زواج في السهوب/1
في خريف عام 821، اعتلت الأميرة الصينية تشاو هودجا محمولا على ظهر جمل ذي سنامين، وسارت وصيفاتها بجانبها ممتطياتٍ خيولا تركمانية نفيسة. وبصفتها شقيقة إمبراطور الصين، اختيرت الأميرة لتكون هديّة دبلوماسية، إذ كانت في طريقها للزواج من خاقان الأويغور لترسيخ الصداقة بين البلدين.
وكان الإمبراطور قد تسلّم بالفعل، كمهرٍ لشقيقته، أقمشة ناعمة من وبر الجمال وألبسة موشّاة بالديباج وفراء سمّور وأحزمة من اليشم وخمسين جملا وألفاً من الأمهار الصغيرة.
ورغم أن الأميرة قدِمت من الشرق، أي من القصر الإمبراطوري في العاصمة تشانغان، إلا أن الكثير من ملابسها وحُليّها أتت من الغرب، وتحديدا من سهوب آسيا الوسطى النائية التي كانت تعبرها آنذاك.
فقد تزيّنت في شعرها بدبابيس دقيقة من اليشم الأبيض الشفّاف المستخرج من قاع النهر في كوتان، وبزخارف مصنوعة من العاج الهندي وحجر اللازورد من بدخشان، وتألّفت قلادتها من الذهب واللؤلؤ والأحجار شبه الثمينة، مجسّدةً الكنوز السبعة في البوذية. أما حبّات مسبحتها فكانت من الكهرمان القادم من شواطئ بحر البلطيق.
وكانت تشاو تحمل معها عطورا مخصّصة لجسدها وحمّامها وملابسها، بعضها مستورد من الهند، إلى جانب مزيج من خشب العود والمسك لتعطير أنفاسها. وقبل مغادرتها تشانغان، كانت قد بدأت في تعلّم أسلوب جديد من الرقص يُعرف بالرقص الدوّار، وهو رقص تؤدّيه عادة فتيات من الصُغد يرتدين ملابس قرمزية وخضراء، حيث يدرن حول أنفسهن فوق سجّادة مستديرة صغيرة.
كما كانت الأميرة مولعة بشكل خاص بموسيقى الكوتشا، وهي هواية واصلت الاستمتاع بها في قصر الخاقان، حيث كانت تُعزف على آلة الزيثار (أو القيثارة الصينية) المطعّمة بالذهب. كانت موسيقى الشعوب المجاورة تحظى بشعبية هائلة في أوساط المجتمع الحضري في الصين. وكانت عدّة فرق موسيقية أجنبية مقيمة في القصر الإمبراطوري تعزف في المآدب والمناسبات الأخرى. وكانت محظيات القصر يقمن بتكييف كلمات الأغاني الصينية التقليدية لتلائم تلك الألحان.
وبصفتها أميرة، نادرا ما كانت تشاو تغادر القصر، وكان خروجها يقتصر على زيارة ضيعتها الريفية من وقت لآخر. ومع ذلك، لم تكن حياتها خاملة تماما أو محصورة في نطاق ضيّق. فكانت تمارس لعبة البولو، وهي رياضة أخرى وفدت من المناطق الغربية، وكانت فارسة بارعة شأنها شأن العديد من سيّدات البلاط. وكانت العديد من خيولها متحدّرة من سلالة قادمة من فرغانة ومرو، وهُجّنت مع خيول السهوب الصغيرة والقويّة التي كانت تُجلب كجزية من ممالك آسيا الوسطى النائية.
وتتحدّث القصص الصينية عن بلدان عديدة اشتهرت بخيولها، مثل تلك الأرض الواقعة في أقصى الشمال، التي تغطّيها الثلوج دائما وتُعرف باسم أرض الجياد المرقّطة، حيث يقال إن خيولها كانت تفهم كلام البشر. وقد تلقّت الصين هدايا من الخيول من دول وشعوب عدّة، بما في ذلك كشمير وغاندارا والجزيرة العربية. إلا أن الوديان الرطبة في صُغديا وفرغانة كانت المصدر الرئيسي لأجود خيول البلاد.
كانت تشاو رابع أميرة صينية تُزفّ لخاقان أويغوري. كانت الأولى هي عمّة جدّتها التي أرسلت عام 758 بعد أن ساعد الأويغور لأوّل مرّة في قتال المتمرّد روكشان. ولم تكن تلك الأميرة الأولى شابّة حين أُرسلت، إذ كانت قد ترمّلت مرّتين، وبعد قضائها عاما واحدا فقط بين الأويغور، ترمّلت للمرّة الثالثة لتعود بعدها إلى الصين. أما أختها الصغرى، التي رافقتها في الرحلة، فقد بقيت هناك وتزوّجت الخاقان التالي.
أُعلن عن الخطبة في اليوم الأوّل من شهر يوليو، وغادرت تشاو في أواخر شهر أغسطس عبر البوّابة الشمالية الشرقية للمدينة. وكان من المتوقّع أن تستغرق الرحلة التي تزيد مسافتها عن ألف ميل وقتا يمتدّ حتى العام الجديد. إذ كانت قافلة ضخمة كهذه تسير ببطء وتتوقّف كثيرا.
وقد اصطفّ شقيق تشاو (أي الإمبراطور) وكافّة المسئولين وفق مراتبهم لتوديعها في مراسم رسمية. كما خرج سكّان تشانغان لرؤية ذلك المشهد المهيب. واستغرق مرور الموكب الذي ضمّ فرسانا من الأويغور والأميرة وحاشيتها ومسئولين صينيين وجمالا محمّلة بالهدايا للخاقان عدّة ساعات لعبور البوّابة وبدء الرحلة نحو الشمال.
كانت تشاو في طريقها إلى قصر يضاهي البلاط الإمبراطوري في فخامته، لكن لا بدّ أنها شعرت أنها ذاهبة إلى أرض غريبة تماما. وشمل الجزء الأوّل من رحلتها عبور أراضي الصين الممتدّة حتى أقصى شمال النهر الأصفر الذي ينبع من هضبة التبت وينحني في مسار طويل نحو الشمال قبل أن يتجه شرقا ثم جنوبا.
وكانت المنطقة المحصورة داخل هذا الانحناء العظيم تتألّف من صحراء وأراض طينية. وخلفها، جهة الشمال والغرب، تقع صحراء غوبي، بينما تمتدّ جهة الشمال الشرقي سهوب تقطنها شعوب أخرى مثل الخيتان والتانغوت.
لم توفّر الستائر الحريرية في هودج الأميرة تشاو سوى حماية ضئيلة أمام قسوة الصحراء. وعلى مدى أيّام، شقّ موكبها الذي بدا كخيط متعرّج من الذهب والقرمز طريقه، مبتعدا عن أراضي الإمبراطورية الخصبة نحو المناطق الغربية الوعرة التي بدت منحوتة بفعل الرياح. وبعد أيّام من المسير، أصبحت التضاريس أشدّ قسوة، وتراءى عن بعد سراب حرارة خادعة. وأكّد بعض الحرّاس أنهم رأوا مياهاً متلألئة تحيط بها أشجار الصفصاف، وأسرع بعضهم حاملين الدلاء نحو الأفق، لكن لم يلبثوا أن عادوا وهم يهذون بكلمات مبهمة.
وذات مساء، أقامت القافلة مخيّمها بالقرب من مجموعة غريبة من الأشجار المتحجّرة. ومع غروب الشمس، انخفضت درجات الحرارة فجأة وتحوّلت من حرّ لافح إلى صقيع قارس في غضون ساعة. وفي تلك الليلة، بدأت الرياح تُصدر أزيزا شجيّا يشبه بكاء البشر. وصهلت الخيول مذعورة، بينما تشبّث الحرّاس بتمائمهم، موقنين أنهم محاطون بأرواح هائمة لجيوش طواها النسيان.
وكان الإمبراطور قد تسلّم بالفعل، كمهرٍ لشقيقته، أقمشة ناعمة من وبر الجمال وألبسة موشّاة بالديباج وفراء سمّور وأحزمة من اليشم وخمسين جملا وألفاً من الأمهار الصغيرة.
ورغم أن الأميرة قدِمت من الشرق، أي من القصر الإمبراطوري في العاصمة تشانغان، إلا أن الكثير من ملابسها وحُليّها أتت من الغرب، وتحديدا من سهوب آسيا الوسطى النائية التي كانت تعبرها آنذاك.
فقد تزيّنت في شعرها بدبابيس دقيقة من اليشم الأبيض الشفّاف المستخرج من قاع النهر في كوتان، وبزخارف مصنوعة من العاج الهندي وحجر اللازورد من بدخشان، وتألّفت قلادتها من الذهب واللؤلؤ والأحجار شبه الثمينة، مجسّدةً الكنوز السبعة في البوذية. أما حبّات مسبحتها فكانت من الكهرمان القادم من شواطئ بحر البلطيق.
وكانت تشاو تحمل معها عطورا مخصّصة لجسدها وحمّامها وملابسها، بعضها مستورد من الهند، إلى جانب مزيج من خشب العود والمسك لتعطير أنفاسها. وقبل مغادرتها تشانغان، كانت قد بدأت في تعلّم أسلوب جديد من الرقص يُعرف بالرقص الدوّار، وهو رقص تؤدّيه عادة فتيات من الصُغد يرتدين ملابس قرمزية وخضراء، حيث يدرن حول أنفسهن فوق سجّادة مستديرة صغيرة.
كما كانت الأميرة مولعة بشكل خاص بموسيقى الكوتشا، وهي هواية واصلت الاستمتاع بها في قصر الخاقان، حيث كانت تُعزف على آلة الزيثار (أو القيثارة الصينية) المطعّمة بالذهب. كانت موسيقى الشعوب المجاورة تحظى بشعبية هائلة في أوساط المجتمع الحضري في الصين. وكانت عدّة فرق موسيقية أجنبية مقيمة في القصر الإمبراطوري تعزف في المآدب والمناسبات الأخرى. وكانت محظيات القصر يقمن بتكييف كلمات الأغاني الصينية التقليدية لتلائم تلك الألحان.
وبصفتها أميرة، نادرا ما كانت تشاو تغادر القصر، وكان خروجها يقتصر على زيارة ضيعتها الريفية من وقت لآخر. ومع ذلك، لم تكن حياتها خاملة تماما أو محصورة في نطاق ضيّق. فكانت تمارس لعبة البولو، وهي رياضة أخرى وفدت من المناطق الغربية، وكانت فارسة بارعة شأنها شأن العديد من سيّدات البلاط. وكانت العديد من خيولها متحدّرة من سلالة قادمة من فرغانة ومرو، وهُجّنت مع خيول السهوب الصغيرة والقويّة التي كانت تُجلب كجزية من ممالك آسيا الوسطى النائية.
وتتحدّث القصص الصينية عن بلدان عديدة اشتهرت بخيولها، مثل تلك الأرض الواقعة في أقصى الشمال، التي تغطّيها الثلوج دائما وتُعرف باسم أرض الجياد المرقّطة، حيث يقال إن خيولها كانت تفهم كلام البشر. وقد تلقّت الصين هدايا من الخيول من دول وشعوب عدّة، بما في ذلك كشمير وغاندارا والجزيرة العربية. إلا أن الوديان الرطبة في صُغديا وفرغانة كانت المصدر الرئيسي لأجود خيول البلاد.
كانت تشاو رابع أميرة صينية تُزفّ لخاقان أويغوري. كانت الأولى هي عمّة جدّتها التي أرسلت عام 758 بعد أن ساعد الأويغور لأوّل مرّة في قتال المتمرّد روكشان. ولم تكن تلك الأميرة الأولى شابّة حين أُرسلت، إذ كانت قد ترمّلت مرّتين، وبعد قضائها عاما واحدا فقط بين الأويغور، ترمّلت للمرّة الثالثة لتعود بعدها إلى الصين. أما أختها الصغرى، التي رافقتها في الرحلة، فقد بقيت هناك وتزوّجت الخاقان التالي.
أُعلن عن الخطبة في اليوم الأوّل من شهر يوليو، وغادرت تشاو في أواخر شهر أغسطس عبر البوّابة الشمالية الشرقية للمدينة. وكان من المتوقّع أن تستغرق الرحلة التي تزيد مسافتها عن ألف ميل وقتا يمتدّ حتى العام الجديد. إذ كانت قافلة ضخمة كهذه تسير ببطء وتتوقّف كثيرا.
وقد اصطفّ شقيق تشاو (أي الإمبراطور) وكافّة المسئولين وفق مراتبهم لتوديعها في مراسم رسمية. كما خرج سكّان تشانغان لرؤية ذلك المشهد المهيب. واستغرق مرور الموكب الذي ضمّ فرسانا من الأويغور والأميرة وحاشيتها ومسئولين صينيين وجمالا محمّلة بالهدايا للخاقان عدّة ساعات لعبور البوّابة وبدء الرحلة نحو الشمال.
كانت تشاو في طريقها إلى قصر يضاهي البلاط الإمبراطوري في فخامته، لكن لا بدّ أنها شعرت أنها ذاهبة إلى أرض غريبة تماما. وشمل الجزء الأوّل من رحلتها عبور أراضي الصين الممتدّة حتى أقصى شمال النهر الأصفر الذي ينبع من هضبة التبت وينحني في مسار طويل نحو الشمال قبل أن يتجه شرقا ثم جنوبا.
وكانت المنطقة المحصورة داخل هذا الانحناء العظيم تتألّف من صحراء وأراض طينية. وخلفها، جهة الشمال والغرب، تقع صحراء غوبي، بينما تمتدّ جهة الشمال الشرقي سهوب تقطنها شعوب أخرى مثل الخيتان والتانغوت.
لم توفّر الستائر الحريرية في هودج الأميرة تشاو سوى حماية ضئيلة أمام قسوة الصحراء. وعلى مدى أيّام، شقّ موكبها الذي بدا كخيط متعرّج من الذهب والقرمز طريقه، مبتعدا عن أراضي الإمبراطورية الخصبة نحو المناطق الغربية الوعرة التي بدت منحوتة بفعل الرياح. وبعد أيّام من المسير، أصبحت التضاريس أشدّ قسوة، وتراءى عن بعد سراب حرارة خادعة. وأكّد بعض الحرّاس أنهم رأوا مياهاً متلألئة تحيط بها أشجار الصفصاف، وأسرع بعضهم حاملين الدلاء نحو الأفق، لكن لم يلبثوا أن عادوا وهم يهذون بكلمات مبهمة.
وذات مساء، أقامت القافلة مخيّمها بالقرب من مجموعة غريبة من الأشجار المتحجّرة. ومع غروب الشمس، انخفضت درجات الحرارة فجأة وتحوّلت من حرّ لافح إلى صقيع قارس في غضون ساعة. وفي تلك الليلة، بدأت الرياح تُصدر أزيزا شجيّا يشبه بكاء البشر. وصهلت الخيول مذعورة، بينما تشبّث الحرّاس بتمائمهم، موقنين أنهم محاطون بأرواح هائمة لجيوش طواها النسيان.
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
وفي ليلة أخرى خلت من ضوء القمر، تعرّضت القافلة لهجوم من عصابة من غزاة الصحراء. وأثناء احتدام القتال، وصل بعض هؤلاء الى عربات المؤن الخلفية. وبينما اندلع القتال حول هودج الأميرة، تسلّلت أفعى أخرجها الصخب من جحرها عبر الستائر الحريرية للمركبة.
وعندما لمحت الأميرة الأفعى، استجمعت شجاعتها وداست على رأسها بمؤخّرة حذائها فسحقته، بينما التحمَ حارس مدجّج بالسلاح بأحد قطّاع الطرق عند باب الهودج. هدوء الأميرة وسط تلك الفوضى أثار إعجاب الحراس، فاستمرّوا يقاتلون بضراوة الى أن اضطرّ المهاجمون للتراجع نحو الكثبان المظلمة.
في الصباح، واصلت القافلة سيرها في جوّ عاصف، سالكةً طريقا ضيّقا تحيط به صخور حمراء مسنّنة. ثم سكنت الرياح وساد صمت مطبق لم يقطعه سوى طنين منخفض بدا وكأنه ينبعث من باطن الأرض. وصاح كبير الحرّاس في الجميع بتغطية آذانهم، لكن الأوان كان قد فات بالنسبة لاثنين من العمّال، إذ استولى الطنين على عقليهما، فابتعدا عن المسار وهما يحدّقان بذهول في الكثبان. وعندما حاول الحرّاس إعادتهما، سقط الرجلان على الأرض مغشيّا عليهما.
كانت الجدران المتآكلة المبنية من التربة المدكوكة التي تحدّد تخوم ممالك الصين القديمة وتقطع انحناءة النهر بمثابة تذكير بالصراع الطويل الذي دار في هذه الأرض بين الصينيين وجيرانهم الشماليين. وعلى الرغم من امتلاك الجيش الصيني أسلحة متطوّرة، إلا أنهم لم ينجحوا قط في بسط هيمنتهم على الشعوب الكثيرة التي كانت تضغط على حدودهم.
لذا دأبوا منذ فترة طويلة على استخدام الدبلوماسية والرِشى بقدر استخدامهم للقوّة العسكرية للدفاع عن أراضيهم. وكانت الأميرة جزءا من هذه الاستراتيجية. كان تقليد إرسال الأميرات لترسيخ التحالفات قد بدأ قبل مئات السنين، وشهدت حقبة السلالة الصينية الحاكمة آنذاك إرسال أكثر من عشرين أميرة للزواج.
وفي القرن السابع، طلب خاقان تركي تزويج أمير صيني من ابنته، ما أثار استياءً عارما في البلاط، إذ قيل: لم يحدث قط منذ العصور القديمة أن تزوّج أمير إمبراطوري من امرأة بربرية".
كانت المنطقة التي تقصدها الأميرة في خريف عام 821 تقع شمال غرب تشانغان، إلا أن القافلة اتجهت أوّلا نحو الشمال الشرقي صوب وادي النهر الأصفر. كان قلب الصين يتحدّد بمسار هذا النهر والسهول الخصبة التي تغذّيها مياهه المحمّلة بالطمي. ثم اتجهت القافلة شمالا عبر شرق النهر وصولا الى تاي-يوان. وكان قد أنشئ هناك معبد مانوي عام 807 بأمر من الأويغور لخدمة الجالية الكبيرة من أبناء وطنهم، إذ كانت تلك أوّل مدينة كبيرة تقع خارج حدودهم.
وقد أصبحت هذه المدينة منتِجا رئيسيا لنوع فاخر من النبيذ يُصنع من العنب القادم من كوتشو. وكان معظم الإنتاج يُرسل إلى تشانغان، حيث صرّح الإمبراطور، شقيق تشاو، عندما تذوّقه لأوّل مرّة قائلا: عندما أشرب هذا، أشعر فورا بانسجام يسري في أطرافي الأربعة. إنه بحقّ أمير السكينة العظمى".
ووصف شاعر ذات مرّة حبّات العنب بقوله: تتفتّح الأزهار كأهداب حريرية، وتتدلّى الثمار كعناقيد من اللؤلؤ، وعلى حبّات العنب التي تشبه حليب الفرس يتلألأ الصقيع وتلمع القشور الشبيهة بحراشف التنّين كأشعّة الصباح".
اتجهت قافلة الأميرة غربا لتتبع الضفاف الشمالية للنهر. كانت التلال تعلو في الأفق الشمالي، ولكن بمجرّد تجاوزها، انحرف الطريق شمالا نحو ينابيع ماء، وكانت تلك هي الحدود الشمالية للأراضي الصينية. كان على الأميرة أن تقطع مسيرات تستغرق أشهرا عديدة عبر صحراء غوبي قبل أن ترى الماء بوفرة، ناهيك عن رؤية نهر آخر. وكان الصيف القصير يوشك على الانتهاء، إذ بدأت الأرض تتصلّب قليلا، لكن الطقس كان صافيا وجافّا ومشرقا.
لم تكن القافلة تقطع سوى مسافات قصيرة، إذ كانت تتوقّف للتخييم مبكّرا كلّ يوم لتتيح للحيوانات فرصة الرعي. وكان الأويغور يصطادون الغزلان لتنويع نظامهم الغذائي المعتمد على لحوم الضأن والبقر. وعندما أعلن الخاقان الثاني اعتناق البلاد للمانوية، لم يكتفِ بأن أمرَ بتدمير "جميع الصور المنحوتة والمرسومة للشياطين"، بل اقترح أيضا على الناس تناول الخضروات.
كان رجال الدين المانويون نباتيين، وكان يُتوقّع من عامّة المؤمنين أن يتحلّوا بالاعتدال والزهد في غذائهم. ومع ذلك، لم ترَ تشاو ما يشير إلى الأخذ بهذا الاقتراح أثناء رحلتها أو بعدها. فالجميع كانوا يستهلكون كمّيات كبيرة من لحوم الأبقار والأغنام والياك والجمال والخيول والغزلان والثعالب والأرانب البرّية، أو أيّ حيوان يمكن تربيته أو صيده.
ومع توغلّ القافلة في أراضي الأويغور، لم تجد تشاو ما يذكّرها بوطنها، فهي لم تكن قد زارت أجزاءً كبيرة منه، لكنها كانت تعرفه جيّدا من خلال الأدب والفنون. وبالنسبة لها، كان الوطن أرضا تزدان بوديان الأنهار الخضراء والمناظر الجبلية الخصبة والمبهرة، حيث تتساقط قطرات المطر على أوراق الموز وتتوسّط أزهار الأقحوان أوراق الخريف الصدئة اللون وتكسو نباتات الخيزران سفوح التلال وتتعاقب الفصول المميّزة بتنوّع أزهارها وحشراتها وطيورها.
وكان التباين صارخا بين تلك الصورة وبين المشهد الرمادي القاحل الذي كانت تستيقظ عليه كلّ صباح وسط تساقط الثلوج. وخطرت ببالها كلمات كتبتها أميرة صينية أُرسلت غربا كعروس قبل 800 عام: زوّجتني عائلتي إلى أفق ناءٍ ومجهول. ليتني كنت إوزّة برّية لأطير وأعود إلى الديار".
كانت الأيّام الطويلة تمضي واحدا تلو الآخر وسط ذلك المشهد الطبيعي الرتيب الخالي من المعالم المميّزة، ولم يكن لدى الأميرة ما تشغل به وقتها. في الصباح، كان الخدم يساعدونها في ارتداء ملابسها ويقدّمون لها الطعام، كما كانوا يجهّزون جملها.
وفي أحد الأيّام، ودون سابق إنذار، تحوّل الأفق إلى سواد دامس، وارتفع جدار شاهق من الرمال، حاجباً الشمس ومحوّلا النهار إلى ليل. واضطرّت القافلة لتشكيل دائرة محكمة، وربط الرجال أنفسهم بالدوابّ حتى لا تجرفهم الرياح إلى المجهول. وعلى مدى يومين، بقيت الأميرة مُلازمة لهودجها، تستمع إلى هدير الرياح وهي تسفّ الرمال بقوّة على كلّ شيء.
وفي اليوم الثالث، هدأت العاصفة أخيرا، مخلّفة وراءها كثبانا رملية جديدة ومتموّجة. وفي هواء الصباح الندي، صاح حارس جذلاً وهو يقف فوق مرتفع عالٍ، عندما لاحت له عن بعد واحة شاسعة ببحيرتها وبساتينها الخضراء التي ظهرت فجأة كمعجزة وسط القفار القاحلة.
وعندما لمحت الأميرة الأفعى، استجمعت شجاعتها وداست على رأسها بمؤخّرة حذائها فسحقته، بينما التحمَ حارس مدجّج بالسلاح بأحد قطّاع الطرق عند باب الهودج. هدوء الأميرة وسط تلك الفوضى أثار إعجاب الحراس، فاستمرّوا يقاتلون بضراوة الى أن اضطرّ المهاجمون للتراجع نحو الكثبان المظلمة.
في الصباح، واصلت القافلة سيرها في جوّ عاصف، سالكةً طريقا ضيّقا تحيط به صخور حمراء مسنّنة. ثم سكنت الرياح وساد صمت مطبق لم يقطعه سوى طنين منخفض بدا وكأنه ينبعث من باطن الأرض. وصاح كبير الحرّاس في الجميع بتغطية آذانهم، لكن الأوان كان قد فات بالنسبة لاثنين من العمّال، إذ استولى الطنين على عقليهما، فابتعدا عن المسار وهما يحدّقان بذهول في الكثبان. وعندما حاول الحرّاس إعادتهما، سقط الرجلان على الأرض مغشيّا عليهما.
كانت الجدران المتآكلة المبنية من التربة المدكوكة التي تحدّد تخوم ممالك الصين القديمة وتقطع انحناءة النهر بمثابة تذكير بالصراع الطويل الذي دار في هذه الأرض بين الصينيين وجيرانهم الشماليين. وعلى الرغم من امتلاك الجيش الصيني أسلحة متطوّرة، إلا أنهم لم ينجحوا قط في بسط هيمنتهم على الشعوب الكثيرة التي كانت تضغط على حدودهم.
لذا دأبوا منذ فترة طويلة على استخدام الدبلوماسية والرِشى بقدر استخدامهم للقوّة العسكرية للدفاع عن أراضيهم. وكانت الأميرة جزءا من هذه الاستراتيجية. كان تقليد إرسال الأميرات لترسيخ التحالفات قد بدأ قبل مئات السنين، وشهدت حقبة السلالة الصينية الحاكمة آنذاك إرسال أكثر من عشرين أميرة للزواج.
وفي القرن السابع، طلب خاقان تركي تزويج أمير صيني من ابنته، ما أثار استياءً عارما في البلاط، إذ قيل: لم يحدث قط منذ العصور القديمة أن تزوّج أمير إمبراطوري من امرأة بربرية".
كانت المنطقة التي تقصدها الأميرة في خريف عام 821 تقع شمال غرب تشانغان، إلا أن القافلة اتجهت أوّلا نحو الشمال الشرقي صوب وادي النهر الأصفر. كان قلب الصين يتحدّد بمسار هذا النهر والسهول الخصبة التي تغذّيها مياهه المحمّلة بالطمي. ثم اتجهت القافلة شمالا عبر شرق النهر وصولا الى تاي-يوان. وكان قد أنشئ هناك معبد مانوي عام 807 بأمر من الأويغور لخدمة الجالية الكبيرة من أبناء وطنهم، إذ كانت تلك أوّل مدينة كبيرة تقع خارج حدودهم.
وقد أصبحت هذه المدينة منتِجا رئيسيا لنوع فاخر من النبيذ يُصنع من العنب القادم من كوتشو. وكان معظم الإنتاج يُرسل إلى تشانغان، حيث صرّح الإمبراطور، شقيق تشاو، عندما تذوّقه لأوّل مرّة قائلا: عندما أشرب هذا، أشعر فورا بانسجام يسري في أطرافي الأربعة. إنه بحقّ أمير السكينة العظمى".
ووصف شاعر ذات مرّة حبّات العنب بقوله: تتفتّح الأزهار كأهداب حريرية، وتتدلّى الثمار كعناقيد من اللؤلؤ، وعلى حبّات العنب التي تشبه حليب الفرس يتلألأ الصقيع وتلمع القشور الشبيهة بحراشف التنّين كأشعّة الصباح".
اتجهت قافلة الأميرة غربا لتتبع الضفاف الشمالية للنهر. كانت التلال تعلو في الأفق الشمالي، ولكن بمجرّد تجاوزها، انحرف الطريق شمالا نحو ينابيع ماء، وكانت تلك هي الحدود الشمالية للأراضي الصينية. كان على الأميرة أن تقطع مسيرات تستغرق أشهرا عديدة عبر صحراء غوبي قبل أن ترى الماء بوفرة، ناهيك عن رؤية نهر آخر. وكان الصيف القصير يوشك على الانتهاء، إذ بدأت الأرض تتصلّب قليلا، لكن الطقس كان صافيا وجافّا ومشرقا.
لم تكن القافلة تقطع سوى مسافات قصيرة، إذ كانت تتوقّف للتخييم مبكّرا كلّ يوم لتتيح للحيوانات فرصة الرعي. وكان الأويغور يصطادون الغزلان لتنويع نظامهم الغذائي المعتمد على لحوم الضأن والبقر. وعندما أعلن الخاقان الثاني اعتناق البلاد للمانوية، لم يكتفِ بأن أمرَ بتدمير "جميع الصور المنحوتة والمرسومة للشياطين"، بل اقترح أيضا على الناس تناول الخضروات.
كان رجال الدين المانويون نباتيين، وكان يُتوقّع من عامّة المؤمنين أن يتحلّوا بالاعتدال والزهد في غذائهم. ومع ذلك، لم ترَ تشاو ما يشير إلى الأخذ بهذا الاقتراح أثناء رحلتها أو بعدها. فالجميع كانوا يستهلكون كمّيات كبيرة من لحوم الأبقار والأغنام والياك والجمال والخيول والغزلان والثعالب والأرانب البرّية، أو أيّ حيوان يمكن تربيته أو صيده.
ومع توغلّ القافلة في أراضي الأويغور، لم تجد تشاو ما يذكّرها بوطنها، فهي لم تكن قد زارت أجزاءً كبيرة منه، لكنها كانت تعرفه جيّدا من خلال الأدب والفنون. وبالنسبة لها، كان الوطن أرضا تزدان بوديان الأنهار الخضراء والمناظر الجبلية الخصبة والمبهرة، حيث تتساقط قطرات المطر على أوراق الموز وتتوسّط أزهار الأقحوان أوراق الخريف الصدئة اللون وتكسو نباتات الخيزران سفوح التلال وتتعاقب الفصول المميّزة بتنوّع أزهارها وحشراتها وطيورها.
وكان التباين صارخا بين تلك الصورة وبين المشهد الرمادي القاحل الذي كانت تستيقظ عليه كلّ صباح وسط تساقط الثلوج. وخطرت ببالها كلمات كتبتها أميرة صينية أُرسلت غربا كعروس قبل 800 عام: زوّجتني عائلتي إلى أفق ناءٍ ومجهول. ليتني كنت إوزّة برّية لأطير وأعود إلى الديار".
كانت الأيّام الطويلة تمضي واحدا تلو الآخر وسط ذلك المشهد الطبيعي الرتيب الخالي من المعالم المميّزة، ولم يكن لدى الأميرة ما تشغل به وقتها. في الصباح، كان الخدم يساعدونها في ارتداء ملابسها ويقدّمون لها الطعام، كما كانوا يجهّزون جملها.
وفي أحد الأيّام، ودون سابق إنذار، تحوّل الأفق إلى سواد دامس، وارتفع جدار شاهق من الرمال، حاجباً الشمس ومحوّلا النهار إلى ليل. واضطرّت القافلة لتشكيل دائرة محكمة، وربط الرجال أنفسهم بالدوابّ حتى لا تجرفهم الرياح إلى المجهول. وعلى مدى يومين، بقيت الأميرة مُلازمة لهودجها، تستمع إلى هدير الرياح وهي تسفّ الرمال بقوّة على كلّ شيء.
وفي اليوم الثالث، هدأت العاصفة أخيرا، مخلّفة وراءها كثبانا رملية جديدة ومتموّجة. وفي هواء الصباح الندي، صاح حارس جذلاً وهو يقف فوق مرتفع عالٍ، عندما لاحت له عن بعد واحة شاسعة ببحيرتها وبساتينها الخضراء التي ظهرت فجأة كمعجزة وسط القفار القاحلة.
