المشاركات

موسى وميكيل انجيلو وفرويد

صورة
إلى ما قبل ظهور سيغموند فرويد، كان تاريخ الفنّ عبارة عن توثيق للأعمال الفنّية: كيف ظهرت وإلامَ انتهت، وما هي التأثيرات الثقافية والاجتماعية التي شكّلت دافعا للفنّان في انجاز هذا العمل أو ذاك. لكن عالم النفس النمساويّ الشهير ابتكر طريقة لاكتشاف كيف ولماذا يؤثّر فينا الفنّ العظيم. ومن خلال دراسة العمل الفنّي سيكولوجيا، وكذلك التحليل النفسي للفنّان صاحب العمل، قدّم لنا فرويد أدوات فعّالة تمكّننا من فهم الإبداع وإدراك القوّة التذكّرية والعاطفية للفنّ بطريقة أفضل. كان أسلوبه في دراسة الفنّ مشابها إلى حدّ ما لطريقته في تفسير الأحلام. فالصور في الأحلام، وكذلك في الرسم والنحت، ما هي إلا تقطير بصريّ للأفكار والتأثيرات. كان فرويد متماهيا مع النبيّ موسى. كتابه الأخير كان عنوانه "موسى والتوحيد". والواقع انه كان يرى في نفسه، هو أيضا ومثل موسى، زعيما لجماعة صغيرة، لكن تأثيرها قويّ وواسع. وكان فرويد يقول لأصدقائه دائما أن روما هي مدينته المفضّلة وأن زياراته لها تسرّه كثيرا. وقد عُرف عنه اهتمامه بالآثار وبجمع التحف. وكان يستخدم الآثار والتنقيب كتعبير مجازيّ عن العقل الباطن و...

عشاء مع بريغل

صورة
هناك بعض الرسّامين ممّن يتمنّى المرء لو رآهم وعرفهم عن قرب. وهؤلاء عندما تتأمّل رسوماتهم، تحسّ أن فيها فكرا وعمقا وفنّا وسعة خيال. والأمر يشبه ذلك الشعور الذي يساورك عند انتهائك من قراءة كتاب شيّق ومفيد بأنك ترغب في الحديث مع مؤلّفه لبضع دقائق، كي تعبّر له عن شكرك وامتنانك على أفكاره الممتعة والمفيدة، ثمّ لكي تسأله عن بعض التفاصيل التي استوقفتك في كتابه أو تلك التي استشكل عليك فهمها. وشخصيّا هناك أكثر من رسّام ممّن يثيرون اهتمامي وتستوقفني أعمالهم كثيرا، ويأتي في طليعة هؤلاء الرسّام الهولنديّ الجميل بيتر بريغل الأب. وبداية، هناك ملاحظة جانبية، وهي أن لا مشكلة في أن يُكتب اسمه بريغل أو برويغل، فكلا النطقين صحيح بحسب من أرّخوا لسيرة حياته. لكن لماذا بريغل فنّان خاصّ ومختلف ومثير للاهتمام؟ هناك عديد من الأسباب، بعضها شكلانيّ والبعض الآخر جوهريّ. فبريغل، أوّلا، كان احد أشهر شخصيّات عصر النهضة الشمالية. وفنّه يذكّرنا بالحداثة وبالتأثير والقيمة العالمية للفنّ. ثم انه كان فنّانا مبتكِرا، وهذا واضح من طريقة تصويره لحياة الفلاحين بطريقة هزلية وساخرة أحيانا، لكنها تشي بوعيه وإد...

بلاث و فرخزاد

صورة
على مدى ثلاثين عاما (من 1930 إلى 1960)، ظهرت شاعرتان في بلدين مختلفين وثقافتين مختلفتين. وقد شاركتا بشكل مدهش في نفس الاهتمامات والموضوعات. وكلاهما كانتا شخصيّتين معروفتين في زمنهما وأظهرتا شجاعة فائقة في التعبير عن نفسيهما وفي تقويض المحرّمات. ولأنهما عاشتا في حقبة مضطربة، أي في زمن ما بعد الحرب، فقد كانتا رائدتين للكتابة النسوية. الأولى هي الشاعرة سيلفيا بلاث التي ولدت في 27 أكتوبر 1932 في بوسطن، ماساشوستس. عندما كانت بلاث تدرس في الجامعة، عانت من انهيار عصبيّ وحاولت الانتحار بعد ستّة أشهر من العلاج، إلا أنها شُفيت وعادت إلى كلّيّتها وتخرّجت في عام 1955. وقد سافرت بلاث إلى إنجلترا والتقت الشاعر الإنجليزي تيد هيوز وتزوّجته في يونيو من عام 1656. وفي عام 1962، وبعد أن علمت عن علاقته بامرأة أخرى، انفصلت عنه. ثم كتبت شعرا يُعترف به اليوم على انه أصليّ بشكل مذهل في غضبه، وذو ألوان حيّة بتصويره لأشعّة الشمس والطاقة والحياة، جنبا إلى جنب مع الإغراء الذي يثير اليأس والخواء والظلام. وفي عام 1963، أقدمت سيلفيا بلاث على الانتحار بعد أن استنشقت الغاز من موقد المطبخ في بي...

سهرة مع السهروردي

صورة
بعض الشخصيات من عالم الإسلام الصوفيّ لن تندم على قضائك ساعات معها، تقرأ عن حياتها وتستمتع بأشعارها، وأثناء ذلك تلج إلى عصرها وتتأمّل عالم الأفكار والتصوّرات الذي أنتجته. والسهْرَوَرْدي، المولود في سهْرَوَرْد في مقاطعة زنجان من أعمال أذربيجان، هو احد تلك الشخصيات الملوّنة والمبهرة. وهو مشهور، خاصّة، بفلسفة الإشراق. ولهذا يلقّبه المؤلّفون الذين كتبوا عن سيرة حياته وأشعاره وعن مأساة موته بـ "حكيم الإشراق". وفلسفته تستند إلى فكرة مؤدّاها أن الله تعالى هو نور الأنوار ومصدر جميع الكائنات. وأنت تقرأ سيرة السهروردي ومأساة مقتله لن تجد فيها اختلافا كبيرا عن سيرة غيره من الشخصيات اللامعة التي انتهت نهايات مأساوية. في البدء يضيق به الحُسّاد والكارهون بعد أن يصبح قريبا من الملك أو السلطان الذي يصطفيه ويقرّبه لعلمه وفضله. ثم لا يلبث هؤلاء أن يشوّهوا صورته ويحرّضوا عليه العوامّ والدهماء وأنصاف العلماء كي يزيحوه عن طريقهم. في البداية، عندما وصل السهروردي إلى حلب قادما من العراق، رحّب به كبير علمائها الشيخ افتخار الدين واستقبله في قصره. وقد لمس فيه الشيخ علما ورجاحة عقل وحسن...

قصّة فينوس دي ميلو

صورة
من بين جميع الفينوسات التي يزدحم بها متحف اللوفر، وبينهنّ إلهات الفنّ اليونانيّ والرومانيّ، والإلهات ذوات الوجوه والملامح الطفولية في جداريات الأسقف، والنساء الغامضات اللاتي خلّدهنّ الفنّ الأكاديميّ، تقف فينوس دي ميلو شاهقة ومتفرّدة. فينوس، النموذج، كانت دائما إنسانية بشكل لا يقاوم، فهي تبتسم، تفرد ذراعيها أو تسحب فستانها كي تغطي عريها. وأحيانا تجمع خصلات شعرها الطويل وهي تبرز من البحر، أو تلهو مع طفلها كيوبيد. لكن في متحف نابولي الوطني، هناك فينوس أخرى تبدو وكأنها على وشك أن تضرب مخلوق "ساتير" بحذائها. عندما تنظر بتأمّل إلى فينوس دي ميلو سيساورك انطباع بأنها لا تنتمي إلى عالمنا. وفي الحقيقة فإن افتتاننا بها يمكن أن يكشف عن انجذاب عصبيّ لأجسام أو أدوات الحبّ. فينوس دي ميلو محسوسة جسديّا ولا مبالية سيكولوجيا، وقورة وعظيمة وبعيدة. رأسها يميل قليلا بعيدا، نظراتها لا تقابل نظراتنا، وشعرها متقشّف لولا بضع خصلات تسقط حرّة على مؤخّرة عنقها. لكن استجابتنا لهذا المخلوق البعيد تحكمها هذه الخصوصية الآسرة لبشرتها. هنا يعمل النحّات بعاطفة عاشق، مُشرِكا اليد أكثر من العين. ي...

000

====

حياتان متشابكتان

صورة
كنّا في فينيسيا في أبريل، وكنت مبهورا بضوء الأكوامارين؛ ذلك الضوء الخفيف الذي يتلاعب بالأسطح المظلمة المتحرّكة للقنوات، ويلمع على الحجر والرخام، ويجمع بينهما بطرق متغيّرة. وفي كلّ مرّة أغمض عينيّ، أرى لونا أخضر إنغليزيّا للغاية، أخضر مصفرّا أكثر، يتكوّن من الضوء المتلألئ على المروج المحروثة، والضوء الأخضر الكثيف في الغابات الإنغليزية، الضوء الذي يتلاشى في جذوع الأشجار المتشابكة، والوميض على الظلال على طبقات الأوراق في الصيف. كنّا هناك لزيارة متاحف المدينة، وكنت مهتمّا جدّا بقصر ماريانو فورتشوني، الفنّان الذي لم أكن أعرف عنه شيئا، سوى أنه الفنّان الوحيد الحيّ الذي ذكر اسمَه مارسيل بروست في كتابه "البحث عن الزمن الضائع". ومع مرور الزمن، أصبحت مهتمّا أكثر فأكثر بالحرفيين: نافخي الزجاج والخزّافين وصنّاع المنسوجات، ربّما لأن اسلافي كانوا من صانعي الفخّار في مدن الفخّار الإنغليزية. في كلّ مرّة أفكّر في فورتشوني، أجد أنني كنت أفكّر أيضا في الإنغليزي ويليام موريس. كنت أستخدم موريس لفهم فورتشوني، وأستخدم فورتشوني لإعادة تخيّل موريس. الفيروز، والأخضر الذهبي. ال...