المشاركات

حياتان متشابكتان

صورة
كنّا في فينيسيا في أبريل، وكنت مبهورا بضوء الأكوامارين؛ ذلك الضوء الخفيف الذي يتلاعب بالأسطح المظلمة المتحرّكة للقنوات، ويلمع على الحجر والرخام، ويجمع بينهما بطرق متغيّرة. وفي كلّ مرّة أغمض عينيّ، أرى لونا أخضر إنغليزيّا للغاية، أخضر مصفرّا أكثر، يتكوّن من الضوء المتلألئ على المروج المحروثة، والضوء الأخضر الكثيف في الغابات الإنغليزية، الضوء الذي يتلاشى في جذوع الأشجار المتشابكة، والوميض على الظلال على طبقات الأوراق في الصيف. كنّا هناك لزيارة متاحف المدينة، وكنت مهتمّا جدّا بقصر ماريانو فورتشوني، الفنّان الذي لم أكن أعرف عنه شيئا، سوى أنه الفنّان الوحيد الحيّ الذي ذكر اسمَه مارسيل بروست في كتابه "البحث عن الزمن الضائع". ومع مرور الزمن، أصبحت مهتمّا أكثر فأكثر بالحرفيين: نافخي الزجاج والخزّافين وصنّاع المنسوجات، ربّما لأن اسلافي كانوا من صانعي الفخّار في مدن الفخّار الإنغليزية. في كلّ مرّة أفكّر في فورتشوني، أجد أنني كنت أفكّر أيضا في الإنغليزي ويليام موريس. كنت أستخدم موريس لفهم فورتشوني، وأستخدم فورتشوني لإعادة تخيّل موريس. الفيروز، والأخضر الذهبي. ال...

أصوات

صورة
ورثت حبّ الأصوات عن والدي رحمه الله. كان، كمعظم أبناء جيله، دائم الاستماع إلى الإذاعات، إمّا لمتابعة نشرات الأخبار أو لسماع آي من الذكر الحكيم بأصوات مشاهير المقرئين كمحمّد صدّيق المنشاوي وعبد الباسط عبدالصمد ومحمود خليل الحصري وغيرهم. ومع مرور الأيّام، وبحكم التقليد والاتّباع، انتقلت هذه الصفة إليّ. وحتى الآن أحبّ أن استمع إلى راديو السيّارة؛ المكان الوحيد هذه الأيّام الذي يمكنك فيه سماع المذيعين والمقرئين والمغنّين الذين ألفنا سماع أصواتهم منذ الصغر. وما أزال أحتفظ في ذاكرتي بالكثير من الأصوات الجميلة التي يصعب على المرء عادة أن ينساها. طبعا يستحيل على الإنسان نسيان صوت والده ووالدته وحتى بعض أقاربه مهما تقادم الزمن. لكن يصعب أيضا نسيان أصوات بعض المذيعين والمذيعات، خاصّة إن كان لها ارتباطات سيكولوجية أو ذهنية معيّنة. وهذه الأيّام كثيرا ما نتكلّم عن حوّاس الإبصار والشمّ والذوق واللمس ونُغفل الحديث عن حاسّة لا تقلّ أهمّية كحاسّة السمع. والسبب هو أن ثقافتنا المعاصرة بصرية في الغالب، إذ الصورة هي المهيمنة على كلّ ما عداها من وسائط. وللأسف لا يبدو الصوت مهمّا أمام طغيان و...

أبناء الشمس: عُطارد

صورة
لو نظرت إلى أيّ رسم للمجموعة الشمسية، ستلاحظ أن عُطارد هو الكوكب الأقرب إلى الشمس. ونتيجة لهذا القرب فإنه يتأثّر بقوّة بجاذبيّتها، إذ يدور حولها بوتيرة سريعة جدّا مكملا دورته في 88 يوما فقط. في هذه المرّة، نذهب في زيارة سريعة إلى هذا العالَم الصخريّ الصغير الذي يُعتبر المسافر الأسرع في مجموعتنا الشمسية. الأرقام الفلكية تقول إن عُطارد، أو "ميركوري" كما يُسمّى باللاتينية، يبعد عن الشمس بأقلّ من نصف المسافة التي تفصل الشمس عن كوكب الأرض. وبناءً عليه، ليس من المستغرب أن يفترض الناس أن عطارد هو الكوكب الأكثر سخونة من بين كلّ الكواكب. لكنّ الواقع يقول غير ذلك، فكوكب الزهرة، ثاني أكثر الكواكب بعدا عن الشمس والذي يبعد عنها بأكثر ممّا يبعد عنها عطارد بـ 30 مليون ميل، هو أكثر الكواكب سخونةً. أيضا ستلاحظ أن عطارد هو أصغر كوكب في النظام الشمسيّ كلّه. كما انه واحد من خمسة كواكب يمكن رؤيتها من الأرض بالعين المجرّدة. والكواكب الأربعة الأخرى هي الزهرة والمرّيخ والمشتري وزُحل. ولاعتبارات عمليّة، فإن عطارد ليس له غلاف جوّي وليس له غطاء حراريّ لمساعدته على الاحتفاظ بحرارة الشمس...

نوستالجيا

صورة
الزمان مكان سائل. والمكان زمان متجمّد. - ابن عربيّ أحد الكتّاب طرح ذات مرّة سؤالا فلسفيا عندما قال: لماذا نسمّي الماضي ماضياً، ونحن نتذكّره كلّ يوم؟! هذا التساؤل مبرّر وفي مكانه. وقد دفعني لأن أطرح تساؤلا قد يكون مختلفا بعض الشيء ولكنّه ذو صلة بالسؤال السابق. نحن، عندما ننشغل بتذكّر الماضي والحنين إليه، هل يُعتبر هذا سلوكا صحّيا، أم انه مؤشّر على أن هناك شيئا ما خطأ في تفكيرنا أو في طريقة حياتنا؟ هذا السؤال أثار في ذهني جملة من الأفكار والانطباعات التي قد تثير التأمّل والتفكير. أوّلا: قد لا يكون الماضي اسعد من الحاضر بالضرورة، ونحن عندما نتذكّره بشيء من الحنين فقد يكون السبب أن حياتنا الآن قد لا تكون مريحة أو بأفضل ما يُرام. وهناك سبب آخر يتمثّل في أن الإنسان بطبيعته يحنّ إلى أيّام الصبا والطفولة عندما كانت الحياة بسيطة وخالية من التعقيدات والمسئوليات. الإحساس بالحنين، أو ما يُسمّى في الأدب والفنّ بالنوستالجيا، يمكن أن يكون قويّاً لدرجة انه في القرنين السابع عشر والثامن عشر كان يوصف ويعالَج باعتباره مرضاً أو نوعا من الكآبة والحزن. قرأت انه أثناء الحرب الأهلية الأمريكية...

درس من برتراند راسل

صورة
من العبارات الجميلة التي تستحقّ أن تُتذكّر زمنا طويلا قول الفيلسوف البريطاني برتراند راسل: لن أموت أبدا دفاعا عن قناعاتي أو مبادئي، فقد أكون مخطئا". والعبارة تتضمّن درسين مهمّين: الأوّل هو أن ما نعتقد انه قناعات مطلقة أو نهائية لا يعدو كونه مجرّد آراء أو تصوّرات قد تخطيء أو تصيب، وإن كانت صائبة اليوم فقد لا تكون كذلك غدا. والدرس الثاني أن ما نعتقد انه قناعات أو مبادئ قد لا يعتبرها الآخرون كذلك، فهي في النهاية أفكارنا الشخصية الخاصّة وليس علينا حمل الآخرين أو إجبارهم قسرا على اعتناقها أو تبنّيها. راسل له مأثورات كثيرة عميقة المغزى، لكن هذه العبارة هي من أبلغ ما قاله. لماذا يتعيّن على الإنسان أن يموت أو أن "يدفع حياته ثمنا لمبادئه"، وهي الفكرة التي كثيرا ما تساق كذريعة للاستخفاف بالحياة وإلقاء الإنسان بنفسه إلى التهلكة؟ إن تضحية أيّ إنسان بحياته دفاعا عمّا يظن انه عقيدة أو حرّية فكرية هو ضرب من الخَبال. ولو طبّق الناس مقولة راسل الذهبية لكانت البشرية قد وفّرت الكثير من الأفراد المتميّزين ممّن "دفعوا حياتهم ثمنا لمبادئهم". يقال أن سقراط، مثلا، دفع حيا...

نجمة الميلاد

صورة
كلّ عام والإخوة المسيحيون في كلّ مكان بخير وسلام بمناسبة أعياد الميلاد المجيد ورأس السنة. من بين الرسومات الجميلة التي تزيّن بطاقات الميلاد عادة في مثل هذا الوقت من كلّ عام صورة ظلّية لثلاثة رجال يرتدون ثيابا قشيبة ويمتطون ظهور الجمال في الليل ويحدّقون عبر التلال أو الكثبان الرملية بحرص قبل أن يوجّهوا أنظارهم نحو بيت صغير منعزل على مسافة. الليل مظلم، وهناك نجمة ساطعة ووحيدة تحوم فوق البيت الصغير وترسل شعاعا من الضوء الساطع باتجاه الأرض يضيء حدود البيت. وفي داخل البيت ثمّة ضوء آخر. الإشارات الدينية تذكر أن نجمة ظهرت لثلاثة من حكماء المجوس في الشرق. كان هؤلاء طبقة من الكهّان والحكماء من بلاد فارس، وكانوا على دراية بالفلك والنجوم والسحر. وقد رأوا في السماء شيئا نبّههم إلى أن المسيح كان على وشك أن يولد. وحفّزتهم النجمة للسفر من فارس إلى أورشليم، أي إلى المكان الذي يُرجّح أن ملك اليهود الموعود سيولد فيه. علم فلك المجوس كان يفترض أن النجوم تصوغ حياة الإنسان من الميلاد إلى الموت. كانوا يعتقدون أن الظهور المفاجئ لنجم جديد ولامع في السماء هو علامة على ولادة إنسان مهم. وكانو...

بورتريه لديكارت

صورة
عادة ما يكون الفلاسفة عرضة للاتهام بالكثير من الأخطاء والخطايا. أكثرهم نفوذا، أي أفلاطون وأرسطو وجون لوك وشركاءهم، ما يزالون يجتذبون حشدا من الأعداء الذين ينقّبون في أعمالهم، بحثا عن أخطاء أو لشجب تأثيرهم على الفكر الغربيّ. وفي أيّامنا هذه، فإن رينيه ديكارت، المفكّر الفرنسي من القرن السابع عشر والذي كثيرا ما يوصف بأنه مؤسّس الفلسفة الحديثة، يُعتبر كيس اللكم المفضّل. ومن علامات اتّساع نطاق تأثير هذا الرجل أنه صنع لنفسه الكثير من الأعداء، من بينهم علماء نفس ومدافعون عن حقوق النساء وعلماء أحياء ومدافعون عن حقوق الحيوان. وكانت هناك ضربات أخرى وُجّهت له في الآونة الأخيرة أيضا. فطبيب الأعصاب أنطونيو داماسيو، في تقريره بعنوان "خطأ ديكارت"، هاجم فصل ديكارت العقل عن العاطفة. وفي تاريخ حقوق الحيوان، يوصف ديكارت باعتباره شخصا شرّيرا لادعائه أن الحيوانات ليست أكثر من مكائن متطوّرة وليس لها القدرة على الشعور بالألم. وقد كتب بمرح إلى صديق له عام 1638 يقول: فتحت صدر أرنب حيّ ثم أزلت الضلوع لأرى القلب وجذع الشريان الأورطي". أمّا بالنسبة للبيئة، فإن التصوّر الديكارتي عن ق...