المشاركات

خواطر في الأدب والفن

صورة
يذكر المؤرّخ الإيطالي جورجيو ڤاساري في كتابه "حياة الفنّانين" قصّة مشهورة عن فنّان إيطالي يُدعى فيليپو ليپي (1406 - 1469). كان هذا الرسّام مسافرا في أحد الأيّام في قارب مع بعض أصدقائه. وفي عرض البحر قبض عليهم بعض البحّارة المغاربة الذين كانوا يجوبون تلك السواحل، وأخذوهم إلى بلاد المغرب ووضعوهم في السجن. وظلّ الرسّام هناك يعاني الضيق الشديد لمدّة 18 شهرا. ولكن ذات يوم، وبينما كان في صحبة سيّده المغربي، خطرت له فكرة رسم صورة له. فأخذ فحما مطفأً من النار ورسمه بكامل طوله وبزيّه المغربي على جدار أبيض. وبدا لسيّده ومرافقيه أن ما فعله الرسّام كان معجزة، حيث لم يكن الرسم يمارَس في تلك المناطق. وكانت تلك الصورة البسيطة سببا في مكافأة "ليپي" بتحريره من السلاسل التي قيّدته لفترة طويلة ومن ثم نقله بأمان إلى نابولي. وهذه القصّة تثبت ما للفنّ من قوّة عظيمة ومؤثرة. فبسبب صورة، مُنح رسّام جائزة لا تُقدّر بثمن! وبدلاً من معاقبته، وُهبت له الحرّية بدل الموت. ❉ ❉ ❉ ينطوي رهاب التضاريس أو الأماكن Topophobia على روابط عاطفية سلبية بين البشر وبعض البيئات، كالم...

قصّة من روما القديمة

صورة
في التاريخ الروماني، لا تعرف أحيانا متى تنتهي الأسطورة وأين يبدأ الواقع. كما تستوقفك الأدوار البالغة الأهمية التي تلعبها النساء في الكثير من أحداث تاريخ روما القديمة. ومن أشهر القصص التي يمتزج فيها الواقع بالخيال قصّة اغتصاب نساء سابينا التي وقعت حوالي عام 753 قبل الميلاد وورد ذكرها في الكثير من المصادر وفي كلام العديد من المؤرّخين. والحادثة ترتبط بالتاريخ المبكّر لروما وبحكم رومولوس، المؤسّس الأسطوري للمدينة والذي سُميت روما على اسمه. ومع أن القصّة غارقة في الأسطَرَة، إلا أنها تعكس الحقائق التاريخية لروما القديمة، حيث كانت التحالفات وصراعات القوّة أمورا شائعة. وقد تكون القصّة أيضا بمثابة تفسير أسطوريّ لاستيعاب القبائل المجاورة في مجتمع روما. المؤرّخ الروماني المشهور تايتوس ليڤي يروي أن سكّان روما كانت غالبيتهم من الذكور. وقد أدرك رومولوس أنه لكي تزدهر المدينة وتنمو، فإنها بحاجة إلى نساء لإنجاب الأطفال. كما قَدّر بأن مستوطنته الجديدة مهدّدة بألا تستمرّ سوى لجيل واحد فقط بسبب قلّة أعداد النساء لأنه لم يكن يحقّ للرومان الزواج من جيرانهم. وخوفاً من أن يصبح الرومان أمّة منقرضة...

الشعر الأسود

صورة
"الشعر الأسود" واحدة من أربع قصص منفصلة يتضمّنها الفيلم الياباني "كايدان" من إخراج ماساكي كوباياشي (1964). وتبدأ القصّة بمشهد لمحارب ساموراي يمرّ بوقت عصيب، إذ يجد نفسه فجأة بلا عمل في كيوتو، العاصمة القديمة لليابان. ونرى زوجته المحبّة والوفيّة وهي تعمل بجدّ في النسج على نول في منزلهما من أجل تحسين معيشتهما. لكن الساموراي الزوج لديه خطط أخرى، ويريد أن يترك زوجته بحثا عن مراعٍ أكثر خضرة. ويرفض بقسوة توسّلات الزوجة له بأن يبقى الى جوارها. ويبحث الساموراي عن امرأة أخرى ثريّة توفّر له المكانة ووظيفة مرموقة مع الحاكم. وفعلا يجد الزوجة الثريّة التي يبحث عنها. لكن زوجته الجديدة لا تشبه زوجته السابقة. فهي أنانية وقاسية ولامبالية ومتغطرسة. وتمرّ سنوات، يتذكّر خلالها بحنين زوجته الأولى التي اعتادت العمل باستمرار حتى يتمكّنا من العيش بسعادة. وبعد أن أدرك أنه ما يزال يحبّها وعرف مدى ظلمه لها ونكرانه لجميلها، أصبح يملؤه الأسى والندم وهجَرَته راحة البال. وفي بعض الأحيان كانت زوجته السابقة تظهر له في أحلامه وهي جالسة وحدها في الغرفة الصغيرة من المنزل المتهالك الذي ترك...

عالم كريستينا

صورة
كان أندرو وايت أحد أبرز فنّاني الواقعية الأمريكية في رسم القرن العشرين. وقد عُرف بمناظره الحالمة التي تصوّر الريف كمهرب، وأهمّها وأشهرها "عالم كريستينا" التي رسمها عام 1948. وهي اليوم من مقتنيات متحف الفنّ الحديث في نيويورك وجزء من مجموعته الدائمة. المرأة الظاهرة في اللوحة، واسمها كريستينا أولسون، كانت قد أُصيبت باضطراب عضلي سبّب لها ضعفا في القدمين وعضلات أسفل الساق وأعاق تناسق أصابعها ويديها ومعصميها ولسانها. ونتيجة لذلك، أصبحت معاقة من الخصر فأسفل منذ أن كانت في الثلاثين من عمرها. وغالبا ما كانت تتحرّك بين ممتلكات عائلتها إلا زحفاً بعد أن اصرّت على عدم استخدام كرسيّ متحرّك في تنقّلاتها. كانت أولسون إحدى مُلهمات الرسّام أندرو وايت، وقد ظهرت في العديد من أعماله الفنّية الأخرى. وكان هو صديقا لعائلتها، وقد اُعجب بروحها القويّة وشجاعتها، فرسمها بأكبر قدر ممكن من الأصالة وهي تجرجر ساقيها بيديها الهزيلتين في طريقها الى المزرعة. وقد استخدم الرسّام زوجته كموديل بدلاً من المرأة المريضة نزولا عند رغبة الأخيرة، كما قيل. الأجواء الريفية التي تعكسها لوحة "عالم ك...

خواطر في الأدب والفن

صورة
قُدّرت ثروة بابلو بيكاسو عند وفاته عام 1973 بحوالي 250 مليون دولار، وهو ما يعادل حوالي مليار دولار اليوم بعد مراعاة نسب التضخّم. وجاءت هذه الثروة الهائلة في الأساس من مجموعته الشخصية الضخمة التي تضمّ أكثر من 45000 عمل، منها 1885 لوحة، و1228 منحوتة، و7089 رسما، و30000 مطبوعة. وعلى الرغم من ثروته تلك، توفّي بيكاسو دون أن يكتب وصيّة، ما أدّى إلى نشوب معركة قانونية ضارية وطويلة حول تقسيم تركته بين ورثته وزوجاته وعشيقاته وأطفاله. وبعد ستّ سنوات من المفاوضات و30 مليون دولار كأتعاب قانونية، سُوّيت التركة أخيرا وحصل أطفاله الأربعة على الجزء الأكبر من الأصول. وثروة بيكاسو مستمرّة في النموّ حتى اليوم، حيث تباع أعماله بأسعار قياسية في المزادات. وتتولّى مؤسّسة بيكاسو التي أنشأها ابنه كلود عام 1996 إدارة مصالح الأسرة والإشراف على ترخيص اسم بيكاسو وصورته. كما تعمل المؤسّسة على منع السرقة والاستخدام غير المشروع لفنّه. وحتى اليوم ما يزال بيكاسو الفنّان الأكثر مبيعا في مزادات الأعمال الفنّية، حيث بيعت ست من روائعه بأكثر من 100 مليون دولار للواحدة. وأغلى عمل فنّي بيع له على الإطلاق كان ...

فارس في مواجهة شبحين

صورة
قليلون هم الأشخاص الذين أحدثوا ثورة في الفنّ. ومن هؤلاء ألبريشت ديورر، الرسّام الألماني من القرن 15/16، الذي حقّقت أعماله شعبية كبيرة خلال حياته واستمرّت كذلك حتى اليوم. ومن أشهر أعمال ديورر نقشه النحاسي المخيف "الفارس والموت والشيطان"، الذي أكمله عام 1513، أثناء إقامته في نورمبيرغ عندما كان يعمل في بلاط الإمبراطور ماكسيميليان. وفيه يتخيّل ديورر فارسا مدرّعا يتقلّد سيفا ورمحا طويلا ملفوفا بذيل ثعلب، ويمتطي حصانا ويمرّ عبر مضيق صخري تحفّه أشجار شائكة وبلا أوراق، بينما ينظر إلى الأمام مباشرة متجاوزا الأهوال التي في طريقه. والفارس يواجه في طريقه خصمين مخيفين، الأوّل مخلوق كريه يلعب دور الموت، يمتطي حصانا ويرتدي تاجا شائكا ويلتفّ حول رقبته ثعبان ويلوّح بساعة رملية كتذكير بقصر الحياة وبأن الموت يأتي للجميع بلا استثناء. والثاني شيطان له وجه ذئب وأنف وأسنان تمساح وقرون كبش وأذنا حمار وقرن طويل ويمسك بصولجان. وفي خلفية المنظر تظهر مجموعة متشابكة من الأشجار الميّتة، وبعدها بمسافة نرى مدينة مسوّرة. وفي الجزء السفلي الأيمن من المقدّمة هناك كلب وسحلية، وإلى اليسار جمجمة...

أصوات الطبيعة

صورة
"لماذا تغرّد الطيور في الصباح؟ إنها الصيحة المبتهجة: لقد أمضينا ليلة أخرى!" ❉ ❉ ❉ ليس جديدا القول أن أصوات الطيور مريحة للأعصاب وباعثة على الطمأنينة. وقد تعلّم البشر على مرّ آلاف السنين أنه عندما تغنّي الطيور فمعنى هذا أنها تشعر بالأمان. وعندما تتوقّف عن الغناء فيجب أن يشعر الناس بالقلق. وأصوات الطيور تُعتبر أيضا منبّها للطبيعة، حيث تشير جوقة الفجر إلى بداية اليوم، وبالتالي فهي تحفّز مداركنا. إلى ما قبل ١٥ سنة، أتذكّر أننا كنّا نصحو في الفجر على أصوات الطيور في الاشجار القريبة من بيتنا في نجران. كانت هناك أوركسترا كاملة من الأصوات المغرّدة التي تبثّ في النفس شعورا بالتفاؤل والتوحّد مع الطبيعة. بعض تلك الطيور كان مستوطنا والبعض الآخر كان يأتي مهاجرا من أماكن بعيدة. وكان أجمل صوت مغرّد بينها ما يُعرف بالبلبل ذو النظّارة البيضاء (White-spectacled bulbul)، وهو طائر متوسّط الحجم يسمّيه الناس في الخليج وشبه الجزيرة العربية البورع أو النغري. ريشه رمادي ورأسه أسود وحول عينيه دوائر بيض (ومن هنا اسم النظّارة) وفي أسفل مؤخّرته بقعة صفراء ويعيش في المناط...