المشاركات

باخ في بلاط فريدريك الأكبر

صورة
احد اغرب اللقاءات في التاريخ هو ذلك الذي جمع بين فريدريك الأكبر ملك بروسيا والموسيقي الألماني العظيم يوهان سيباستيان باخ. في كتابه " أمسية في قصر العقل : باخ يقابل فريدريك الأكبر في عصر التنوير"، يتحدّث جيمس غينيس عن حياة فريدريك وباخ وكيف أن تحدّيا من الملك دفع الملحّن العجوز لتأليف احد أشهر مؤلّفاته بعنوان هديّة موسيقية ، والذي يجمع بين الجمال العقلي والسمعي معا. غينيس ليس أوّل مؤلّف يكتب عن هذه الحادثة المشهورة. فقد سبق وأن وضع دوغلاس هوفستاتر دراسة عن نقاط الشبه الجمالية التي تجمع هذا العمل المتفرّد لـ باخ مع اكتشافات كيرت غودال الرياضية ورسومات إم سي ايشر. وقد نال ذلك الكتاب عن جدارة جائزة البوليتزر. كما أصبح مثالا على الكيفية التي يُستخدم بها النثر البسيط لإيصال الأفكار العميقة بطرق ليست كاشفة فقط وإنما ممتعة أيضا. القصّة التي يكتب عنها غينيس هي تذكير بأن بعض قادة الأمم في الماضي كانوا يثمنّون الثقافة الرفيعة. كما كان الفنّانون والمبدعون يكتسبون الشهرة من خلال نبوغهم وعبقريتهم، وليس بسبب تلاعب وسائل الإعلام. يبدأ الكتاب بسرد سيرة حياة موجزة لشخصيّتي كلّ من باخ وفريدري...

حدائق انطباعية

صورة
ليس من قبيل المصادفة أن الأعمال التي دشّنت المرحلة الانطباعية وحملت ملامحها، مثل لوحات مونيه وسورا ومانيه، كانت تركّز على تصوير الناس في الحدائق وعلى الشواطئ. كان الانطباعيون يرمون من وراء ذلك إلى تحقيق غايتين: أن يرسموا رؤيتهم عن الطبيعة من خلال الإمساك بالانطباعات البصرية للضوء والظلّ، وأن يسجّلوا الأنشطة الحياتية للمجتمع الحديث. ولم يمض وقت طويل حتى تقبّل الناس تلك اللوحات التي تصوّر الباريسيين وهم يستمتعون بالتسلية التي وجدوها أخيرا في الحدائق والمنتزهات العامّة وعلى شاطئ البحر. ومنذ ذلك الوقت لم تفقد مناظر التسلية والمتعة الانطباعية جاذبيّتها أبدا. الأعمال الايقونية التي مهّدت لظهور الانطباعية وعزّزت شعبيّتها في أوساط الناس كثيرة. في الذهن مثلا لوحات مهمّة مثل يوم أحد في جزيرة لاغران جات لـ جورج بيير سورا وعشاء على العشب لـ مانيه. وهناك ايضا تحف فنية مجهولة بعضها يستقر اليوم في بعض المجموعات الفنية الخاصة، مثل لوحة كاييبوت أزهار الاضاليا ولوحته الأخرى عن منظر لأرض ريفية مع زهور حمراء وصفراء. بالإضافة إلى لوحة رينوار بعنوان امرأة بمظلّة في حديقة، وهي عبارة عن شلال من أزهار الخ...

مشاهد من الحياة اليومية

صورة
وليام ميريت تشيس، ساعات خاملة، 1894 بين عامي 1891 و 1902، عثر وليام تشيس على مواضيع جديدة للوحاته خارج الأبواب وفي الهواء الطلق في ساوثهامبتون بـ لونغ آيلاند، حيث كان يشرف على المدرسة الصيفية للفنون في شينيكوك هيلز. في هذا المشهد الذي التقطه من فوق الكثبان الرملية الوعرة على طول خليج شينيكوك، رسم الفنّان أربعة نماذج متكرّرة: امرأة تعتمر قلنسوة حمراء "ربّما كانت زوجته"، واثنتين من بناته، بالإضافة إلى إحدى شقيقات زوجته. وتشيس يدعو الناظر لملء الأشكال غير الواضحة ومحاولة إكمال القصّة المتضمّنة في اللوحة. "ساعات خاملة" هي لوحة نموذجية عن سكّان الحواضر الذين يستمتعون بخلواتهم في الضواحي. كما أن فيها تلميحا إلى ازدياد أوقات الفراغ نتيجة ازدياد وتيرة التحضير والتصنيع. في ذلك الوقت أصبحت النساء يشكّلن غالبية روّاد المنتجعات الصيفية. وكنّ يفضّلن قضاء وقت التسلية على الشطان الآمنة، بينما كان أزواجهن منصرفين للاهتمام بأعمالهم في المدينة. السرد في هذه الصورة بسيط مثل بساطة ملاحظة منسوبة إلى هنري جيمس قال فيها: "ظهيرة صيفية. بالنسبة إليّ هاتان الكلمتان هما الأكثر جما...

عبَق الماضي

صورة
تذكر بعض المصادر التاريخية أن بلقيس ملكة سبأ، عندما ذهبت لزيارة الملك سليمان حوالي القرن العاشر قبل الميلاد، حملت له معها عددا من الهدايا الثمينة كان من ضمنها بعض العطور النادرة والنفيسة. كما يقال أن حتشبسوت، الملكة المصرية القديمة، اقترن اسمها بعطر خاص جمعت مكوّناته بنفسها من الأزهار البرّية النادرة. هذا كلّه أصبح تاريخاً، كما يقال. لكن من يتخيّل أن العطور التي كانت تضعها بلقيس وحتشبسوت وكليوباترا ونابليون وغيرهم من الشخصيات التاريخية يمكن أن يعاد بعثها وتصنيعها هذه الأيّام بنفس مكوّناتها ونِسَبِها التي كانت عليها قبل آلاف السنين؟ ليس هذا فحسب، بل لقد أصبح بإمكان التكنولوجيا الحديثة وشركات صنع العطور إعادة إحياء رائحة زهرة نادرة، حتى عندما تكون الزهرة قد انقرضت منذ مئات السنين، كما تقول الكاتبة كورتني همفريز. هل يمكنك تصوّر انك يمكن فعلا أن تشمّ رائحة الماضي؟ الحقيقة أن التكنولوجيا على وشك أن تجعل ذلك أمرا ممكنا. والمؤرّخون والعلماء وشركات صنع العطور بدءوا يأخذون مأخذ الجدّ فكرة النظر إلى الروائح مثلما ننظر إلى التحف التاريخية. وهم يبذلون جهودا حثيثة لتمكين إنسان هذا العصر...

أمام المرآة

صورة
هذه اللوحة اسمها فينوس أمام المرآة لرسّام عصر الباروك بيتر بول روبنز. المرآة تلعب دورا أساسيّا في اللوحة. فهي التي تعطي المرأة إحساسا بالهويّة والذات. لاحظ كيف أن الرسّام حجب معظم ملامحها عن الناظر بحيث لا يظهر وجهها إلا في المرآة الصغيرة التي يمسك بها الطفل. ثم إنها لا تنظر إلى وجهها في المرآة، بل تحدّق مباشرة في الناظر وكأنها تكشف له من خلال تلك النظرة عن جانب من ذاتها الحقيقية. من الناحية التقنية، تُظهر اللوحة براعة روبنز في تصوير العضلات وانثناءات الجسد وفي اختيار الألوان وقيم الضوء والظلّ المناسبة التي تعكس تفاصيل جسد الأنثى التي ترمز لـ فينوس إلهة الجمال القديمة. واللوحة تذكّر بلوحتين أخريين مشهورتين تلعب فيهما المرآة أيضا دورا رئيسيا، الأولى لـ فيلاسكيز و الثانية لـ تيشيان. المرآة كانت وما تزال موضوعا مفضّلا في الرسم. وهناك العشرات، بل المئات من الأعمال الفنّية التي تشكّل المرآة عنصرا أساسيا فيها. لكن لماذا كلّ هذا الاهتمام بالمرآة في الفنّ والأدب والفلسفة؟ السبب يتمثّل في حقيقة أن ابتكار المرآة كان نقطة تحوّل مهمّة في نظرة الإنسان إلى نفسه ووعيه بذاته لأنها جعلته...

متاعب الطبقة الوسطى

صورة
كيف يمكن أن نعرّف الطبقة الوسطى في أيّ مجتمع؟ في الواقع لا يوجد تعريف شامل ودقيق لهذه الطبقة. لكن عافيتها تُقاس بنسبة ما يكسبه أفرادها من دخل ومدى الاستقرار الماليّ الذي يتمتّعون به. غير أن هذا رهن بتوفّر اقتصاد يحقّق نموّا معقولا ويولّد ثروة يستفيد منها أفراد هذه الطبقة بما يتناسب مع حجمها. أما العوامل التي تؤثّر على أفراد هذه الطبقة سلباً فكثيرة. لكن أهمّها جشع قطاع الأعمال ووجود نظام تعليمي سيء وتضخّم البيروقراطية وتوزيع الدخل بطريقة غير عادلة. منظّرو علم الاجتماع السياسي يقولون إن الطبقة الوسطى هي الحاضنة للفئات الحيّة في أيّ مجتمع، من ‏مثقفّين وتكنوقراط ومبدعين.‏ ويقولون أيضا إن اختفاء هذه الطبقة أو تلاشيها من شأنه أن يحكم على ‏أيّ مجتمع بالجمود، لأنها تختزن بداخلها كلّ الأفكار الحيّة التي تحفّز على التغيير والإصلاح والتجديد.‏ ويقال كذلك أن لا استقرار سياسيا أو اقتصاديا من دون طبقة وسطى ‏كبيرة ومنتجة ونشطة ومؤثّرة.‏ قبل فترة، شاهدت رسما كاريكاتيريّا شدّني لبلاغته ودقّة توصيفه ‏للواقع الاجتماعي. الفنّان رسم بناية ضخمة قسّمها إلى ثلاثة ‏طوابق:‏ العلوي: ومداه ضيّق جدّا ويمثّل ...

مثالية وليام بوغرو

صورة
تنظر إلى لوحات هذا الرسّام فيدهشك أن لا ترى فيها غير صورٍ لحوريّات وعذراوات يتنزّهن في مناظر بهيّة ومشذّبة، وأمّهات يداعبن أطفالهنّ بحنوّ ومحبّة، وأطفال يشبهون الملائكة يحتضن بعضهم بعضها ببراءة وألفة. تلك هي نظرة وليام بوغرو السامية للجنس البشري. وهي نظرة مشحونة بالجمال والطلاوة والمثالية والخيال، إلى الحدّ الذي يجعلنا نتوق إلى رؤية الواقع وملامسة الأرض مرّة أخرى. كان بوغرو ينظر إلى الفنّ على انه ضرب من الجمال المثالي. وكان يبدي انزعاجه من كلّ محاولات التجريب والخروج عن المألوف. وبذا حبس الرسّام نفسه في قفص ذهبي عندما اعتقد أن الرسم يجب أن يكون عن الجمال والفرح في مقابل الواقع. وبحلول نهاية الحرب العالمية الأولى، كانت لوحاته، مع لوحات معاصريه الأكاديميين مثل جان ليون جيروم و لورانس الما تاديما و الكسندر كابانيل ، قد انصرفت عنها أذواق الناس واهتمام النقّاد واستقرّ بها المقام أخيرا في أقبية المتاحف. لكن الجنود القدامى لا يموتون إلى الأبد. فمؤخّرا، ومع تجدّد الاهتمام بالأعمال الفنّية الكلاسيكية، انتعشت واقعية بوغرو ورفاقه الاكاديميين من جديد. من الصعب تصوّر الشعبية الكبيرة التي كا...