المشاركات

خواطر في الأدب والفن

صورة
منذ القدم، اعتُبر وجه الإنسان ملمحا مميّزا وعلامة اجتماعية. ومنذ عصور ما قبل التاريخ، ومرورا بعصر النهضة ثم العصر الحديث، كانت الوجوه، وما تزال، ركنا أساسيّاً في الفنّ. الفنّانون الذين يرسمون الوجوه إمّا يرسمونها في سياق سرديّ، وإما يستخدمونها على سبيل المجاز والاستعارة. وفي كلّ الأحوال، فإن الوجه المرسوم يتواصل مباشرة مع المتلقّي من خلال التعبيرات التي قد تكشف عن قصّة درامية أو عن حالة أو موقف انفعالي. وخلال عصر النهضة بالذات، ساد اعتقاد بأن المظهر الخارجي للإنسان، خاصّة تعبيرات وجهه، يعكس إلى حدّ كبير طبيعته الداخلية. الوجه هو أوّل ما نلاحظه في الأشخاص الذين نقابلهم كلّ يوم. وهو يقول لنا الكثير عن الشخص. وكثيرا ما نكوّن انطباعاتنا الأوّلية عن الآخرين من خلال تعبيرات وجوههم. قد ننظر إلى شخص ما فننجذب إلى ملامح وجهه ويصبح جديرا بثقتنا ومن ثمّ نرتبط به. وقد ننفر من شخص ما لأن تعبيرات وجهه تشي بالخداع أو المكر فنتجنّبه. لكنْ وراء هذا الفعل السلوكي يكمن عامل أكثر عمقاً. فطوال فترة وجود الإنسان على الأرض، كانت قراءة ملامح الوجه سببا مهمّا في البقاء. فبهذه الطريقة، أي الاعتماد ع...

ابن فضلان في أرض الظلام

صورة
في الفترة ما بين القرنين التاسع والرابع عشر الميلادي، سافر العديد من الرحّالة والمستكشفين العرب إلى أقصى بلاد الشمال وعبروا المناطق التي تشمل اليوم روسيا وأوزبكستان وكازاخستان. وكتاب ابن فضلان وأرض الظلام: الرحّالة العرب في أقصى بلاد الشمال لـ بول لوندي وكارولين ستون يقدّم لمحة نادرة ومهمّة عن عادات الفايكنغ، ويستعرض طقوسهم الدينية والجنائزية وطعامهم، بل وحتى ممارساتهم الجنسية، استنادا إلى ما ذكره الرحّالة العربيّ أحمد ابن فضلان في رسالته التي ضمّنها أسفاره ومشاهداته في بلدان شمال أوربّا. كان ابن فضلان دبلوماسيا عربيّا عاش في القرن العاشر الميلادي. في عام 922، أرسله الخليفة العبّاسي المقتدر في مهمّة من بغداد إلى أقصى الشمال الأوربّي. كانت مهمّته مقابلة ملك الصقالبة وتعليم شعبه من بلغار الفولغا المتحوّلين حديثا إلى الإسلام ومدّهم بالأموال اللازمة كي يدفعوا عن أنفسهم خطر هجمات الخزر. وهو يسجّل في رحلاته إلى هناك لقاءاته مع تجّار الفايكنغ على ضفاف نهر الفولغا. كما يتناول بالشرح أسلوب حياتهم وعاداتهم، من التزلّج على الثلج إلى الزواج والنظافة "يصفهم بأنهم أقذر مخلوقات ...

بين الإبداع والجنون

صورة
الإبداع يتناقض مع كلّ ما هو طبيعيّ ومألوف. البعض يراه ثورة، رحلة إلى أرض مجهولة، لذا يجب أن يكون نوعا من الانحراف والغرائبية، ولا يمكن أن يكون شيئا آخر. هل هذا يعني انك، لكي تكون مبدعا، يجب أن لا تعيش حياة طبيعية؟ هذا السؤال صعب وخطير. وربّما كانت أفضل إجابة عليه هي ما حدث للشاعر الرومانسي الانجليزي سامويل تيلر كولريدج الذي أنهى قصيدته المشهورة قُبلاي خان بطريقة مفاجئة بعد أن أغلق عينيه برهبة مقدّسة: أريد أن أبني تلك القبّةَ في الهواء تلك القبّة المُشمسة تلك الكهوف الثلجية وكلُّ من سمع يجب أنْ يراها هناك والكلّ يجب أن يصرخ: حذارِ من عينيه المتوهّجتين ومن شعره العائم في الهواء خُطّوا حوله ثلاث دوائر وأغمِضوا أعينكم برَهبة مُقَدَّسة فقد كان طعامه المَنّ وشرابه حليب الفردوس.. كان كولريدج شاعرا مشهورا وعضوا في جماعة كانت تُعرف بالشعراء الرومانسيين. وقد كتب هذه القصيدة الغريبة عام 1797، بعد أن استيقظ من حلم. كان قد تناول قبل نومه جرعة من عقار مخدّر كان يُستخدم في القرن التاسع عشر كمخفّف للألم. رأى الشاعر في المنام قصرا عظيما بناه الإمبراطور المغولي قبلاي خان في زانا...

رحلة إلى مركز الأرض

صورة
يُحكى أن فلكيّا اعتاد على أن يمشي في الصحراء كلّ ليلة مراقباً النجوم. وفي إحدى الليالي، وبينما كان يحدّق في السماء، إذا به يسقط في حفرة. واتّفق أن شخصا مارّا بذلك المكان سمع الفلكيّ وهو يصرخ طالبا النجدة. ولما رأى الرجلُ الفلكيَّ وهو على تلك الحال قال له: أنت تحاول أن تعرف أسرار السماء، ولكنّك تغفل عن معرفة الأشياء التي تحت قدميك". العبرة من وراء هذه الحكاية الجميلة واضحة، وهي أننا لا يجب أن ننشغل بالنظر إلى فوق أكثر من اللازم حتى لا نسهو عن رؤية الأشياء التي من حولنا. تذكّرت هذه الأمثولة في الأسبوع الماضي وأنا أشاهد فيلما بعنوان رحلة إلى مركز الأرض ، مقتبس عن رواية للكاتب الفرنسيّ المشهور جول فيرن بنفس الاسم. الفيلم يروي تفاصيل رحلة علمية متخيّلة يقوم بها مجموعة من الباحثين إلى آيسلندا لدراسة احد البراكين هناك. وأثناء الرحلة، يجد أفراد الفريق أنفسهم داخل متاهة من الكهوف الضخمة ويكتشفون أنهم قطعوا أميالا عديدة في أعماق الأرض. وهناك، يفاجَئون بوجود عالم آخر مختلف تماما عن العالم الذي خبروه على سطح الأرض: حيوانات من عصور ما قبل التاريخ، طيور تتوهّج في الظلام، اسماك تط...

غِلغامِش في العالم المعاصر

صورة
غِلغامِش صوت شبَحيّ يتحدّث إلينا من العراق قبل أكثر من ستّة آلاف عام. ومع ذلك، ما تزال قصّته وثيقة الصلة بعالم القرن الحادي والعشرين. إنها قصّة حزينة عن رجل لم يتعلّم الدرس إلا بعد فوات الأوان وكان عناده مصدرا لأحزانه ومعاناته. هذه القصّة الموغلة في القِدم باتت احد النصوص الكلاسيكية التي تُدرّس في الجامعات. ولكن لماذا أصبحت حكاية تمتدّ أصولها إلى أزمنة غابرة تستدعي كلّ هذا الاهتمام في عصر الهندسة الوراثية والرسائل النصّية؟ ربّما كانت أفضل إجابة على هذا السؤال هي أن كلّ أشكال الفرح والحزن التي نواجهها في الحياة كشفت عنها ملحمة غِلغامِش قبل أن نولد بآلاف السنين. تبدأ القصّة مع راوٍ يحثّ القارئ على أن يدرس ويتأمّل أسوار أوروك، المدينة الرائعة الواقعة جنوب بلاد الرافدين حيث حَكَم غِلغامِش. فهناك، داخل الأسوار، كنز ينتظر من يكتشفه: "إبحث عن الصندوق النحاسيّ، فُكّ رتاجه البرونزي، وخذ اللوح اللازوردي، واتلُ ما فيه من نبأ غِلغامِش الذي عانى كثيرا وقهر جميع الصعاب". يُوصف غِلغامِش على أن لجسده هيئة ليس لها نظير، فثلثاه إله وثلثه الباقي بشَر. وهو يحكم مدينته بلا منافس...

الجبل البارد

صورة
من الصعب الحديث عن حياة هان شان بقدر من اليقين، لأنّ هناك أساطير كثيرة نُسجت حوله. ومع انه لا احد يعرف اسمه الحقيقيّ ولا متى عاش ولا أين أو كيف مات، إلا أن هناك من يرجّح انه عاش خلال حكم سلالة تانغ الصينية التي شهدت الآداب والفنون الصينية تحت حكمها ازدهارا لم يسبق له مثيل. وقد ارتبط اسم هذا الرجل بمجموعة من القصائد بعنوان الجبل البارد. وألهمت تلك القصائد أجيالا من الشعراء في الصين وكوريا واليابان وغيرها. يقال إن هان شان كان عالما وشاعرا وموسيقيّا ورسّاما. وقد تعلّم في صباه الأدب والرياضيّات والتاريخ. وهناك إشارات كثيرة إلى انه بدأ حياته في عائلة طيّبة وموسرة. ورغم انه تزوّج وأنجب أطفالا، إلا انه كان يشعر بأن الحياة تجاوزته وأنه لم يحقّق فيها شيئا. ومع مرور الزمن أصبح لا يرى في العالم الحديث سوى الجشع والفساد والجهل. وعندما بلغ الثلاثين من عمره جمع كتبه وحاجيّاته وذهب إلى مكان بعيد يقع على مسيرة يومين من بحر الصين الشرقيّ يقال له الجبل البارد. هناك عاش الشاعر سنواته الباقية كناسك متجوّل وضيف على الطبيعة. واعتمادا على بعض ما يرد في قصائده، فإن هان شان قضى بقيّة عمره في ك...

الطريق إلى كالفاري

صورة
الطريق إلى كالفاري لوحة بانورامية غير عاديّة، رسمها الفنّان الهولندي بيتر بريغل الأب على لوح من خشب السنديان، وصوّر فيها طبيعة واسعة يتحرّك فوقها أشخاص كثيرون ومشهد إثر مشهد. و اللوحة نموذج لصور بريغل التي تمتلئ بأنماط شتّى من الشخصيات، وكلّ شخص له مهمّة يريد انجازها. غير أن للوحة أهميّة دينية، إذ أنها تصوّر المسيح في رحلته الطويلة إلى موته النهائي الذي يقال انه حدث في مكان في فلسطين يقال له كالفاري أو جبل الجلجلة. المسيح يظهر في وسط اللوحة. لكن من الصعب تحديد مكانه أو تمييز شخصه من بين الأشخاص الآخرين. ومن الواضح أن الرسّام فعل ذلك عمداً. في اللوحة نرى أيضا عددا من مشاهد الإعدام. وبريغل يُظهر لامبالاة الناس بخوف وتعاسة الأشخاص المحكوم عليهم. وهناك أيضا مشاهد لنشّالين ومحتالين يمارسون حيلهم ضمن طبيعة تكثر فيها المشانق التي ما تزال الجثث معلقة على بعضها بانتظار أن تأتي الغربان لتأكلها. وفي مقدّمة اللوحة إلى اليمين، تظهر العذراء بخمار ازرق ووجه شاحب وهي على وشك الانهيار، بينما يحيط بها بعض الأشخاص الذين يحاولون تهدئتها ومواساتها. المخرج البولندي ليك مايافسكي في فيلمه، غير ا...