نصوص مترجمة


  • في أواخر القرن الثامن عشر، ظهرت موجة هوس إنغليزي بكلّ ما هو أندلسي. وكان الرحّالة الإنغليز من أوائل الأوربيين الذين غامروا بدخول إسبانيا، مفتونين بالمعالم العربية العظيمة في ذلك البلد.
    وبحلول منتصف القرن التاسع عشر، بدأ أسلوب الإحياء المغربي يكتسب شهرة واسعة في بقيّة أوروبا. لكن لم يكن هذا هو الحال في إيطاليا. فقد وجدت الدولة الناشئة آنذاك، والمنغمسة في عصر النهضة، استمرارية تاريخية في الثقافة اليونانية الرومانية، ما أدّى إلى ازدهار ملحوظ لعصر النهضة المعمارية الجديد.
    ونتيجة لذلك، وعلى النقيض من إسبانيا، لم تظهر التأثيرات العربية في إيطاليا إلا بشكل محدود خلال القرن التاسع عشر.
    لكن كانت هناك مبادرة لإحياء الطراز المغربي تبنّاها كونت إيطالي يُدعى تشيزاري ماتي، الذي أنشأ عام 1850 قلعة في غريزانا موراندي بشمال إيطاليا، واختار لها موقعاً فوق نتوء صخري يطلّ على وادٍ عند ملتقى نهرين.
    وقد استعان الكونت في تشييد قلعته التي أسماها "روكيتا ماتي" ببعض من أعظم فنّاني عصره. وتميّزت التصميمات الداخلية للمبنى بتنوّعها المعماري، مع التركيز على التأثيرات الشرقية والقروسطية.
    كما تضمّنت القلعة نسخة مصغّرة من ساحة الأسود في قصر الحمراء، ونسخة من مسجد قرطبة، بالإضافة الى ساحات منحوتة في الصخر تزخر بإشارات لا حصر لها إلى عالم التنويم المغناطيسي والروحانية والخيمياء.
    كان تشيزاري ماتي مشهورا في العالم بفضل طبّ الطاقة الذي ابتكره، والمعتمد على قانون القطبية. وقد ذاعت أخبار قلعته العجيبة وطرقه العلاجية الفريدة بسرعة في جميع أنحاء العالم، وأسّس له فروعا في أوروبّا وآسيا. وكان من بين أبرز زبائنه ملوك بافاريا والنمسا وإنغلترا الذين تبنّوا علاجاته المثلية والكهربائية وروّجوا لها.
    حتى فيودور دوستويفسكي قيل إنه اعتبر علاجات الكونت "بلسماً لعذابه الأليم"، وأشار إليه في روايته" الإخوة كارامازوف".
    كان المرضى يدخلون قلعة ماتي عبر قاعة الموسيقى، حيث ينتظرون دورهم لمقابلة الكونت، مستمتعين بحفلات موسيقية وأمسيات شعرية. ثم ينتقلون إلى الغرفة الحمراء المهيبة، حيث كان ماتي يتوارى خلف ستارة حمراء أنيقة.
    وفي مختبره الكيميائي، كان الرجل يجذب مرضاه بالأعشاب العطرية وغيرها من فنون المعالجة الكهربائية. وكان صوته الهادئ يمتزج بخرير نوافير مغربية مهدّئة، ما يُدخل المرضى في حالة استرخاء عميق.
    وبعد أن يستعيد المعالج تدفّق الطاقة الكهربائية في الجسم بفضل جرعاته، يرسل المريض عبر درج حلزوني مزيّن بنقوش هندسية صفراء وبيضاء وسوداء. كان ماتي يسعى إلى زعزعة حواسّ المريض من خلال الخلل الناجم عن هبوط سريع يبدو وكأنه "تأثير نفسي"، نحو مكان جديد أو مخرج ضبابيّ من القلعة.
    وسعياً منه لتعزيز فكرة الشفاء وطول العمر في جميع أرجاء المبنى، أمر الكونت ببناء ما يُعرف باسم "قاعة التسعين" بالقرب من الغرفة الحمراء. كان الغرض من هذه القاعة الاحتفال بعيد ميلاده التسعين، وهو عمر اعتقدَ ماتي أنه سيبلغه بفضل معجزاته الطبّية.
    وتحت قبّة سماوية مرصّعة بنجوم ذهبية تُذكّر بسماء جيوتو، رسّام عصر النهضة، كان من المقرّر أن يجتمع مرضاه التسعينيون، لكي يُثبتوا، باجتماعهم ووجودهم على قيد الحياة، فعالية نظام ماتي العلاجي.
    كان من المفترض أن يقام الحفل أمام نافذة زجاجية ملوّنة تظهر عليها صورة تشيزاري ماتي وتاريخ ميلاده. لكن في الثالث من أبريل عام ١٨٩٦، وبعد شتاء طويل في القلعة، تجوّل الكونت ذات ليلة وهو شارد الذهن في غرف قلعته. كان إيمانه بجرعاته المبتكرة أقوى من أيّ وقت مضى، وقد بلغ الآن من العمر سبعة وثمانين عاما.
    ومن أعلى شرفته، رحّب الكونت، بحماس، بمقدِم الربيع. وعلى سفوح الجبال القريبة، انزلق الثلج العاري وانفجرت الألوان والزهور والروائح لتغمر المكان. وبدأ غبار الطلع الربيعي يُضعف شعبته الهوائية المصابة بالربو ويزيد من معاناته من الهسيس المستمرّ في صدره.
    ظنّ ماتي أنه سيجد العلاج في وصفاته. لكنه كان مخطئا هذه المرّة. رافق صوت نوافير القلعة الكونت في لحظاته الأخيرة واستمرّ همسه معه إلى العالم الآخر. نقصَ الأكسجين تدريجيا، وزاد الضوء شيئا فشيئا، ثم بدأ الصعود البطيء نحو الموت.
    وفي تلك الأثناء، تابعت الطبيعة مسارها. بدأت الخيول البريّة والدببة طقوس التزاوج الربيعية وأقامت طواويس قلعة روكيتا بريشها الملوّن الجذّاب احتفالا وداعيّا أرستقراطيّا صاخبا.
    كان الكونت تشيزاري ماتي قد تحدّى القدر، لكن قسوة الزمن ونشاط النحل والزهور والفراشات غلبته، ولم يقدَّر له أن يعيش ليحتفل بعيد ميلاده التسعين. وبعد وفاته عام ١٨٩٦، دخلت القلعة مرحلة من التدهور والنسيان.
    وفي عام 2005، أجري لها ترميم شامل. وأعيد افتتاحها للجمهور عام 2015 كمتحف ومركز ثقافي وسياحي. واليوم يمكن للزوّار الاستمتاع مجدّدا بجمال القلعة المعماري واستكشاف غرفها الغامضة والتعرّف على إرث الكونت ماتي. إ. بيزوس
  • ❉ ❉ ❉


    ❉ ❉ ❉

  • أمضى أورهان باموك معظم حياته متجوّلا في إسطنبول وطارحا سؤالا بسيطا ظاهريّا: ماذا يحدث لحضارة ما حينما تعجز عن تحديد وجهتها، هل تتّجه شرقا أم غربا؟
    كان والده مهندسا، وجمع جدّه ثروة طائلة، وكانت الأسرة نفسها تمثّل نموذجا مصغّرا لتركيا الحديثة: مزدهرة، متعلّمة، طموحة، ولكنها في الوقت نفسه تعاني من حيرة هادئة بشأن هويّتها.
    ولعلّ هذا هو السبب في احتلال الأسرة مكانة مركزية في مخيّلة باموك. في عالمه، لا يقتصر دور الأجداد والآباء والأمّهات والأعمام وأبناء العمومة والميراث والأسرار والصمت وخيبات الأمل والأشواق المكبوتة على الشؤون المنزلية فحسب، بل تُعتبر هذه العناصر كلّها تاريخا متجسّدا في صورة إنسانية.
    "ذات يوم قرأت كتابا، فتغيّرت حياتي كلّها". قلّما نجد جملة يصف فيها كاتب نفسه بدقّة أكبر. كان باموك يطمح في الأساس لأن يصبح رسّاما. ثم تدخّلت الكتب، كما هو الحال غالبا، فتحوّلَ الرسّام المستقبلي إلى روائي. وربح الأدب ما خسره الرسم.
    روايات باموك ليست مجرّد قصص، بل هي مختبرات فلسفية. رواية "اسمي أحمر" تُحوّل لغز جريمة قتل إلى تأمّل في الفن والجمال والفردية والإيمان وصراع الحضارات. ورواية "ثلج" تتناول السياسة والدين والحداثة والوحدة وإغراء اليقين الخطير.
    وفلسفة باموك تقوم على الشك، فهو لا يثق بالشعارات ولا باليقين الأيديولوجي. ولا يثق بمن يعتقدون أنهم يملكون الإجابات النهائية.
    لا يوجد مكان أوضح من إسطنبول نفسها، تلك المدينة الرائعة المعلّقة بين القارّات والأديان والإمبراطوريات والذكريات والمستقبل. "الحياة ليست سيّئة إلى هذا الحد. مهما حدث، يمكنني دائما التنزّه على ضفاف البوسفور". لا يمكن لأحد من غير أهل إسطنبول أن يكتب مثل هذه الجملة. لا يمكن لأحد غير مَن يدرك أن المدن ليست أماكن، بل حالات عاطفية.
    تحتلّ النساء مكانة بارزة في حياة باموك وأدبه، لكن ليس كزينة رومانسية مجرّدة. فنساؤه ذكيّات، غامضات، مستقلّات، مجروحات، صامدات، وغالبا ما يمتلكن فهما أعمق للواقع من الرجال من حولهن. ونادرا ما يأتي الحبّ في روايات باموك على هيئة سعادة. وغالبا ما يأتي على هيئة ذكرى أو شوق أو غياب أو ندم أو هوس.
    كلّما قرأت لباموك، ازداد يقيني بأنه لا يكتب عن تركيا على الإطلاق. إنه يكتب عن الحالة الإنسانية الأزلية: الرغبة في الانتماء، والخوف من الانقسام، والتوق إلى الفهم، والبحث الدؤوب عن وطن يقع في مكان ما بين الذاكرة والخيال.
    ولعلّ هذا هو سبب عالمية رواياته. لأن كلّ إنسان يحمل في داخله "إسطنبوله" الخاصّة به.
    وكما يذكّرنا باموك نفسه: أؤمن بعالم بلا أبطال. وتعجبني الشجاعة الشخصية والذكاء والعمل الجاد. هذه صفات أقدّرها حقّ قدرها. وهي صفات يمتلكها الكثير من الناس العاديين. سوفيا برونيكوس
  • ❉ ❉ ❉

  • يقال إنه قبيل التقائه بالبحر، يرتجف النهر خوفا. ينظر إلى الوراء، إلى المسار الذي سلكه من قمم الجبال، الطريق الطويل المتعرّج عبر الغابات والقرى. وأمامه، يرى محيطا شاسعا، بحيث يكون دخوله بمثابة اختفاء إلى الأبد.
    لكن لا خيار آخر أمامه. لا يستطيع النهر العودة. لا أحد يستطيع العودة. التراجع مستحيل في هذا الوجود. يجب على النهر أن يخاطر بدخول المحيط، لأنه حينها فقط سيزول الخوف، هناك سيفهم النهر أن الأمر لا يتعلّق بالاختفاء في المحيط، بل بأن يصبح هو المحيط نفسه. جبران خليل جبران

  • Credits
    archive.org

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة

    أبو بكر سالم: صورة الفنّان

    سيكولوجيا الوشم

    الأزرق: تاريخ لون