المشاركات

خطوط وألوان

صورة
يُفترض أن هذه اللوحة تصوّر الأحداث المأساوية التي وقعت في ذلك اليوم في مدريد عاصمة اسبانيا. هيو توماس وصف اللوحة بأنها "أوبرا منظمّة". ورغم جمال هذا الوصف، إلا انه مضلّل إلى حدّ ما. ما غفل عنه توماس هو الاستثناء، وهو موجود هنا في هذه اللوحة. وحيث توجد الأخطاء والغموض وعدم الاتساق، يوجد المعنى. معظم الشخصيات في اللوحة ضحلة نسبيا. وهي موزّعة في كلّ أنحائها، مثل عناصر زخرفية مصفوفة على سطح مستوٍ. غير أن الاستثناء الوحيد فيها هو الرجل الذي يرتدي جاكيتا اخضر فاتح اللون في الزاوية السفلى اليسرى. هذا الرجل يظهر وهو يطعن الحصان الأبيض بخنجر. شكل الرجل مختلف عن بقية الأشخاص. وهو يقف في بقعة مضاءة ويبدو بكامل قوامه، كما لو أننا نرى صورة ثلاثية الأبعاد. كما انه يتحرّك إلى داخل الصورة. هذا الرجل هو غويا نفسه. اللوحات العظيمة ليست وثائق تاريخية، كما لا يمكن اعتبارها تاريخا. لو كانت كذلك حقّا، فإنها على الأرجح لن تكون فنّا. الرسّام الحقيقي فقط هو الذي يعكس ما يعتمل في عقله في لحظة الخلق، كما فعل غويا هنا. لقد رسم الصراع المستمرّ بين جانبين في عقله حيث الدم والكدح والدموع والعرق. وهذا ك...

سيمفونية الحياة

صورة
أقف الآن على مشارف السبعين. أنظر إلى الماضي واتأمّل كيف انصرمت هذه السنوات سريعا، وما الذي حقّقته خلالها وما الذي لم أحقّقه. البعض يشبّه حياة الإنسان بالسيمفونية الموسيقية. وهذا الوصف دقيق ومقنع إلى حدّ كبير. فالحياة مثل السيمفونية من حيث أن لها بداية ونهاية. كما أنها تحتوي على حركات ومقاطع وأنغام مختلفة ومتنوّعة يشارك في صوغها أناس متعدّدون. من المفردات التي أتوقّف عندها وتحفّزني على التفكير طويلا كلمة "ممرّات". وهي تعني العبور من مرحلة إلى أخرى أو الانتقال من طور لآخر: طفولة، شباب، نضج، مرض، موت .. وهكذا. بعض الناس يعتبرون الزواج احد المراحل الرئيسية في الحياة. ولا يفوق هذه المرحلة من حيث الأهمّية سوى إنجاب الأطفال. والبعض يقيسون حياتهم بالعقود، عندما يتحدّثون عن العشرينات والثلاثينات والأربعينات إلى آخره. موت الأبوين يشكّل مرحلة حزينة في حياة أيّ إنسان. وهو حدث ينبّه الإنسان إلى انه، هو أيضا، يقترب من هذه التجربة في إطار ما يُسمّى بالحالة الإنسانية. إن عدم فهم الإنسان لمعنى الحياة قد يعرّضه للعديد من الأمراض والانتكاسات على المستويين الفردي والاجتماعي. عندما كسرتُ حا...

دَفن كونت اورغاس

صورة
إسبانيا، طليطلة، والأطراف المستطيلة والألوان النابضة بالحياة. هذه هي الكلمات التي تقفز إلى الذهن عندما يُذكر اسم إل غريكو ، احد أعظم الرسّامين في التاريخ. أصله من جزيرة كريت باليونان. وقد بدأ مسيرته كرسّام باسمه الأصلي دومينيكو ثيوتوكوبولوس. عمل في البداية كرسّام للأيقونات. لكن الأيقونات مسطّحة ولا حياة فيها. كما أنها قديمة الطراز. لذا قرّر دومينيكو أن يتعلّم فنّ الرسم الواقعي. وبحكم كونه مواطنا من فينيسيا، التي كانت تحتلّ كريت في ذلك الوقت، فقد اختار أن يسافر إلى فينيسيا. وفيها تعلّم كل ما استطاع أن يتعلّمه من الرسّامين الكبار مثل تيشيان و تينتوريتو وغيرهما. كما أتقن الأسلوب الفنّي الجديد المسمّى الماناريزم أو الأناقة المتكلّفة. وبعد قضائه بعض الوقت في فينيسيا وروما، ذهب دومينيكو إلى إسبانيا. وهناك منحه المعجبون به اسمه الذي سيشتهر به في ما بعد: إل غريكو، الذي يعني "الإغريقي". ومع ذلك، ظلّ طوال حياته يوقّع لوحاته باسمه الحقيقي مكتوبا بأحرف يونانية، ما يدلّ على أنه كان شخصا شديد الاعتزاز بتراثه. تحفة إل غريكو الكبرى هي لوحته دفن كونت اورغاس . وهي ليست أفضل أعماله فحسب،...

ساتي: جيمنوبيدي رقم واحد

صورة
كان ايريك ساتي (1866-1925) احد الروّاد الذين أسهموا في تطوير الموسيقى الحديثة. ومجموعته من القطع الموسيقية ذات الأسماء الغريبة التي ألّفها للبيانو اعتُبرت طليعية. كما أنها أفسحت المجال لظهور الموسيقى الانطباعية والكلاسيكية الجديدة والتقليلية والمحيطية. في حيّ مونمارتر، كان الناس يعرفونه بملابسه الرمادية وبنظّاراته الغريبة وقبّعته الطويلة السوداء. حبّ ايريك ساتي الوحيد كان الموسيقى. لكنه كان يختنق بالتقاليد الموسيقية السائدة. وهو لم يكن يشير إلى نفسه كموسيقيّ، بل كخبير في قياس الأصوات. كما انه صاحب القول الساخر المشهور: كلّما عرفت البشر أكثر، كلّما ازداد إعجابي بالكلاب". وقد قيل إن لموسيقى ساتي نكهة شمبانيا فريدريك شوبان ومرارة نبيذ يوهانس برامز. وقال آخرون إن من يستمع إلى موسيقاه لا بدّ وأن يتخيّل أن من ألّفها "إنسان متوحّش يتمتّع بذائقة سليمة". كان من بين أصدقائه كلود ديبوسي وجان كوكتو وبابلو بيكاسو وايغور سترافنسكي. وكان هؤلاء سببا في إلهامه بعض قطعه الموسيقية الخالدة. أشهر مؤلّفات ساتي هي مقطوعته التي وضعها للبيانو والمسمّاة جيمنوبيدي رقم واحد. وجيمنوبيدي كلمة يونان...

رحلة إلى شُطآن الليل

صورة
في العالم القديم، كان الليل يمثّل عنصرا مخيفاً. أحيانا كان يرمز للخوف، وأحيانا أخرى للغموض. وقد استمرّت هذه الفكرة طوال قرون. لكن أصبح للّيل أهمية خاصّة عند الرومانسيين. كانوا يربطونه بالأفكار المتسامية والنبيلة بما يتضمّنه من ذلك المزيج الفاتن من عناصر الجمال والغموض وقوى ما فوق الطبيعة. الرؤى المرتبطة بالليل تغيّرت على مرّ العصور. الرسّامون الواقعيون كانوا يرسمونه في طبيعة نقيّة. وكانت رسوماتهم تثير أجواءً من التأمّل والاستبطان الحزين. الفنّانون الحداثيون رسموا الليل انطلاقا من الطبيعة الحضرية وحياة المدن وما تضجّ به من ضروب المتعة والتسلية. ❉ ❉ ❉ الفنّان الروسي من أصل يوناني ارشيب كوينجي رسم الليل في واحدة من أكثر اللوحات شهرة في تاريخ الرسم والتي اكتسب الرسّام بفضلها شهرة أسطورية. اسم اللوحة ليلة مقمرة على ضفاف نهر الدنيبر. وقد رسمها في العام 1882م. عندما عرض الرسّام هذه اللوحة لأوّل مرّة في سانت بطرسبيرغ اصطفّ الناس في طوابير طويلة لرؤيتها. وقد وُضعت داخل غرفة مظلمة، بينما صُفّت حول إطاراتها المذهّبة والفخمة شموع محترقة. في اللوحة، يصوّر كوينجي...

تشارلي شابلن الهندي

صورة
أحد أشهر أفلام السينما الهندية يحكي عن رجل متشرّد من طراز تشارلي شابلن يرتدي حذاءين رثّين وبنطالا قصيرا ويعتمر قبّعة غريبة الشكل. ويظهر الرجل في الفيلم وهو يمشي على طريق ريفي و يتغنّى بهذه الكلمات باللغة الهندية: حذائي ياباني، وبنطالي انجليزي، وعلى رأسي قبّعة حمراء روسية. ثم يقول مشيرا إلى صدره: لكنّ قلبي ما يزال هنديّا". هذا القلب هو قلب راج كابور ، أشهر ممثّلي السينما الهندية في عصرها الذهبي. وأغنيته هذه، التي هي عبارة عن بيان بسيط عن الوطنية الهندية، داعبت وترا حسّاسا في نفوس الناس في الجمهورية الهندية الشابّة عندما ظهرت في فيلم "السيّد 420" الذي أنتج في العام 1955م. ولم يكن نجاح هذه الأغنية كبيرا في الهند فحسب، بل تعدّاها إلى الشرق الأوسط والاتحاد السوفيّتي أيضا. راج كابور "1924- 1988" كان يُلقّب في زمانه بالاستعراضيّ الكبير. وكان تأثيره واسعا على المشهد السينمائي الهندي كلّه. لكن كيف يمكن تقديم كابور وأعماله لأولئك الذين لا يعرفون سوى القليل عن السينما الهندية؟ كان كابور ممثّلا رائدا. ولطالما لعب ادوار الشعراء والعشّاق. وقد شكّل، مع الممثّلة نرجس ، احد ...

دي توريس القرطبي

صورة
في القرون الوسطى، كانت قرطبة واحدة من أكبر مدن الأندلس. ولو زرت هذه المدينة اليوم لوجدت فيها الكثير من الأماكن التي تذكّر بماضي المدينة العريق: الأفنية المرصوفة والحدائق الغنّاء والطرقات التي تتباين ألوانها الخضراء مع ألوان السماء الزرقاء. وسيجد السائح في قرطبة العديد من مناطق الجذب الثقافي مثل المتحف الذي يضمّ قطعا وتحفا ثمينة من فترات تاريخية مختلفة. وهناك الحيّ اليهودي الذي يضمّ أحد المعابد اليهودية الثلاثة التي ظلّت قائمة حتى اليوم في اسبانيا. ومن أشهر الشخصيات التاريخية التي ارتبطت بـ قرطبة العالم ابن ميمون والفيلسوف الكبير ابن رشد الذي يُعتبر رمزا للثقافة العربية في الأندلس. وعلى ضفاف نهر الوادي الكبير، يمكنك رؤية الكازار "أو القصر" الذي كان يقيم فيه ملوك قرطبة من العرب. في غرف هذا القصر، كان كريستوفر كولومبوس يجمع الأموال التي ستُصرف على مغامرته لاكتشاف العالم الجديد. وفيما بعد، أصبح القصر مقرّا لمحاكم التفتيش ثم حُوّل إلى سجن. غير أن القصر تحوّل اليوم إلى مركز ثقافي تقام في بعض صالاته الفعاليات الثقافية والحفلات الموسيقية. ومن أهم مناطق الجذب الأخرى...