المشاركات

غويا: نوم العقل

صورة
في كتابه "غويا"، يتناول الناقد روبرت هيوز اللوحات متعدّدة المواضيع والعصر المضطرب الذي عاش فيه رسّام القرن التاسع عشر الاسباني فرانشيسكو دي غويا. ❉ ❉ ❉ في العام 1796م، وفي ذروة شعبيّته كمصوّر للملوك، سجّل غويا الأحداث التاريخية على طريقته الخاصّة، عندما أصدر سلسلة من ثمانين رسماً أسماها مجتمعة Caprichos أو النزوات. وقال غويا انه اختار مواضيع تلك السلسلة من الحماقات والعيوب الكثيرة التي يمكن رصدها في أيّ مجتمع، من قبيل مظاهر التحيّز والتحامل والخداع وغيرها من الممارسات التي حولّها الجهل والعادات والمصالح الذاتية إلى أمور اعتيادية. غير أنها تلفت انتباه الفنان وتثير مخيّلته. لكن غويا سارع إلى القول إن رسوم النزوات، الحارقة والمزعجة، لا تهدف إلى السخرية من أيّ شخص، لأنه يعلم أن تلك كانت جريمة يمكن آنذاك أن تكلفه الكثير. في الكتاب، يسجّل هيوز الأثر العامّ للنزوات. فقد كانت ردّا تصويريا قاسيا على مظاهر النفاق الاجتماعي والسياسي والديني. فالزواج، كما صوّره غويا، كان شكلا من أشكال الدعارة. والكنيسة الكاثوليكية كان يحكمها الجشع. والكهنة ينادون بالعفّة والاعتدال...

000

صورة الفنّان عن نفسه

صورة
كلّ الفنّانين تقريبا رسموا صورا لأنفسهم. ومن دون تلك الصور ما كان بالإمكان اليوم تصوّر ملامحهم أو سماتهم الشخصية. والبورتريه الذي يرسمه الفنّان لنفسه، سواءً كان واقعيا أو تجريديا أو غامضا، يمكن أن يوفّر أفكارا ومعلومات مثيرة عن صاحبه. وقبل ظهور التصوير الضوئي، كان البورتريه الشخصي ضروريّا لأنه يُظهر للناس كيف كان يبدو هذا الرسّام أو ذاك. وكان رسم البورتريهات الشخصية يشير أيضا إلى رغبة الفنّان في إثبات الدليل على براعته وأصالة موهبته. والصور الشخصية كانت وما تزال جزءا من التعليم الرسمي للفنّ، رغم أن هذا المفهوم أصبح اليوم أكثر اهتماما بإبراز تعبيرات الرسّام أكثر من ملامحه الشخصية. رمبراندت وفان غوخ رسما لنفسيهما العديد من البورتريهات الشخصية. في الحقيقة، كان رمبراندت من خلال لوحاته لنفسه يسجّل مراحل نضجه الفنّي مرحلةً بعد أخرى. في حين كان فان غوخ في بورتريهاته لشخصه يطرح التساؤلات عن هويّته ويحاول استكشاف المزيد من الأساليب الفنّية الجديدة. فنّانة عصر النهضة ارتيميزيا جينتيليسكي رسمت نفسها وبيدها الفرشاة وأمامها رقعة الرسم. والفنّانة المكسيكية فريدا كالو رسمت هي الأخر...

غويا ودوقة ألبا

صورة
صوّر الفنّان الاسباني فرانشيسكو دي غويا في أعماله العديد من الجوانب المظلمة والمخيفة في الطبيعة الإنسانية. ويقال انه ما من رسّام استطاع أن يصوّر أهوال وويلات الحرب ووحشية الإنسان تجاه أخيه الإنسان بمثل ما فعل هذا الرسّام. كان غويا فنّانا ذا عقل مبدع ونفس كريمة. في بورتريه شخصي مع الدكتور ارييتا، يرسم غويا نفسه مع صديقه الطبيب الذي قام على علاجه ورعايته أثناء مرضه. ويصرّ الفنّان على أن يذيّل البورتريه بهذه العبارة التي تدلّ على نبله وعلى دفئه الإنساني: من غويا امتنانا لصديقه ارييتا للبراعة والرعاية اللتين أنقذ بهما حياتي في مرضي الخطير الذي عانيت منه في نهاية عام 1819 وأنا في سنّ الثالثة والسبعين". وفي البورتريه يظهر غويا جالسا على السرير وهو في حال من الإنهاك والتعب، والى جواره الطبيب الذي يسنده بيد، بينما يرفع باليد الأخرى كأس الدواء إلى فمه. كان غويا إنسانا ميّالا للعزلة والتأمّل، ولطالما شغلته فكرة الموت ومصير الإنسان. ولم يكن يُخفي تشكّكه في الطبيعة البشرية وميل الإنسان الغريزي لارتكاب الشرّ. ومن عباراته المشهورة أن البشر أسوأ من الحيوانات لأنهم على وعي بالأذى...

كتاب الملوك

صورة
dir="rtl" align="right">في سنة 1010م، أي قبل حوالي ألف عام، أكمل الشاعر الفارسي الفردوسي ملحمته "الشاهنامة" أو كتاب الملوك. هذه التحفة الأدبية التي تتكوّن من خمسين ألف بيت مقفّى هي من بين أطول الأعمال الشعرية في العالم. ومثل إلياذة وأوديسّا هوميروس، تتحدّث ملحمة الفردوسي عن أحداث كبيرة من العالم الكلاسيكي. وقد ساعدت هذه الملحمة في الحفاظ على الحضارة واللغة الفارسيتين بعد الفتح العربي لبلاد فارس في القرن السابع الميلادي. وقبل عامين أحيت بعض المنظّمات الثقافية، مثل اليونيسكو، ذكرى مرور ألف عام على وفاة الفردوسي. يُعتبر الفردوسي احد أشهر خمسة أسماء في الشعر الفارسي في جميع العصور. وفي طهران، عاصمة إيران، يمكن رؤية ساحة الفردوسي التي ينتصب فيها تمثال ابيض للشاعر وهو يمسك بكتابه الشهير. وقد أقيم التمثال عام 1976 مكان تمثال آخر للفردوسي كان قد تبرّع به الزارادشتيون الهنود لمدينة طهران قبل أربعة عقود. هذا التمثال ليس سوى معلم واحد من بين العديد من المعالم التي تحمل اسم الفردوسي، ومنها شوارع ومكتبات وكلّيات داخل إيران وخارجها. الجامعة الرئيسية في مدينة مشهد ...

تحفة فان غوخ الحقيقية

صورة
لا بدّ وأنك تعرف على الأقلّ واحدة من هاتين اللوحتين. الأولى، إلى اليمين، هي "ليلة مرصّعة بالنجوم" التي رسمها فان غوخ عام 1889 عندما كان يقيم في مصحّة سان ريمي في باريس. والكثيرون يعتبرون هذه اللوحة المزعجة تحفة فان غوخ الحقيقية. وهي بالتأكيد أفضل صورة معروفة له. وقد لا تبتعد كثيرا عن موناليزا دافنشي التي يقال إنها أشهر لوحة في العالم. لكنْ بصراحة، هذه اللوحة، أي ليلة مرصّعة بالنجوم، لا تروق لي كثيرا. وعندما مررتُ بجوارها في متحف الفنّ الحديث بـ نيويورك لم تُثِر في نفسي أيّ شعور بالإعجاب أو الانجذاب. مع أن اللوحة كانت ملهمة لعشرات القصائد الشعرية والأغاني. وكنت افترض دائما أن لامبالاتي باللوحة لها علاقة بالمسائل الوجدانية والشعورية. إذ من عساه يهيم في حبّ لوحة تتضمّن قدرا كبيرا من التوتّرات والإغماءات! اللوحة الثانية، إلى اليسار، إسمها أشجار السرو. وهي لوحة معروفة جدّا لأنها معروضة دائما في متحف المتروبوليتان في نيويورك. هذا على الرغم من أنها محاطة بالعديد من التحف الانطباعية وما بعد الانطباعية التي تجعل التغاضي عنها أمرا سهلا. على الورق، اللوحتان متماثلتان. وف...

ما وراء الأقنعة

صورة
لم يكن فرويد مجرّد عالم أحدث ثورة كبرى في مجال دراسة النفس البشرية، بل إن أهميّته تكمن في أنه كان عالما موسوعيّا متعدّد المواهب والاهتمامات. ولطالما شدّتني نظرياته عن اللاشعور والأحلام والرغبات الباطنية بقدر ما فتنت بأسلوبه الساحر وكتاباته المشوّقة والعميقة عن الشخصيات التاريخية وعن الفن وعلم الجمال وتاريخ الأديان وعلم الإنسان.. إلى آخره. إن فرويد لا يتحدّث كعالم نفس فقط، بل كمؤرّخ وعالم اجتماع وفنان وشاعر وإنسان يملك رؤية واسعة وخيالا خصبا. ومن الصدف الجميلة أنني وجدت أن ثلاثة من أهمّ كتبه هي "علم نفس الجماهير" و"إبليس في التحليل النفسي" و"الهذيان والأحلام في الفن" مترجمة إلى اللغة العربية بأسلوب راق ومبسّط وسلس يناسب الشخص المتخصّص كما يناسب الإنسان العاديّ على حدّ سواء. والمترجم الذي تصدّى لهذه المهمّة العسيرة هو المفكّر والأكاديمي العربي جورج طرابيشي الذي ما من شكّ في أن ترجمته لأعمال فرويد تلك تمثل إضافة نوعية ومهمّة للمكتبة العربية. وكنت قد قرأت قبل ذلك جانبا من آراء فرويد وانطباعاته عن الفنّ وعن مشاكل الإبداع بشكل عام. صحيح أن الكثير من الآراء ا...