأمطار الغزيرة تحت الأشجار ويتناولون الفاكهة والجذور البريّة للبقاء على قيد الحياة. وإلى جانب مخاطر الطبيعة، كان السكّان الأصليون يهاجمون الإسبان بالسهام والهراوات والزوارق.
بعد ثمانية أشهر من بدء الرحلة، كان الكثير من الجنود قد سقطوا ما بين قتيل ومفقود. وواجه الناجون المجاعة وبحيراتٍ لا نهاية لها دون أيّ طريق واضح إلى المرتفعات. ورغم تفاقم الوضع بشكل كارثي، أصرّ كيسادا ورفاقه على مواصلة المسير.
كان هو ورفاقه على يقين من أنهم سيصلون في النهاية إلى الأراضي المليئة بالزمرّد والذهب التي سمعوا عنها على ساحل البحر الكاريبي. وواصلوا مسيرهم متتبّعين مجرى أحد الأنهار، لكنهم سرعان ما اكتشفوا أنه لم يعد صالحا للملاحة.
شقّ الغزاة طريقهم بصعوبة على طريق مِلحي عبر المرتفعات الباردة لجبال الأنديز التي تلامس السحاب، ثم انحدروا عبر غابات شبه استوائية إلى وديان دافئة رطبة، وصولاً إلى سهول معتدلة وخصبة، حيث تقع مملكة المويسكا. في ذلك الوقت، كانت حضارة المويسكا واحدة من أربع حضارات من العصر البرونزي في العالم الجديد، إلى جانب الإنكا والمايا والأزتيك.
وكان المويسكا يشكلون اتّحادا من القبائل الهندية التي تتشارك في اللغة والدين، وكان لهم جيش مشترك لصدّ المعتدين من القبائل الأخرى. لكنهم كانوا يفضّلون حياة متناغمة تقوم على عبادة الشمس والقمر وعلى الاتجار بالمجوهرات والفخّار والمنسوجات الفاخرة. كما برعوا في الزراعة وامتلكوا مناجم ملح ومخزونا هائلا من الزمرّد والذهب.
جابَ الاسبان المرتفعات الشرقية في موجة نهب استمرّت أشهرا، وقاموا بتعذيب وقتل الكثير من أفراد القبائل الأصلية للحصول على الحجارة والمعادن الثمينة. وقد عثروا على بعض الذهب والزمرّد والفضّة والعباءات وغيرها من النفائس في أكثر من مكان. لكنهم لم يتمكّنوا من أخذ المزيد من القطع الثمينة، لأن المويسكا كانوا قد هرّبوا الكثير منها في جلود الغزلان وأخفوها في التلال القريبة.
أبدى محاربو المويسكا في البداية بعض المقاومة، لكنهم واجهوا صعوبة بسبب أسلحتهم الضعيفة وعادتهم الغريبة المتمثّلة في خوض المعارك وهم يحملون مومياءات أسلافهم الموتى مربوطةً على ظهورهم. ولجأ الإسبان إلى أساليبهم الملتوية المعتادة لزرع الفتنة بين السكّان المحليين، وذلك بتقديم وعود كاذبة وعقد تحالفات ثم نقضها.
كان معروفا عن شعب المويسكا متاجرتهم بالذهب، وما كان لديهم منه كان يُطرق ويحوَّل إلى صفائح رقيقة من السبائك لصنع الأعمال الفنيّة والزينة. وبمجرّد أن يسرقه الإسبان ويصهرونه إلى عملات معدنية صلبة، يفقد الكثير من وزنه.
وتحت التعذيب، كان السكّان الأصليون يبالغون في وصف "الثروات الهائلة" التي يمكن العثور عليها في أماكن "وراء الأفق" على أمل أن يتوجّه إليها الغزاة ويتركونهم وشأنهم. وكان الإسبان المتحمّسون الذين نادراً ما يقبلون كلمة "لا" سعداء بالتشبّث بأيّ تلميح عن كنز أو مدينة مفقودة.
كان السكّان الهنود في ذلك الحين منقسمين على أنفسهم ومنخرطين في حرب أهلية مريرة بين فصيلين متنافسين. ولم يسمح هذا الصراع للإسبان باستغلال هذه الانقسامات السياسية العميقة فحسب، بل منع أيضا تشكّل أيّ نوع من المقاومة الموحّدة ضدّهم.
عندما كان دي كيسادا وجنده يصلون إلى بلدة أو حامية، كان السكّان المحليون يُحضرون لهم طعاما من لحم الغزلان والحمام والأرانب وخنازير غينيا أو من الفاصوليا والبطاطس وغيرها من الأطعمة الجديدة التي لم يألفها الإسبان.
وبحسب الإجراءات الاستعمارية المتّبعة منذ زمن طويل في الأمريكتين، كان الإسبان يقبضون على الحاكم القوي ويضعونه رهن الإقامة الجبرية. ولضمان إطلاق سراحه، ينبغي أن يقدِّم عرضا مغريا. فمقابل حرّيته، يجب عليه أن يَعرض ملء غرفة كاملة من المعادن والأحجار الثمينة.
ذات مرّة، علم الاسبان بمكان اختباء حاكم إحدى البلدات، الذي كان يقع في أعالي جبل، حيث بُنيت هناك بعض البيوت المحصّنة بجدران. وقرّر الغزاة الخروج للقبض عليه ليلا. وبعثوا رسلا من عندهم ليُطمئنوا الحاكم بأنهم لا يريدون شنّ حرب ضدّه، بل عقد سلام معه.
وطلبوا من الحاكم الردّ في اليوم التالي. لكنه لم يبعث أيّ رسول أو رسالة من لدنه. وفي اليوم التالي، أسر الاسبان جميع الهنود، رجالا ونساء، الذين كانوا يقومون على خدمته. وبقوا هناك حتى حلول الظلام، مقيّدين بإحكام حتى لا يتمكّن أيّ منهم من الهرب لتحذير الحاكم أو أيّ شخص آخر.
وفيما بعد، تمكّن الحاكم من الفرار عبر باب سرّي. كان فارسان اسبانيّان يحرسان طريق هروبه. وبسبب طمعهما الشديد في سرقة قلادته الثمينة التي كان يرتديها، وجّها إليه طعنة بسكّين، ثم أخليا سبيله وهو مصاب. لكنه فيما بعد توفّي فوق الجبل. ولم يعلم أحد بذلك حتى حامت فوق مكانه بعض الجوارح. وراقب الهنود تلك الطيور وتتبّعوها الى أن عثروا على جثّته.
بقي الاسبان في أراضي المويسكا بضعة أشهر. وجالوا في جميع أرجاء المرتفعات الشرقية، مدفوعين برغبتهم في الكشف عن المزيد من ثروات المنطقة وجمع الغنائم. بل لقد غامروا بالتوغّل بعيدا خارج مملكة مويسكا للتحقّق من شائعات عن قصور مليئة بالذهب وقبائل غامضة من نساء الأمازون. كما عقدوا تحالفات مع بعض قادة الهنود وحاربوا آخرين، وشاركوا في حملات عسكرية مشتركة ضد أعداء المويسكا.
كان حلم الاسبان الأكبر هو الحصول على الزمرّد الذي عادةً ما يُعثر عليه متجمّعا في عناقيد تنبثق كأغصان صغيرة من بين الصخور. ولاستخراجه، بنى السكّان الأصليون قنوات ريّ واسعة يمرّ عبرها الماء لغسل التربة وكشف عروق الحجر الثمين. وأثناء تلك العملية، يمارسون أنواعا مختلفة من السحر لمساعدتهم في العثور على الزمرّد. فيأكلون أعشابا معيّنة، ظنّا منهم أنها تكشف لهم عن العروق التي تُستخرج منها أجود الأحجار.
بدأت الخطّة بالتوجّه نحو المرتفعات الداخلية لجبال الأنديز الكولومبية، والسير على طول ضفاف نهر مغدالينا، بدعم من أسطول صغير من القوارب، بحثاً عن حضارات غنيّة لغزوها.
في ذلك الوقت، كانت الحكومة الإسبانية تمنح امتيازات لاستكشاف العالم الجديد وحكمه ونهبه وتحويله إلى المسيحية، بينما تطالب في الوقت نفسه بنسبة عشرين بالمائة "أو الخمس الملكي" من جميع الكنوز. وقد أجبر هذا الأمر المغامرين الإسبان على النهب باستمرار لسداد تكاليف رحلاتهم الاستكشافية.
والأمر المثير للدهشة أن أيّ غازٍ يصل إلى العالم الجديد في ذلك الوقت كان لديه احتمال بنسبة 30 بالمائة لأن يموت في عامه الأوّل! وهذه الحقيقة شجّعت جميع أنواع اليائسين، الذين لم يعد لديهم ما يخسرونه في الحياة، للالتحاق بمغامرات البحث عن الكنوز.
كان الإسبان في البداية يطمعون في الذهب، لكنهم سرعان ما أصبحوا مهووسين بالزمرّد؛ تلك الحجارة الخضراء الخالية من العيوب التي كانت ترتديها القبائل الأصلية. وازداد هذا الشغف بعد أن راجت حكاية شعبية تقول إن فارسا أو قبطانا إسبانيّا وجد ذات يوم زمردّة كبيرة عالقة في حافر حصانه.
في طريقهم للظفر بالكنوز الخفيّة، واجه دي كيسادا وجنده مستنقعات وغابات كثيفة ومتاهة من السهول المغمورة بالمياه، حيث كانت القبائل المختبئة تنقضّ على الغزاة بسهام مسمومة.
حتى الطبيعة تآمرت ضدّهم، فحصدَ المطر الغزير والطين والبعوض والخنازير البريّة والعناكب والأشواك والنباتات السامّة أرواح الكثيرين. وغرقت القوارب في الأنهار الجارفة، ولم ينجُ إلا من استطاع السباحة إلى الشاطئ، ليلقى حتفه تحت وابل من السهام، أو لتفترسه التماسيح الجائعة، أو ليغرق في الرمال المتحرّكة.
أما في الليل، فكان الغزاة الطموحون يُسحَبون من أراجيحهم لتأكلهم النمور أو تلدغهم الثعابين السامّة أو تفتك بهم الأمراض الاستوائية أو يتعرّضون لهجمات آكلات النمل. وفي كثير من الحالات، لم تكن تُسمع صرخات الرجال واستغاثاتهم بسبب العواصف الرعدية القويّة.
أُرسل دي كيسادا جنودا يحملون المناجل لشقّ طرق عبر الغابات الكثيفة، وهي مهمّة كانت تستغرق أيّاما. وكان بقية الجنود يحتمون من الأمطار الغزيرة تحت الأشجار ويتناولون الفاكهة والجذور البريّة للبقاء على قيد الحياة. وإلى جانب مخاطر الطبيعة، كان السكّان الأصليون يهاجمون الإسبان بالسهام والهراوات والزوارق.
بعد ثمانية أشهر من بدء الرحلة، كان الكثير من الجنود قد سقطوا ما بين قتيل ومفقود. وواجه الناجون المجاعة وبحيراتٍ لا نهاية لها دون أيّ طريق واضح إلى المرتفعات. ورغم تفاقم الوضع بشكل كارثي، أصرّ كيسادا ورفاقه على مواصلة المسير.
كان هو ورفاقه على يقين من أنهم سيصلون في النهاية إلى الأراضي المليئة بالزمرّد والذهب التي سمعوا عنها على ساحل البحر الكاريبي. وواصلوا مسيرهم متتبّعين مجرى أحد الأنهار، لكنهم سرعان ما اكتشفوا أنه لم يعد صالحا للملاحة.
شقّ الغزاة طريقهم بصعوبة على طريق مِلحي عبر المرتفعات الباردة لجبال الأنديز التي تلامس السحاب، ثم انحدروا عبر غابات شبه استوائية إلى وديان دافئة رطبة، وصولاً إلى سهول معتدلة وخصبة، حيث تقع مملكة المويسكا. في ذلك الوقت، كانت حضارة المويسكا واحدة من أربع حضارات من العصر البرونزي في العالم الجديد، إلى جانب الإنكا والمايا والأزتيك.
وكان المويسكا يشكلون اتّحادا من القبائل الهندية التي تتشارك في اللغة والدين، وكان لهم جيش مشترك لصدّ المعتدين من القبائل الأخرى. لكنهم كانوا يفضّلون حياة متناغمة تقوم على عبادة الشمس والقمر وعلى الاتجار بالمجوهرات والفخّار والمنسوجات الفاخرة. كما برعوا في الزراعة وامتلكوا مناجم ملح ومخزونا هائلا من الزمرّد والذهب.
جابَ الاسبان المرتفعات الشرقية في موجة نهب استمرّت أشهرا، وقاموا بتعذيب وقتل الكثير من أفراد القبائل الأصلية للحصول على الحجارة والمعادن الثمينة. وقد عثروا على بعض الذهب والزمرّد والفضّة والعباءات وغيرها من النفائس في أكثر من مكان. لكنهم لم يتمكّنوا من أخذ المزيد من القطع الثمينة، لأن المويسكا كانوا قد هرّبوا الكثير منها في جلود الغزلان وأخفوها في التلال القريبة.
أبدى محاربو المويسكا في البداية بعض المقاومة، لكنهم واجهوا صعوبة بسبب أسلحتهم الضعيفة وعادتهم الغريبة المتمثّلة في خوض المعارك وهم يحملون مومياءات أسلافهم الموتى مربوطةً على ظهورهم. ولجأ الإسبان إلى أساليبهم الملتوية المعتادة لزرع الفتنة بين السكّان المحليين، وذلك بتقديم وعود كاذبة وعقد تحالفات ثم نقضها.
كان معروفا عن شعب المويسكا متاجرتهم بالذهب، وما كان لديهم منه كان يُطرق ويحوَّل إلى صفائح رقيقة من السبائك لصنع الأعمال الفنيّة والزينة. وبمجرّد أن يسرقه الإسبان ويصهرونه إلى عملات معدنية صلبة، يفقد الكثير من وزنه.
وتحت التعذيب، كان السكّان الأصليون يبالغون في وصف "الثروات الهائلة" التي يمكن العثور عليها في أماكن "وراء الأفق" على أمل أن يتوجّه إليها الغزاة ويتركونهم وشأنهم. وكان الإسبان المتحمّسون الذين نادراً ما يقبلون كلمة "لا" سعداء بالتشبّث بأيّ تلميح عن كنز أو مدينة مفقودة.
كان السكّان الهنود في ذلك الحين منقسمين على أنفسهم ومنخرطين في حرب أهلية مريرة بين فصيلين متنافسين. ولم يسمح هذا الصراع للإسبان باستغلال هذه الانقسامات السياسية العميقة فحسب، بل منع أيضا تشكّل أيّ نوع من المقاومة الموحّدة ضدّهم.
عندما كان دي كيسادا وجنده يصلون إلى بلدة أو حامية، كان السكّان المحليون يُحضرون لهم طعاما من لحم الغزلان والحمام والأرانب وخنازير غينيا أو من الفاصوليا والبطاطس وغيرها من الأطعمة الجديدة التي لم يألفها الإسبان.
وبحسب الإجراءات الاستعمارية المتّبعة منذ زمن طويل في الأمريكتين، كان الإسبان يقبضون على الحاكم القوي ويضعونه رهن الإقامة الجبرية. ولضمان إطلاق سراحه، ينبغي أن يقدِّم عرضا مغريا. فمقابل حرّيته، يجب عليه أن يَعرض ملء غرفة كاملة من المعادن والأحجار الثمينة.
ذات مرّة، علم الاسبان بمكان اختباء حاكم إحدى البلدات، الذي كان يقع في أعالي جبل، حيث بُنيت هناك بعض البيوت المحصّنة بجدران. وقرّر الغزاة الخروج للقبض عليه ليلا. وبعثوا رسلا من عندهم ليُطمئنوا الحاكم بأنهم لا يريدون شنّ حرب ضدّه، بل عقد سلام معه.
وطلبوا من الحاكم الردّ في اليوم التالي. لكنه لم يبعث أيّ رسول أو رسالة من لدنه. وفي اليوم التالي، أسر الاسبان جميع الهنود، رجالا ونساء، الذين كانوا يقومون على خدمته. وبقوا هناك حتى حلول الظلام، مقيّدين بإحكام حتى لا يتمكّن أيّ منهم من الهرب لتحذير الحاكم أو أيّ شخص آخر.
وفيما بعد، تمكّن الحاكم من الفرار عبر باب سرّي. كان فارسان اسبانيّان يحرسان طريق هروبه. وبسبب طمعهما الشديد في سرقة قلادته الثمينة التي كان يرتديها، وجّها إليه طعنة بسكّين، ثم أخليا سبيله وهو مصاب. لكنه فيما بعد توفّي فوق الجبل. ولم يعلم أحد بذلك حتى حامت فوق مكانه بعض الجوارح. وراقب الهنود تلك الطيور وتتبّعوها الى أن عثروا على جثّته.
بقي الاسبان في أراضي المويسكا بضعة أشهر. وجالوا في جميع أرجاء المرتفعات الشرقية، مدفوعين برغبتهم في الكشف عن المزيد من ثروات المنطقة وجمع الغنائم. بل لقد غامروا بالتوغّل بعيدا خارج مملكة مويسكا للتحقّق من شائعات عن قصور مليئة بالذهب وقبائل غامضة من نساء الأمازون. كما عقدوا تحالفات مع بعض قادة الهنود وحاربوا آخرين، وشاركوا في حملات عسكرية مشتركة ضد أعداء المويسكا.
كان حلم الاسبان الأكبر هو الحصول على الزمرّد الذي عادةً ما يُعثر عليه متجمّعا في عناقيد تنبثق كأغصان صغيرة من بين الصخور. ولاستخراجه، بنى السكّان الأصليون قنوات ريّ واسعة يمرّ عبرها الماء لغسل التربة وكشف عروق الحجر الثمين. وأثناء تلك العملية، يمارسون أنواعا مختلفة من السحر لمساعدتهم في العثور على الزمرّد. فيأكلون أعشابا معيّنة، ظنّا منهم أنها تكشف لهم عن العروق التي تُستخرج منها أجود الأحجار.
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
ولدى المويسكا عدد لا يُحصى من الأديرة في الجبال وفي أنحاء متفرّقة من المملكة. وتحتوي جميع هذه المعابد على كمّيات كبيرة من الذهب والزمرّد. وهم يقيمون القرابين في تلك المعابد، إذ يقتلون أعدادا كبيرة من الطيور، وينثرون دمها حول المعبد، ثم يقطعون رؤوسها ويتركونها معلّقة في الداخل.
وفي أراضي المويسكا، جرت العادة قبل أن يخوض سيّد حربا ضد سيّد آخر أن يتجمّع الناس من كلا الجانبين أمام معابدهم، ينشدون آناء الليل والنهار، متوسّلين الى الشمس والقمر والآلهة الأخرى، سائلين إيّاها النصر. وفي تلك الأناشيد، يذكرون جميع لأسباب الموجبة لخوض الحرب. فإن انتصروا، قدّموا الشكر لأصنامهم على مدى أيّام. وإن هُزموا، أنشدوا مرثيّة عظيمة لهزيمتهم.
وفي أرضهم غابات وبحيرات مقدّسة كثيرة، لا يجرؤون على قطع شجرة فيها أو أخذ قطرة ماء لأيّ شيء. ويدخلون تلك الغابات ليؤدّوا طقوسهم ويدفنوا فيها الذهب والزمرّد. وهم على يقين تام بأن كلّ من يعبث بقرابينهم سيموت. وينطبق الأمر نفسه على البحيرات التي يخصّصونها لقرابينهم، إذ يذهبون إليها ويرمون فيها كمّيات كبيرة من الذهب والأحجار الثمينة التي غالبا ما تبقى هناك إلى الأبد.
واصلَ الإسبان رحلتهم شمالا وشرقا إلى وادي إيراكا، حيث سقطت البلدة وأُحرق معبد الشمس على يد جنديين من جيش دي كيسادا في أوائل سبتمبر. كان الجنديان قد دخلا المعبد ليلا ووجدا مومياءات موضوعة على منصّات مرتفعة في الداخل، ثم أشعلا النيران في الأعمدة المصنوعة من أعمدة خشبية وطين. وكان الاسبان قد نهبوا المعبد سابقاً واستولوا على أكثر من ثلاثمائة كيلوغرام من الذهب، دون احتساب الزمرّد والأقمشة الفاخرة وغيرها من النفائس.
في مطلع عام ١٥٣٨، وبعد أن أُنهك الجنود ما يقرب من عامين في أرض غريبة، تساءلوا عن مكافأتهم على الغزو الذي أنجزوه. حتى ذلك الوقت، لم يكن قد نجا منهم سوى 180 رجلا من أصل 800، وقد عانوا معاناة شديدة في الأدغال، فاضطرّوا لأكل الثعابين والسحالي والضفادع، بل وحتى الجلود الممزّقة من سروج خيلهم وأغماد سيوفهم.
وزّع دي كيسادا الغنائم التي جمعها على رجاله، وكانت ٤٠ ألف قطعة من الذهب الخالص، و٥٦٢ زمرّدة، وسبائك كثيرة من الذهب والنحاس والفضّة. وحصل كلّ جندي وفارس وجنرال على نصيبه من الكنوز المنهوبة. كما مُنحت بعض القطع كجوائز للجنود المتميّزين. وأُقيمت قداديس لتكريم الجند الذين سقطوا خلال الحملة.
وفي أغسطس من نفس ذلك العام، تأسّست العاصمة الحديثة لكولومبيا، وذلك ببناء 12 منزلاً من القصب، في إشارة إلى الرسل أو أسباط يهوذا الاثني عشر، وبناء كنيسة من القصب أيضا. وسُمّيت المدينة "سانتا في دي بوغوتا"، وهو اسم مركّب من اسم مدينة "سانتا في" الإسبانية واسم "باكاتا" عاصمة شعب المويسكا الجنوبي. وسُمّيت الدولة المنشأة حديثا مملكة غرناطة الجديدة، نسبةً إلى مسقط رأس دي كيسادا في الأندلس.
في عام 1539، أبحر غونزالو دي كيسادا إلى إسبانيا للمطالبة بمنصب حاكم مملكة غرناطة الجديدة. لكنه وجد نفسه بدلاً من ذلك ماثلا أمام المحكمة. كانت تلك حيلة شائعة لدى التاج الإسباني: تشجيع الغزاة على ارتكاب التجاوزات ثم تجريدهم من ثرواتهم وألقابهم عبر فِخاخ قانونية. لكن الرجل، بفضل موارده الخاصّة من أحجار الزمرّد وسبائك الذهب التي كان قد سلبها من القبائل الأصلية، كسبَ القضية.
في اكتوبر 1549، بعث كارلوس الخامس ملك اسبانيا رسالة إلى مملكة غرناطة الناشئة موجّهة إلى الكهنة بضرورة خفض عدد سكّان المويسكا. ثم صدر قرار بتدمير معابدهم واستبدالها بكنائس كاثوليكية. وأُقيم آخر احتفال ديني علني للمويسكا في ديسمبر 1563.
بعد عقد من الزمان، عاد دي كيسادا إلى مرتفعات الأنديز و"سانتا في دي بوغوتا"، المستوطنة التي أسّسها وأصبحت اليوم عاصمة لكولومبيا. وبعد عدّة رحلات استكشافية كارثية أخرى، مات الرجل فقيرا منسيّا بعد إصابته بالجذام عام ١٥٧٩.
وفي أراضي المويسكا، جرت العادة قبل أن يخوض سيّد حربا ضد سيّد آخر أن يتجمّع الناس من كلا الجانبين أمام معابدهم، ينشدون آناء الليل والنهار، متوسّلين الى الشمس والقمر والآلهة الأخرى، سائلين إيّاها النصر. وفي تلك الأناشيد، يذكرون جميع لأسباب الموجبة لخوض الحرب. فإن انتصروا، قدّموا الشكر لأصنامهم على مدى أيّام. وإن هُزموا، أنشدوا مرثيّة عظيمة لهزيمتهم.
وفي أرضهم غابات وبحيرات مقدّسة كثيرة، لا يجرؤون على قطع شجرة فيها أو أخذ قطرة ماء لأيّ شيء. ويدخلون تلك الغابات ليؤدّوا طقوسهم ويدفنوا فيها الذهب والزمرّد. وهم على يقين تام بأن كلّ من يعبث بقرابينهم سيموت. وينطبق الأمر نفسه على البحيرات التي يخصّصونها لقرابينهم، إذ يذهبون إليها ويرمون فيها كمّيات كبيرة من الذهب والأحجار الثمينة التي غالبا ما تبقى هناك إلى الأبد.
واصلَ الإسبان رحلتهم شمالا وشرقا إلى وادي إيراكا، حيث سقطت البلدة وأُحرق معبد الشمس على يد جنديين من جيش دي كيسادا في أوائل سبتمبر. كان الجنديان قد دخلا المعبد ليلا ووجدا مومياءات موضوعة على منصّات مرتفعة في الداخل، ثم أشعلا النيران في الأعمدة المصنوعة من أعمدة خشبية وطين. وكان الاسبان قد نهبوا المعبد سابقاً واستولوا على أكثر من ثلاثمائة كيلوغرام من الذهب، دون احتساب الزمرّد والأقمشة الفاخرة وغيرها من النفائس.
في مطلع عام ١٥٣٨، وبعد أن أُنهك الجنود ما يقرب من عامين في أرض غريبة، تساءلوا عن مكافأتهم على الغزو الذي أنجزوه. حتى ذلك الوقت، لم يكن قد نجا منهم سوى 180 رجلا من أصل 800، وقد عانوا معاناة شديدة في الأدغال، فاضطرّوا لأكل الثعابين والسحالي والضفادع، بل وحتى الجلود الممزّقة من سروج خيلهم وأغماد سيوفهم.
وزّع دي كيسادا الغنائم التي جمعها على رجاله، وكانت ٤٠ ألف قطعة من الذهب الخالص، و٥٦٢ زمرّدة، وسبائك كثيرة من الذهب والنحاس والفضّة. وحصل كلّ جندي وفارس وجنرال على نصيبه من الكنوز المنهوبة. كما مُنحت بعض القطع كجوائز للجنود المتميّزين. وأُقيمت قداديس لتكريم الجند الذين سقطوا خلال الحملة.
وفي أغسطس من نفس ذلك العام، تأسّست العاصمة الحديثة لكولومبيا، وذلك ببناء 12 منزلاً من القصب، في إشارة إلى الرسل أو أسباط يهوذا الاثني عشر، وبناء كنيسة من القصب أيضا. وسُمّيت المدينة "سانتا في دي بوغوتا"، وهو اسم مركّب من اسم مدينة "سانتا في" الإسبانية واسم "باكاتا" عاصمة شعب المويسكا الجنوبي. وسُمّيت الدولة المنشأة حديثا مملكة غرناطة الجديدة، نسبةً إلى مسقط رأس دي كيسادا في الأندلس.
في عام 1539، أبحر غونزالو دي كيسادا إلى إسبانيا للمطالبة بمنصب حاكم مملكة غرناطة الجديدة. لكنه وجد نفسه بدلاً من ذلك ماثلا أمام المحكمة. كانت تلك حيلة شائعة لدى التاج الإسباني: تشجيع الغزاة على ارتكاب التجاوزات ثم تجريدهم من ثرواتهم وألقابهم عبر فِخاخ قانونية. لكن الرجل، بفضل موارده الخاصّة من أحجار الزمرّد وسبائك الذهب التي كان قد سلبها من القبائل الأصلية، كسبَ القضية.
في اكتوبر 1549، بعث كارلوس الخامس ملك اسبانيا رسالة إلى مملكة غرناطة الناشئة موجّهة إلى الكهنة بضرورة خفض عدد سكّان المويسكا. ثم صدر قرار بتدمير معابدهم واستبدالها بكنائس كاثوليكية. وأُقيم آخر احتفال ديني علني للمويسكا في ديسمبر 1563.
بعد عقد من الزمان، عاد دي كيسادا إلى مرتفعات الأنديز و"سانتا في دي بوغوتا"، المستوطنة التي أسّسها وأصبحت اليوم عاصمة لكولومبيا. وبعد عدّة رحلات استكشافية كارثية أخرى، مات الرجل فقيرا منسيّا بعد إصابته بالجذام عام ١٥٧٩.
Credits
archive.org
archive.org
